حين تغدو مكافحة الفساد.. بحاجة الى رشوة!

/ رفعت البدوي /

المواطن اللبناني مصاب بداء الأرق والخوف على مستقبله المجهول، خصوصاً بعدما أصيب لبنان بتراجع ملحوظ في مستوى التقدم والنمو الاقتصادي، ما سبب الخيبة جراء تأزّم الاوضاع المعيشية والتقديمات والخدمات على مختلف المستويات، نتيجة الهدر الحاصل، إضافة الى الفساد الذي بات بمثابة ثقافة مستحكمة بمرافق الدولة اللبنانية.

وبالمقارنة مع ما كانت عليه الأمور منذ العام 2005، مروراً بالعام 2008، وصولاً إلى يومنا هذا في العام 2019، نكتشف سريعاً الاستمرار في عملية اهتراء مؤسسات الدولة، وتراجع مستوى خدماتها في قطاعات الكهرباء والماء والاتصالات والاستشفاء، إضافة الى تردّي المستوى المعيشي وبوتيرة متسارعة الناتج عن سوء الأمانة في الإدارة، على الرغم من اعتماد صرف مبلغ 11 مليار دولار لتحسين اوضاع اللبنانيين (كما يزعم بعض المسؤولين).

ولو سُئِل أي لبناني عن سبب استمرار هذا التراجع المخيف، فلن يألو جهداً للإقرار بأن السبب في ما آلت إليه ظروفنا هو الفساد المستشري، والهدر المقصود، والسرقة الموصوفة اللاحقة بأموال الدولة اللبنانية، لصالح طبقة من السياسيين المتنفّذين في لبنان.

الامر اللافت هو إعلاء الصوت الداعي إلى ضرورة مكافحة الفساد، ووقف السرقات، من دون تسمية الفاسدين ولا المرتكبين والمشاركين في سرقة ونهب اموال الخزينة، وهذا ما أقدم عليه بعض نواب "حزب الله"، آخذين على عاتقهم وضع كل الوثائق والدلائل والثغرات وعمليات تجاوز القوانين والالتفاف عليها، أمام القضاء المختص، للكشف عن السرقات والأموال المنهوبة، وإعادتها الى خزينة الدولة.

صحيح أن مكافحة الفساد ومحاسبة المسؤولين لاستعادة أموال الدولة المنهوبة، أمر بالغ الضرورة لاستعادة ثقة المواطن بالدولة ومؤسساتها، لكنه يتطلب الاقدام على عملية تحديث للقوانين، وإعادة النظر بالصلاحيات المعطاة للوزراء والمسؤولين، إضافة إلى تفعيل دور ديوان المحاسبة وهيئات الرقابة، إضافة إلى تفعيل دور القضاء المختص وتحريره من أي ممارسات أو ضغوط، وإلغاء مرسوم ضم وزارة التصميم إلى مجلس الإنماء والإعمار لاستعادة دورها المهم كوزارة مستقلة بحد ذاتها، نظراً لما لهذه الوزارة من أهمية في رسم مستقبل التنمية في لبنان.

إن ما قام به نواب "حزب الله" لاستعادة أموال الدولة، أمر بالغ الأهمية لضمان نجاح عملية مكافحة الفساد المستشري. لكن وبكل موضوعية فإن خطوة نواب "حزب الله" تعتبر بمثابة "دعسة ناقصة"، لأن عملية مكافحة الفساد هي مسار طويل، هي ثقافة لا يمكن تطبيقها لمجرّد الضغط على زر، أو باستعمال مفتاح سحري.

إن معالجة آفة الفساد لا يمكن لها النجاح إذا اعتمدت مبدأ المعالجة على أساس قاعدة "اللهم اشهد اني قد بلغت"، واني اديت واجبي في الكشف عن المحظور، والباقي يقع على عاتق القضاء!

 

الفساد هو مرض مستشرٍ يبدأ من الرأس، ولا يمكننا البدء بعلاج الرأس من القدمين!

الرأس هنا هو القضاء، وعلاج الفساد يبدأ حيث وجد القضاء ومن القضاء ذاته، حيث لا يمكن علاج أي شيء في الدولة، ولا يمكننا استعادة اموال الدولة، طالما بقي القضاء مسيساً يأتمر بإمرة رؤساء الاحزاب السياسية أو رؤساء الطوائف والمذاهب.

لا ننكر بأن الجسم القضائي يضم الكثير من القضاة أصحاب كفاءة حافظوا على القَسَم، ويُشهد لهم بالنزاهة والتعفف، وهم أصحاب سمعة طيبة. لكن بحكم الواقع المستحكم بالوطن اللبناني فإن الكثير من القضايا والملفات الحسّاسة تم وضعها في أدراج الحفظ، أو أنه عُمِل على إخفائها أو اختفائها، أو تنحية القاضي المولج معالجة بعض تلك الملفات الحساسة.

إن القضاء هو عماد الدولة وأساسها. ألم يكن شعار "العدل أساس الملك" هو الشعار المؤسس للدولة الرائدة في حفظ حق الانسان والدولة والوطن؟

إن باب مكافحة الفساد، والمضي في عملية الاصلاح والتنمية الوطنية الحقيقية، يحتاج الى دعم القضاء دعماً مطلقاً، وفي تفعيل مبدأ محاسبة المسؤولين، ولو كانوا مسؤولين سابقين.

إن تحرير القضاء من أي تأثير سياسي، داخلي كان أم خارجي، وضمان استقلاله ونزاهة قراره، هو المؤشر الوحيد على صحة اتجاه البوصلة لسلوك عملية مكافحة الفساد مسلكها الصحيح، ما يضمن خضوع المسؤولين قبل المواطنين لمبدأ المحاسبة وإعلاء مصلحة الوطن بإحقاق الحق وحفظ كرامة المواطن.

يقول ونستون تشرشل "طالما بقي القضاء مستقلاً وقراراته لا تجيّر الا لمصلحة الحفاظ على كرامة بريطانيا وصون حقوق الانسان فيها، فإننا سننتصر، وسيكتب التاريخ أن كرامة الانسان بقيت مصانة في بلادنا، رغم الحرب والدمار".

تجربتنا في مكافحة الفساد ليست مشجعة، خصوصاً بعدما انبرى مفتي الجمهورية اللبنانية مستبقاً قرار القضاء صارخاً وبأعلى صوته، راسماً خطوطاً حمراء تمنع القضاء من مساءلة مسؤول سابق تحوم حوله شبهات اساءة الأمانة والمشاركة بعملية هدر المال العام.

لقد ثبت لدينا، بالوجه الشرعي، أن مبدأ محاسبة المسؤولين في لبنان هو باب مغلق بإحكام بواسطة أغلال متينة وضعها زعماء الطبقة السياسية، أو جراء تهديد بتجاوز خطوط حمراء، طائفية أو مذهبية، أو بواسطة الالتفاف على القوانين.

وعلى قاعدة الضحك من شدة الألم، تحضرني واقعة مضحكة حصلت مع الرئيس سليم الحص، المشهور بنزاهته وتعففه، تظهر استياءه من عدم تفعيل مبدأ المحاسبة والتصدي للفساد الحاصل، ومكافحة الرشوة المستفحلة.

في العام 2005 اجتمع عدد من الخبراء في مجال الاقتصاد، لمعالجة الثغرات ومراكز الهدر، والبحث عن السبل الآيلة إلى كبحها.

اقترح الرئيس سليم الحص تأمين كل المستلزمات، وتقديم الأوراق اللازمة للحصول على رخصة دولية تخوله انشاء منظمة مرتبطة بالأمم المتحدة، تعنى بمكافحة الفساد والرشوة، سميت "المنظمة العربية لمكافحة الفساد".

وبالفعل تم تأمين الأوراق اللازمة، وبوشر بالإجراءات القانونية. وبسرعة قياسية لا تتعدى أياماً معدودة كانت المفاجأة بصدور مرسوم قبول طلب إنشاء "المنظمة" ومزاولة عملها فوراً.

تولى الرئيس سليم الحص مركز رئيس مجلس الادارة ورئيس مجلس الامناء في تلك "المنظمة". وفي اول اجتماع لمجلس الأمناء، وفور التئام المجلس، بادر الحضور بسؤال الرئيس الحص عن سرّ سرعة اكتمال الإجراءات القانونية لانشاء "المنظمة العربية لمكافحة الفساد والرشوة"، وصدور المرسوم المتعلق بالمنظمة، والحصول على الموافقة بربطها بالأمم المتحدة بسرعة قياسية، رغم تعقيدات السلطات البيروقراطية.

وعلى سبيل الفكاهة وبسرعة بداهته جاوب الرئيس الحص الحضور "قمنا برشوتهم"… ضحك الامناء وضحك الرئيس سليم الحص قائلاً: "تخيلوا حالنا حين تغدو مكافحة الفساد بحاجة الى رشوة!".

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.