معركة حتمية في طرابلس.. و"المستقبل" ينتظر "الخصم"

خضر طالب /

كل الدروب تؤشّر إلى أن "عاصمة السنّة" ستشهد انتخابات نيابية فرعية حقيقية وجدّية، على الرغم من التوقّعات السائدة بأنه لن يكون هناك مرشّح قوي بمواجهة مرشّحة تيار "المستقبل" ديما جمالي التي خسرت مقعدها بالإبطال.

لكن السؤال الذي ما زال يفتّش عن جواب، هو من سيكون "الحصان" الذي سيواجه جمالي؟

حتى اليوم، هناك مرشّحون "مفترضون"، أو بالأحرى "طبيعيون".

ـ أول المرشحين منطقياً هو الدكتور طه ناجي الذي تعرّض لـ"السرقة" مرتين: الأولى عند إعلان النتائج التي حرمته الحسابات، العفوية أو المفتعلة، من الفوز بالمقعد النيابي. والثانية عند إعلان المجلس الدستوري اعترافه بخطأ الحسابات لكنه قرّر إعادة إجراء الانتخابات!

لكن ناجي لا يمتلك وحده القرار بالترشيح، فهو ينتمي إلى "جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية" التي تدرس بعناية شديدة الحسابات الانتخابية، وتجري اتصالاتها مع الحلفاء لاتخاذ القرار الحاسم بترشيح ناجي أو عدمه.

ومع أن ترشيح ناجي يؤدي إلى حصول معركة انتخابية قوية، لكن حساباتها تحتاج إلى تدقيق شديد، خصوصاً أن المزاج العام قد لا يناسب في مرحلة الانتخابات هذا الترشيح، فضلاً عن أن "المشاريع" والقوى السياسية الحليفة، لا يريدون تقديم انتصار مجاني لتيار "المستقبل". فظروف المعركة الانتخابية الفرعية تختلف عن ظروف الانتخابات العامة، خصوصاً أن هامش التحالفات محدّد مسبقاً خلف طه ناجي، في حين أنه مفتوح خلف جمالي.

ووفقاً لهذه الحسابات، هناك نقاش بين ثلاث وجهات نظر: واحدة تقول بأن ظروف المعركة غير متكافئة، وبالتالي لا داعي لخوضها.

ثانية تقول إن حسابات لغة الأرقام تظهر تقارباً في الأصوات، خصوصاً في ظل القناعة أن نسبة الاقتراع ستكون متدنية جداً، وسيكون المتضرّر الأكبر من هذا التدنّي تيار "المستقبل" الذي يعتمد على المزاج العام أكثر منه على الصوت الحزبي.

ثالثة تقول بالانتظار لمعرفة هوية المرشّحين الآخرين بمواجهة جمالي، وبالتالي مدى تأثيرهم سلباً أو إيجاباً على طبيعة المعركة الانتخابية.

ـ ثاني المرشّحين "المنطقيين" هو الوزير السابق اللواء أشرف ريفي. في أوساط أنصاره يسود حماس كبير واندفاعة شديدة لخوض الانتخابات. في قناعتهم أن انتخابات العام 2018 لم تكن "حقيقية" لأن اللواء ريفي خسرها بمواجهة كل الأطراف، فضلاً عن أن أنصاره تعرّضوا لضغوط كبيرة، ما ترك تأثيراً على نتائج التصويت.

ويراهن المتحمّسون لترشيح ريفي على تكرار تجربة الانتخابات البلدية قبل ثلاث سنوات، حين انتصر ريفي على التحالف السياسي العريض الذي ضم كل القوى السياسية تقريباً، وأن منطق "النكاية" الذي ساد في تلك الانتخابات سيتكرّر هذه المرّة لمصلحة ريفي، خصوصاً أنه بعد انتخابات العام 2018 اقفل السياسيون أبوابهم وأوقفوا خدماتهم، بينما أدار تيار "المستقبل" ظهره للمدينة، وهذا ما أدى إلى احتقان شديد في المدينة ضد "المستقبل"، كما ضد غيره من القوى السياسية في المدينة.

لكن اللواء ريفي، الذي أثبت حضوره في الانتخابات الماضية على الرغم من خسارته، لم يتّخذ حتى اليوم قراره بشأن خوض الانتخابات، وإن كانت كل المؤشرات تدفع باتجاه قرار بالترشّح، لأن الفرصة المتاحة له اليوم قد لا تتكرّر مستقبلاً.

مع ذلك، ثمة من يتخوّف في بيئة ريفي، من خسارته هذه المرة أيضاً، لأن الخسارة في هذه الانتخابات تتجاوز تبعاتها خسارة مقعد نيابي.

أما ريفي نفسه، فهو يدرس قراره قبل أن يقول الكلمة الفصل في احتفال بذكرى 14 آذار. اختيار المناسبة بحدّ ذاتها، يشي بأن ريفي يريد استثمار زخم 14 آذار لصالحه، وبالتالي سيعلن ترشيحه رسمياً في هذا التاريخ.

وبحسب بعض المعطيات، فإن ريفي يعمل بصمت على خطين قبل إعلان موقفه الحاسم: خطّ تأمين التمويل للمعركة الانتخابية، وخط صياغة تحالفات تؤمّن له أصواتاً إضافية يقارع بها تيار "المستقبل".

على الخط الأول، ثمة من يقول إن ريفي قد يكون حصل على "وعد" بدعم حملته، جزئياً، وهو ما يعني خطوة في اتجاه البحث عن مصادر أخرى لاستكمال التمويل.

أما على الخط الثاني، فإن ريفي فتح قنوات اتصال مع قوى سياسية ليس لديها مرشح لهذه الانتخابات، خصوصاً في أوساط القوى السياسية التي لها خصومة ـ معلنة أو مضمرة ـ مع تيار "المستقبل".

ـ المرشّح الثالث الافتراضي، هو الدكتور محمد الجسر الذي لطالما كان يتمتّع بزخم انتخابي كبير في الدورات الانتخابية الماضية، لكنه أصيب بنكسة كبيرة في انتخابات العام 2018 عندما ترشّح في لائحة الرئيس نجيب ميقاتي، وهو يحمّل ميقاتي مسؤولية خسارته. وعلى الرغم من المصالحة بين ميقاتي والجسر، فإن الفتور ما يزال قائماً، خصوصاً أن تحالف ميقاتي مع الرئيس سعد الحريري بعد الانتخابات يعني التحالف مع خصمه النائب سمير الجسر.

لكن الدكتور محمد الجسر لم يتّخذ حتى اليوم أي خطوة توحي بالقرار الذي يمكن أن يتّخذه، ربما في انتظار حسم الآخرين ترشيحاتهم. فالجسر يرى الفرصة أقرب إليه في حال انكفأ طه ناجي وأشرف ريفي، بينما في حال ترشّحهما أو أحدهما فإن الظروف تختلف. ولهذا فإن الدكتور محمد الجسر يتريّث في إعطاء أي إيحاء بالقرار الذي سيتّخذه.

ـ المرشّح الرابع هو النائب السابق مصباح الأحدب، الذي صارت خصومته حادة مع تيار "المستقبل"، وهو يعتقد أن فرصته مؤاتية، أياً يكن عدد المرشّحين، خصوصاً أنه يستطيع صياغة تحالفات تؤمّن له خوض معركة متكافئة مع مرشّحة "المستقبل" ديما جمالي.

لكن الأحدب أيضاً غير مستعجل لكشف أوراقه، وإن كان يعمل على قاعدة أنه مرشّح حتماً لاستعادة مقعده النيابي الذي خسره عندما كان حليفاً لتيار "المستقبل" في العام 2009.

هذا في حسابات المرشحين المفترضين، أما في حسابات القوى السياسية، فإن هناك قراءات مختلفة.

تيار "المستقبل" هو الوحيد الذي أطلق ماكينته الانتخابية، مستعيناً بالأمين العام أحمد الحريري وقدرته على استيعاب حالات "التمرّد" والزعل والانكفاء، بتقديم وعود بعضها ما زال قائماً من انتخابات العام 2018. لكن الحريري يركّز جهده هذه المرّة على محاولة شقّ صفوف خصوم "المستقبل"، وخصوصاً أولئك الذين يدورون في فلك اللواء أشرف ريفي، على اعتبار أن الذين يدورون في فلك الرئيس نجيب ميقاتي في موقع "الحلفاء" في هذه الانتخابات، وأن الذين يدورون في فلك النائب فيصل كرامي وسنّة "اللقاء التشاوري" هم من الخصوم الذين لا يمكن استمالتهم.

مع ذلك، يواجه الحريري مجموعة من العقبات التي اكتشفها مبكراً ويحاول معالجتها، ومن بين أبرزها أن تيار "المستقبل" غادر طرابلس منذ انتهاء الانتخابات النيابية، ونامت كل الوعود التي أطلقت في تلك المرحلة.

كما أن الحريري يحاول استنهاض جمهور النائب محمد كبارة، خصوصاً أن كبارة لوحده كان القوة الانتخابية الثانية بعد الرئيس نجيب ميقاتي في انتخابات العام 2018، وهو يتفوّق على تيار "المستقبل" نفسه في طرابلس.

أما كبّارة، فلم يقل كلمته بعد، خصوصاً أن وعود الرئيس الحريري له لم تجد طريقها إلى الترجمة، مما يساهم في تراجع حماسة جمهوره الذي يمسك إدارته اليوم نجل "أبو العبد" كريم كبارة الذي سحب ترشيحه في انتخابات 2018، وكاد يعلن ترشيحه في هذه الانتخابات الفرعية، بعد أن كان والده ينوي عدم الترشّح في 2018، وقرّر الاستقالة في 2019.

وفي جانب الرئيس نجيب ميقاتي، فإنه لم يعلن موقفاً حاسماً بدعم ديما جمالي، لكنه أعلن وقوفه إلى جانب سعد الحريري… مع ذلك، لن يكون بمقدور ميقاتي، حتى لو أراد ذلك، أن يدعم تيار "المستقبل" بشكل قوي في هذه الانتخابات لخمسة اعتبارات:

الأول، أن ميقاتي أوقف القسم الأكبر من المساعدات بعد الانتخابات مباشرة، وذلك كردّة فعل على تناقض حساباته مع الوقائع الانتخابية، حيث كان يتوقّع الحصول على نحو 40 ألف صوت، في حين أنه حصل على 21 ألف صوة ونيّف، مع أنه جاء أولاً بعدد الأصوات.

الثاني، أن قاعدة ميقاتي غير مقتنعة بالتحالف مع الحريري، وهي إما أنها ستنكفئ أو أنها ستقترع ضد الحريري، خصوصاً إذا قرّر اللواء أشرف ريفي الترشّح.

الثالث، أن ميقاتي لن يضحّي ببضعة ملايين من الدولارات لحملة انتخابية تدعم ديما جمالي.

الرابع، أن ميقاتي لن يكون مسروراً بانتصار سعد الحريري في طرابلس، وعلى الأقل لن يكون منزعجاً بخسارة الحريري، هذا إذا لم يدعم ريفي سرّاً.

الخامس، أن ميقاتي سيحاول قطع الطريق على مرشح "المشاريع" طه ناجي، وفي ذهنه أنه يقطع الطريق على انتصار سيترجم في خانة فيصل كرامي الذي يشكّل مستقبله السياسي خطراً على ميقاتي.

أما جمهور "اللقاء التشاوري"، فإنه ينتظر القرار بترشيح ناجي، أو غيره، لإثبات قوتهم الانتخابية ولتأكيد أحقيتهم بالمقعد الذي "سُرق" منهم.

في المحصلة، يبدو أن طرابلس أمام معركة حتمية، وأن الانتخابات الفرعية لن تكون بمثابة نزهة لتيار "المستقبل"، بل ربما تكون محطة فاصلة.. أو نقطة على السطر!

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.