هل ارتكب "حزب الله" الخطأ عمداً؟

طويت صفحة مكافحة الفساد… غداً يوم آخر!

/ خضر طالب /

هل ارتكب "حزب الله" فاولاً سياسياً؟ أم أنه تعمّد إطلاق حملته لمكافحة الفساد من بوابة الرئيس السابق للحكومة فؤاد السنيورة؟

هل كان "حزب الله" يعتقد أن "ورقة" فؤاد السنيورة قد اصفرّت، وأن خريفها قد حان، بعد أن بات معزولاً في بيئته السياسية، أي تيار "المستقبل"، وبعد أن توغّل الرئيس سعد الحريري في ورشة "مكافحة" داخل تياره ليكون صاحب الكلمة الأولى والأخيرة تحت شعار "الأمر لي"؟

إما أن "حزب الله" أخطأ في القراءة السياسية.. وإما أنه تعمّد هذا الخطأ!

في الحالة الأولى، أي الخطأ في القراءة، يكون "حزب الله" قد ارتكب خطيئة سياسية، لأنه أعاد شحن النفوس، ونفض الاستنفار المذهبي الغبار عن نفسه، وانتفض "المارد السنّي" مجدداً لحماية "صقور" السنّة!

في هذه الحالة، يكون "حزب الله" قد رفس "دلو الحليب" الذي أنتجته الانتخابات النيابية الأخيرة. كما أن الحزب يكون قد حشر حلفاءه وأصدقاءه، واستنفر عصبية خصومه بمواجهته، وأحرج أصدقاءه الذين كانوا يغازلونه عن بعد!

هنا يمكن فهم صمت حلفاء الحزب في الشارع السني، بعد أن وقف مفتي الجمهورية عبد اللطيف دريان على باب السراي الحكومي تحديداً، ليعلن "فتوى التحريم" بالخط الأحمر، وليعلن "فتوى الإجازة" للدفاع عن "رمزية" فؤاد السنيورة. فاستجاب لـ"فتواه" مَن استجاب من "الأنصار"، وصمت مَن صمت من "الخصوم".. ثم تبيّن أن هناك أصدقاء للرئيس السنيورة أداروا وجههم عنه، ربما لأنهم لا يريدون "حرق أوراقهم" عند "حزب الله" في لحظة قد تأتي يوماً!

وفي الحالة الثانية، أي أن "حزب الله" تعمّد هذا الخطأ لمساعدة "الحليف الجديد"، سعد الحريري، على احتواء كل "الطيور" التي أفردت أجنحتها في مرحلة سابقة حتى ظنّت أن الحريري نفسه تحت جناحها!

وفي هذه الحالة، فإن "أخطاء" أخرى ستأتي في الطريق لتطويع آخرين ما زالوا خارج "بيت الطاعة" الحريري. وبالتالي فإن العلاقة بين سعد الحريري و"حزب الله" هي غير ما نعتقد، وربما يكون هناك تفاهم سياسي غير معلن بين الطرفين، وهذا ما يعني أن المرحلة المقبلة ستحمل مفاجآت كثيرة على مستوى العلاقة بين الحريري و"حزب الله"!

في الحالتين، يكون "حزب الله" قد أقفل ملف مكافحة الفساد لأنه تبيّن أن أوراقه مبلّلة بالبنزين الذي قد يحرق البلد إذا حصل "ماسّ كهربائي" صغير!

لكن الواقع أن "حزب الله" أخطأ في الحالتين أيضاً. فالفساد ليس إسماً يمكن القبض عليه، أو تحميله عبء كل ما حصل. والفساد ليس حكراً على شخص أو منطقة أو مذهب أو طائفة، وأي محاولة لتحويل شخص إلى "كبش محرقة" في مكافحة الفساد سيحوّله إلى ضحية وشهيد… وهذا ما حصل مع الرئيس فؤاد السنيورة.

ربما لو كان الخيار في يد الحريري لكان انضمّ إلى الحملة، لكن الحريري لا يستطيع أن يحمل وزر هدر الدم السياسي للرئيس فؤاد السنيورة، لاعتبارات كثيرة، منها ما هو وجداني، أو ذاتي، أو مناطقي، أو عائلي، أو حزبي، أو طائفي ومذهبي… تماماً كغيره من رؤساء الأحزاب الذين يحتضنون رموزاً تحت أجنحتهم ويؤمّنون لهم الحماية، وهم عاجزون عن الإطاحة بهم لاعتبارات أقل بكثير من اعتبارات سعد الحريري لحماية فؤاد السنيورة.

ربما كان يفترض بـ"حزب الله" أن يبدأ من "بيته" و"بيئته"، ثم ينتقل على البيئات الأخرى، وأن يلتزم بتطبيق قاعدة "6 و6 مكرّر" في مكافحة الفساد، طالما أن هذه القاعدة مطبّقة في الفساد نفسه!

وربما كان يفترض بـ"حزب الله" أن يراعي "الشركة" ـ "الشراكة"… فالشراكة في "الغُنم" يجب أن تنسحب شراكة في "الغُرم"، وبالتالي فإن محاولة التضحية بالرئيس فؤاد السنيورة قد ارتد عكسياً، وصارت الحماية الطائفية مظلّة تحمي كل المتورّطين جهراً وصراحة بالفساد!

كيف يمكن الآن توجيه الاتهام لأي فاسد ينتمي لأي جهة سياسية أو مذهبية أو طائفية؟

الفاجعة التي لا يمكن القفز فوقها تتمثّل بحالة الاستنفار التي حاولت حماية الرئيس السنيورة وكأنه "مرتكب" فعلاً، بينما كان يمكن بكل هدوء تقديم الدفوع، تماماً كما كان يعتمد السنيورة نفسه منذ توجيه الاتهام له بمسألة عدم وجود قيود بمبالغ الـ11 مليار دولار!

لماذا حصل هذا الاستنفار؟ لا أحد يملك جواباً فعلياً!

لكن في النتيجة، انتهت ورشة مكافحة الفساد لحظة انطلاقها، والمفارقة أن "حزب الله" الذي رفع هذا العنوان للمرحلة هو الذي أطلق النار على يافطته، فتسبّب بعطب بنيوي في مشروع مكافحة الفساد، اقلّه بمفعول رجعي، وبالتالي صار الجميع محكوماً بتطبيق قاعدة "عفا الله عمّا مضى" في محاربة الفساد… بينما الإصلاح يدور في دوّامة مفرغة!

طويت الصفحة… غداً يوم آخر!

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.