المثقفون وحلم التغيير

فيصل طالب (*)

مَثَل الذين يصرفون العمر على العطاء كَمَثَل حبة قمح أنبتت سنبلة، والسنبلة صارت سنابل تكتسي بها حقول الساعين إلى خبز المعرفة، وترقبُ خيرها العقول المتلهفة إلى استشراف الآتي، وتخفق لها القلوب المتعطشة إلى قيم الحق والخير والجمال.

يؤمن المثقّفون الحالمون بأن البذل صنو الحياة، وهم لا يتوانون عن الاندياح في عروق المرتجى اندياح الماء في الأرض العطشى، متوسّلين ميادين الخير الوفيرة، ومتوسّدين عميق الإحساس بالهمّ العام، لإشعال شمعة يجرح ضوءُها عتمةَ الأزمات المتدحرجة، ويشرق على رجاء التخلّص من إدمان الاحتضار، وانتشال الفرح المستعصي من حفرة التردّي. لذلك يأبى واحدهم أن يترجّل عن صهوة جواده، فينكفئ عن مقارعة العبث، ومعاقرة الفعل في الأحداث، مهما تقدّم به "التعب"، أو أصابته إحباطات أو انكسارات.

لا ينشد المثقّف البنّاء غير ما ينشده النهر من الجريان، والشراع من الريح، والأرض من السحاب. محجامٌ هو عن الزبد الذي يذهب جُفاءً. مقدامٌ هو على ما ينفع الناس ويمكث في الأرض. حليف الكدّ وصديق الجَهد الذي لم يرتشف قضيته على رصيف الواجب، ولم يستشرف غده بعيون العرّافين، ولم يرسم بالأوهام قضيّته لكي تكون بكائية أخرى على جدران مدينته. وحين تبحر سفينته وسط موج الكوابيس المتلاطم إلى شاطئ التغيير، ويغرق منظارها، وينكسر شراعها، لا يقدّم هذا الطليعي الحالم استقالته من حواسه الخمس إلى النكوص والعبث.

ما قيمة الشباب، وإن احتدم اندفاعه، وتسارع خطوه؟!

وما قيمة الكهولة، وإن نضجت ثمارها، واعتدل ميزانها؟!

وما قيمة الشيب، وإن جلّله الوقار بحِكَم الزمان وعِبَره ؟!

ما قيمة العمر كله إن لم يصرف في تحصيل علم، ونشر معرفة، وتحقيق إنجاز، وخدمة جيل، ورفعة وطن؟

تُرى هل صار ت الأحلام أطيافاً نلهث وراءها علّنا نستحضر منها بعض القضايا الكبرى إلى زمن الاعتلال والاختلال، زمن الأزقة والزواريب الذي هو شروع في السقوط البنيوي الذي يأخذ في طريقه كلّ شيء؟!

تُرى هل نحن جيل الأحلام الضائعة والكوابيس المفزعة؟ أم نحن جسر العبور الوطيد إلى نهضة جديدة في وطن وأمّة، حيث لا تُقطع الأشجار، ولا تُسحق الأزهار، ولا تُعتقل الفراشات، ولا تصمت العصافير… وحيث لا يرتفع جدار بين الغيم والمطر، بين الزهر والفوح، بين الحب والبوح، وبين الحركة والبركة؟!

قدر المثقفين أن يعبروا دائماً الجسور المعلّقة بين الصمت والصهيل، وأن يسرجوا خيلهم المتحمحم في مفازات التضحية ودروب العطاء، سعياً وراء طيف الترياق المداوي لجرح الاغتراب في الوطن، وأن يَدَعوا الأحلام تتمرّس بالتمرّد على الضمور والانكفاء، وأن يثابروا على صيد الضوء في عيون الأمل حتى تبقى الرؤى مزدانة بقزحيّة البشائر، وأن يعزّزوا سبل البحث في كومات التورّط بالحب والحياة عن ساحة المواجهة بين الذات والعالم، حتى يتصالح الذاتي فينا مع الغيري، ولا نشهد انسحاباً من مشهدية الإقدام إلى هامش الإحجام أو السقوط المريع في العبثية والعدمية. قدر هؤلاء الحالمين أن يثابروا على إيداع توقهم الجميل عالمهم الافتراضي الساكن في عرزال المستحيل حتى يصير ممكناً، وأن لا ينصرفوا عن زرع الورود في الوعر، واجتراح سبل الخروج من أقبية الانتظار الطويل!

يُقام الاعتبار بحق للثقافة ودورها في التعبير عن حجم التحوّلات العلمية والتكنولوجية والاقتصادية والاجتماعية، ورفع منسوب تأثيرها في مجريات الحياة العامة، يوم نرسي سياسة ثقافية تستجيب للاحتياجات الثقافية الحقيقية وتعيّن سلّم أولوياتها، ويوم نعزّز اللامركزية الثقافية وربطها ربطاً جدلياً بسائر عناصر التنمية المستدامة،
ويوم نجعل خطابنا الثقافي خطاباً عمودياً وأفقياً، فلا يكون الشأن الثقافي مجرّد ترف نُخبوي، بل أساس لبناء كل مواطن وكل المواطن، في الطريق إلى صياغة الرؤى، وصناعة الوعي، وتحقيق الأمن الثقافي الذي هو سور الحماية المتين لبنياننا ووحدتنا ومنجزاتنا وإرثنا الحضاري.

ويُقام الاعتبار للثقافة أيضاً يوم نطلق أسماء مفكرينا وعلمائنا وأدبائنا وشعرائنا وفنّانينا على الشوارع والساحات، ويوم ترتفع رايات حرّاس الثقافة في سماء حضورنا الحي لتكون أعلى من تلال الفساد وجبال النفايات!


 (*) المدير العام السابق للشؤون الثقافية ـ لبنان

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.