تفاصيل من "الأجندة" الأميركية للبنان

"سيدر" في قلب العاصفة!

/ جورج علم /

تحتاج مهمّة الموفد الفرنسي بيار دوكان الى تدقيق، لم تكن باريس بحاجة الى سفير متجوّل، ليخبرها عن الفساد المستشري، والتجاذبات الحادة بين أركان السلطة، والمناكفات السياسيّة بين قادة الأحزاب والميليشيات، وانعدام التخطيط، وغياب المقاربة الوطنيّة الواحدة للمشاريع الحيويّة التي يحتاجها البلد… هذا كله معلوم، وموثّق من قبل الإدارة الفرنسيّة التي تعرف ما يدور في دهاليز البيت اللبناني أكثر ممّا يعرفه اللبنانيّون.

جاء دوكان الى بيروت "لينكش" في كومة التفاهات السياسيّة، بحثاً عن خيط رفيع يحبكه على نوله ليصنع منه حبل نجاة لإنقاذ المبادرة الفرنسيّة التي عمّدت في جرن المعموديّة اللبناني، وأُطلق عليها إسم "سيدر".

"سيدر" في خطر، لأن الرئيس إيمانويل ماكرون في نيسان 2018، تاريخ استضافته المؤتمر، هو غيره في نيسان 2019. فقد الرجل الكثير من الوزن على مستوى الدول المانحة. فقد الكثير من المهابة والمكانة على مستوى الداخل الفرنسي أولاً، ثم بين معشر الدول الصديقة، والحليفة. ماكرون في نيسان 2018: رئيس شاب، ديناميكي، يحظى بشعبيّة واسعة، و"سوبر ستار" على المستوى الإعلامي. كان يستطيع بفضل هذه "النجوميّة" أن "يمون"، ويجمع كوكتيلاً عريضاً من دول مانحة. ماكرون في نيسان 2019: رئيس مرتبك، حائر، ضائع، يواجه أدنى مستوى من التأييد الشعبي، لم يبلغها أي رئيس فرنسي من قبل، القبعات الصفراء تحاصره من كل حدب وصوب. كثيرون صفّقوا له، وتحلّقوا من حوله، ورفعوا له القبّعة احتراماً، يحاولون اليوم القفز من مركبه خوفاً من الغرق. لا هو الرقم الصعب في معادلة الاتحاد الأوروبي، ولا هو الصديق المحترم صاحب المكانة الرفيعة الموثوقة من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ولا هو الرئيس الـ"سوبرمان" بنظر الأفارقة، ودول العالم الثالث الذين يتخذون من الفرنكوفونيّة سترة نجاة، ومن فرنسا عنفوان الجنرال ديغول، وشمخة أنفه الطويل المروّس.

"سيدر" في خطر، لم يعد الرئيس يمون على أولئك الذين سحرهم قبل عام، واستضافهم ما بين قوس النصر وبرج إيفل، و"مان" عليهم بالمشاركة والاكتتاب.

الأوروبي الذي انخرط في "سيدر"، في الـ 2018، له ظروفه، وأولوياته في الـ 2019، والتحديات الاقتصادية الكثيرة التي يواجهها تُملي عليه سلوكاً مختلفاً، من دون أن يملك القدرة على صرف قرش واحد خارج أجندة الاستحقاقات والمستحقّات الداخليّة.

الخليجي الذي ذهب الى "سيدر" في الـ 2018، لم يفعل "كرمال سود عيون" لبنان واللبنانييّن، بل ذهب لبناء جسور تواصل وتحالف مع رئيس غربي شاب، يمكن الاعتماد عليه في ساعات التخلّي، و"ساعات التخلّي" في الشرق الأوسط، هي الأكثر رواجاً، وملائكتها حاضرة في أي ظرف! الخليجي في الـ 2019، له ظروفه في اليمن، وفي العراق، وسوريا، ولبنان، وسائر دول المغرب العربي، وله مواجهته المفتوحة مع إيران، و"الحوثي" في اليمن، و"حزب الله" في لبنان… وبالتالي "إذا ما قرر الحبيب أن يصيب"، فلن يعطي من دون حسيب أو رقيب! قد يدفع، ويلبّي، لكن وفق شروطه، لا وفق شروط "سيدر"، وطبقاً لمزاجه، وليس طبقاً لرغبة ماكرون، وإملاءاته، وأجنداته. لقد تغيّر المسرح، والديكور، وحتى حبكة الرواية!

"سيدر" في خطر، لأن التزامن مريب، فما ان وصل الموفد دوكان الى مطار "كل من إيدو إلو" في بيروت، حتى خرجت علينا بريطانيا بنغمة نشاز، واعتبرت أن "حزب الله" بجناحيه السياسي والعسكري "منظّمة إرهابيّة"! لماذا الآن؟ ولماذا في هذا التوقيت؟ الجواب يطول، ذلك أن السيدة تيريزا ماي رئيسة وزراء بريطانيا، عالقة منذ فترة في مصعد "البريكست" حيث "يطوطح" بها صعوداً ونزولاً، لا هي قادرة على الخروج من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق، ولا هي قادرة أن ترضي مجلس العموم بجناحيه المحافظ والعمّال ببنات أفكارها، والفذلكات الأمنيّة والاقتصادية التي أعدّتها للخروج. ولذلك هي بحاجة الى مساعدة صديق، لا بل هي بحاجة الى رافعة قويّة، البعض ينصحها بأنها متوافرة عند محمد بن سلمان، نظراً لما يملك من وفرة أموال، ومضارب استثمارات، والبعض الآخر يشير عليها بـ"الطاووس الذهبي" النافش ريشه في البيت الأبيض، والقادر على أن يمدّ لها حبل النجاة، إن هو شاء!

في مطلق الأحوال كانت ضربتها، ضربة معلّم من حيث التوقيت والإخراج، وتمكّنت من توجيه رسائل باتجاهات عدّة، في وقت واحد.

الأولى: برسم الرئيس ترامب، وفيها الكثير من الود والإستعطاف:"نحن في بريطانيا على خطاكم سائرون، وقد أدرجنا الحزب على قائمة الإرهاب استجابة لتعليماتكم، وتجاوباً مع رغباتكم"!

الثانية: برسم السعوديّة، ومحمد بن سلمان تحديداً: "نحن معكم، ونقف الى جانبكم في مواجهة الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، وأخطبوطها المتمدد في الدول العربية انطلاقاً من لبنان موئل حزب الله، الى سوريا، والعراق، وصولاً الى اليمن، والحوثي المتمكّن في الحديدة، وصنعاء… وكما تراني يا جميل أراك، مصانع أسلحتنا جاهزة، وصناعاتنا غب الطلب في زمن البريكست"!

الثالثة: برسم بنيامين نتنياهو، وكأن السيدة ماي تريد من خلال موقفها أن تجزيه معروفاً، وتسديه خدمة، على أبواب الانتخابات العامة في إسرائيل، لترفع من منسوب شعبيته، كي يعاد انتخابه، ويحافظ على موقعه كرئيس للوزراء، بدلاً من ان يذهب الى غياهب السجون، إذا ما خذلته صناديق الاقتراع، نظراً للتهم الموجّهة إليه على خلفيّة الفساد. والدليل على أهميّة هذا الدعم، رفع نتنياهو صوته عبر وسائل الإعلام، مشيداً بخطوة ماي، ومثنياً على قرارها في هذا التوقيت!

الرابعة: برسم إيران: "بريطانيا لا تزال ملتزمة بالاتفاق النووي، لكن أي خطوة متهوّرة قد تقدم عليها طهران، من شأنها أن تدفع بلندن إلى الخروج من الاتفاق، والالتحاق بركب الرئيس دونالد ترامب".

الخامسة: برسم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون: "لست أنت من يستأثر بالوصاية على لبنان من خلال سيدر، فنحن هنا، ولنا حصّة في وطن الأرز، ويكفي أن بريطانيا كانت السبّاقة في بناء أبراج الاستكشاف على طول الحدود اللبنانيّة ـ السوريّة، ووضعتها بتصرف الجيش اللبناني، رغم معارضة دمشق، وحزب الله، ومصالحهما التي تقتضي بأن تبقى الحدود سائبة أمام حركة الدخول والخروج"!

هذا من جهة بريطانيا. أما من ناحية الولايات المتحدة، فالوضع مختلف. والسؤال الملح الذي وصلت أصداؤه الى الكواليس اللبنانية المغلقة، لماذا "سيدر"؟ ولماذا في هذا التوقيت؟ ومن قال بأن "شيكاته" قابلة للصرف، إن لم تكن مذيّلة بالتوقيع الأميركي؟ ومن قال بأن "تسييل" شيكات "سيدر" يمكن أن تتم بمعزل عن الأجندة الأميركيّة الخاصة بلبنان؟ هذه الأجندة لم تضع ـ مع الأسف ـ "سيدر" في رأس اهتماماتها، وأولوياتها، بل وضعته "غب الطلب" جاهزاً للتنفيذ بعد معالجة أولويات خمس:

  • لن تمنح واشنطن "حزب الله"، فرصة الاستئثار بـ"سيدر"، وأمواله، كما تتهمه حالياً بالاستئثار بالقرار السياسي والأمني في الداخل، سواء من خلال حضوره في مجلسي النواب، والوزراء، أو خارجهما.
  • لن توفر واشنطن الفرص المؤاتية لقيام انفتاح لبناني رسمي على دمشق، ومع حكومة يرأسها الرئيس بشار الأسد. لاءات ديفيد هيل لا تزال اصداؤها تتردد في أرجاء البيت اللبناني.
  • لن تترك واشنطن ترف عودة النازحين السوريين وفق رؤية الرئيس ميشال عون، وتنظيرات وزير خارجيته جبران باسيل. العودة بنظر الأميركيين وحلفائهم في لبنان، تكون وفق الاستراتيجية الأميركيّة ـ الإسرائيليّة حيال دول المنطقة، وهي تقول لغاية الساعة بوجوب دمجهم بالمجتمع اللبناني، عملاً بالقرار الصادر قبل مدّة عن مرجعيات دوليّة عدّة، ويقضي "بضرورة دمج النازحين في مجتمعات الدول المضيفة"!
  • لن تترك واشنطن 15 ألف ضابط، وجندي من القبعات الزرق التابعين للأمم المتحدة (اليونيفيل)، لحراسة القرار 1701، ومخازن أسلحة "حزب الله" في الجنوب. ومع اكتمال بناء الجدار الفاصل من قبل إسرائيل، سوف تقدم على سحب هذه القوات، تاركة الجيش اللبناني وجهاً لوجه مع مقاتلي "حزب الله".
  • لن تترك واشنطن الحريّة للجانب اللبناني كي يستثمر بغازه ونفطه في مياهه الإقليميّة بمعزل عن تفاهم عميق مع إسرائيل. الأولويّة للتفاهم، وبعده يأتي الاستثمار بالنفط والغاز!. لكن أين هي الحكومة اللبنانيّة التي تجرؤ على ذلك في ظلّ الأوضاع القائمة، والمعادلات السائدة؟!

… وعندما ينظر لبنان إيجاباً إلى ما تحويه الأجندة الأميركيّة، عندها يمكن أن توقّع واشنطن على شيكات "سيدر ـ 1"، كي تصبح قابلة للصرف!

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.