"الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء" في مواجهة متاريس الطوائف!

محمد شرف الدين /

بعد كل دورة انتخابية، يقتضي الدستور أن يقوم مجلس النواب بإنتخاب "مجلس أعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء"، وهو بند أصر رئيس مجلس النواب نبيه بري على تطبيقه بعد منح الحكومة الثقة من ضمن خطة البرلمان لاستعادة "وهرته" وترميم الثقة المتفسّخة بين السلطة التشريعيّة والرأي العام اللبناني. وتأتي هذه الخطوة لتشكل إطلاق عملية مكافحة الفساد وتفعيل دور القضاء والهيئات الرقابية والبدء بعملية المحاسبة التي وعد بها رئيس الجمهورية ميشال عون بعد انتخابه، واشترطها مؤتمر "سيدر" لضمان استمرار تدفق أموال المساعدات الموعودة. وقد انتخب مجلس النوّاب أعضاء المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء الأصليين، وفاز كلّ من النواب: جورج عقيص، علي عمّار، فيصل الصايغ، جورج عطالله، سمير الجسر، أغوب بقرادونيان وإلياس حنكش. وكان فاز بالتزكية كأعضاء احتياطيين كلّ من النواب: سليم عون، رولا الطبش وعلي عسيران.

يحصل ذلك في وقت أدت فيه مساءلة رئيس الوزراء السابق فؤاد السنيورة عن الـ"11 مليار" التي صرفت في فترة حكومته، إلى عودة خطاب طائفي يذكر بالحرب الأهلية، فرفعت المتاريس، واستبدلت خطوط التماس بخطوط حمر على "رجال الطائفة". وفي الوقت نفسه، تتابع لجنة المال والموازنة النظر في مخالفات للقانون ارتكبها وزراء في الحكومة السابقة، عبر توظيف آلاف الأشخاص في الوزارات وإدارات الدولة لأسباب انتخابية وبما يخالف سياسة وقف التوظيف، وهو ما رتّب على خزينة الدولة أعباء مالية كبيرة، من دون تجاوب من الوزراء المعنيين الذين تغيبوا عن الجلسات، فيما تجاهلت بعض البلديات طلبات أجهزة الرقابة للحصول على أعداد التوظيفات التي حصلت ما بعد آب 2017.

في هذه الطروف تتجلى أهمية تشكيل مجلس جديد لمحاكمة الرؤساء والوزراء، لكن الأهم أن يكون مجلساً فاعلاً، لا أن يكون انتخابه التزاماً بحرفية الدستور من دوم تطبيق روحيته!

بعد انتخابات العام 2009، قام البرلمان بانتخاب النواب سمير الجسر، نقولا غصن، هادي حبيش، غازي زعيتر، ابراهيم كنعان، نقولا فتوش، سيبوه قلبكيان، مروان حمادة، نايلة تويني، ونوار الساحلي، أعضاءً في "المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء"، وأسدلت بعدها الستارة على هذا المجلس، وغاب أي ذكر له طوال ولاية المجلس النيابي السابق، لدرجة أن النواب بمعظمهم لا يعرفون أسماء زملائهم الأعضاء في المجلس الذين جرى انتخابهم بعد العام 2009، وربما الأعضاء نفسهم قد نسوا أنهم انتُخبوا أعضاء فيه، فالمجلس لم يجتمع ولم يقم بأية خطوة تذكّر بدوره، ولطالما كان هكذا الحال، إذ أن أن "الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء" لم يشهد منذ إنشائه أية محاكمة تذكر لرئيس أو وزير، وبالتالي فإن التعويل على محاسبة من تثبت ادانته مع فتح ملفات الهدر في المال العام لايزال بعيد المنال لاعتبارات عدة.

يتألف"المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء" بحسب المادة 80 من الدستور اللبناني، من سبعة نوّاب ينتخبهم مجلس النوّاب وثمانية من أعلى القضاة اللبنانيين رتبة حسب درجات التسلسل القضائي أو باعتبار الأقدمية إذا تساوت الدرجات، ويجتمعون تحت رئاسة أرفع هؤلاء القضاة رتبة، وتتخذ القرارات بغالبية عشرة أصوات من أصل خمسة عشر صوتاً. هو أحد أهم البنود الإصلاحية التي اقرت في وثيقة الوفاق الوطني في الطائف "ضماناً لخضوع المسؤولين والمواطنين جميعاً لسيادة القانون، وتأميناً لتوافق عمل السلطتين التشريعية والتنفيذية مع مسلمات العيش المشترك وحقوق اللبنانيين الأساسية المنصوص عليها في الدستور".

الجرائم التي ينظر فيها المجلس تختلف في ما بينها. بالنسبة الى رئيس الجمهورية فيحاكم بتهمتي خرق الدستور أو الخيانة العظمى، ویكف رئیس الجمهوریة عن العمل عندما یُتهم وتبقى سدة الرئاسة خالیة إلى أن تفصل القضیة من قبل المجلس الأعلى.

أما رئيس الوزراء والوزراء فينظر المجلس بقضايا تتعلق بالإخلال بواجباتهم (رفض الوزير توقيع مرسوم يتعلّق بشؤون وزارته وشؤون الحكومة، وامتناعه عن الحضور إلى وزارته..)، كما يحاكم الوزير بجرائم محددة بقانون العقوبات كالفساد والرشوة واستغلال السلطة. ویكف رئیس مجلس الوزراء أو الوزیر عن العمل فور صدور قرار الإتهام بحقه، و إذا استقال لا تكون استقالته سبباً لعدم إقامة الدعوى علیه أو لوقف المعاملات القضائیة.

وإذا كان لمجلس النواب أن يتهم رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الوزراء والوزراء بإرتكابهم الخيانة العظمى أو بإخلالهم بالواجبات المترتبة عليهم، فإنه لا يجوز أن يصدر قرار الإتهام إلا بغالبية الثلثين من مجموع أعضاء المجلس، وهي أغلبية كبيرة من الصعب توافرها، خصوصاً في ظل التحالفات والاصطفافات السياسية الموجودة. فضلاً عن أن قرار الإدانة في المجلس الأعلى يحتاج إلى تأييد عشرة أصوات من أصل خمسة عشر، وهو أمر بدوره ليس سهل التحقيق، كون النواب الأعضاء يتم التوافق عليهم بين الكتل النيابيّة الأساسيّة، كما أنّ التدخّلات السياسيّة من المؤكّد أنها ستنعكس على الأسماء التي سيتمّ تعيينها من قبل المجلس الأعلى للقضاء.

هذه العوامل جعلت من المجلس كغيره الكثير من مؤسسات الدولة، موجود وله أهمية كبرى لكنه غير فاعل. لذا فإن ورشة الإصلاح لا بد أن تبدأ من القوانين المهترئة، عبر إعادة النظر فيها وتعديلها بحيث تضمن فاعلية مؤسسات الدولة، وإلا كيف سنحارب الفساد إذا كان الفاسد مطمئناً أن التحالفات السياسية ستحول دون تأمين أغلبية الثلثين لاتهامه؟!

الجدير بالذكر، أنه كانت هناك محاولتان سابقتان لإنشاء مجلس أعلى لمحاكمة الرؤساء لم يكتب لهما النجاح. ففي العام 1966 أحيل مشروع قانون بهذا الخصوص على مجلس النواب، في عهد حكومة الرئيس رشيد كرامي، إلا أنه بقي نائماً في أدراج المجلس. وفي بداية الثمانينيات تقدم النائب ناظم القادري بإقتراح قانون بهذا الخصوص لم يرَ النور، إلى أن تشكلت في العام 1987 لجنة خاصة، برئاسة نائب رئيس المجلس النيابي الراحل ألبير مخيبر، لدرس اقتراح القادري، وأنهت اللجنة دراستها وعرضتها على اللجان النيابية المشتركة، التي أضافت عليه تعديلات، لكن بقيت دون أي تنفيذ عملي، إلى أن كانت أحد بنود وثيقة الوفاق الوطني.


عيّنت الهيئة العامة لمحكمة التمييز قضاة المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، وهم رئيس الهيئة جان فهد، جوزف سماحة وميشال طرزي وسهير الحركة وجمال الحجار، عفيف الحكيم وعضو مجلس القضاء الاعلى القاضي كلود كرم والرئيسة الاولى لمحكمة الاستئناف في الجنوب رلى جايل.

كما عيّنت الهيئة العامة الأعضاء الثلاثة الاحتياطيين، وهم القضاة: رئيسا غرفتين لدى محكمة التمييز روكز رزق وغسان فواز ورئيسة معهد الدروس القضائية ندى دكروب.

كذلك عيّن النائب العام التمييزي القاضي سمير حمود مدعياً عاماً لدى المجلس الاعلى مع مساعديه القاضيين المحامي العام التمييزي عماد قبلان والمدعي العام الاستئنافي في البقاع منيف بركات.

وأحال القاضي فهد محضراً بهذه التعيينات الى رئيس مجلس النواب نبيه برّي، إلا أنه طلب إعادة النظر بإختيار القضاة في المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء بعيدًا عن التوازنات الطائفية أو المذهبية، وذلك بعدما تبيّن وجود مخالفتين في آلية الاختيار.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.