"بالنازحين جئناكم لـ.. يبقوا!"

الاتفاق الرئاسي جعل الحريري يسلك طريق دمشق والانتخابات جعلت حلفاءه السابقين يسلكون طريق منازلهم

 لقاءات ساترفيلد البيروتية مؤشر على عمليات التشويش المقبلة

/   نورما أبو زيد /

خرجت سوريا من لبنان.. دخلت سوريا إلى لبنان.. هكذا يمكن وصف المشهد ما بين عامي 2005 و2011. "الثوار" الذي أخرجوا الجيش السوري من لبنان عام 2005 تحت عناوين "سيادية"، أدخلوا الشعب السوري إلى لبنان عام 2011 تحت عناوين "إنسانية"، وأداروا معركة إسقاط الأسد من بيروت التي تشرّف "سعداؤها" بزيارة عرسال عام 2012، بوصفها عاصمة لـ "الثوار" السوريين، لا بوصفها "قرية لبنانية عريقة" كما أخبر المنسّق العام لقوى 14 آذار فارس سعيد عندما فرغ قنديل "داعش" وأخواتها من الكاز، بشهادة القوى الدولية التي أشعلته.

تصدّعت جدران المنزل الآذاري، قبل أن تُحسم الغلبة في الميدان السوري. ومن ثمّ جاءت نتائج الانتخابات النيابية لتؤكّد المؤكّد، ألا وهو انتهاء "14 آذار". الاتفاق الرئاسي عام 2016 جعل سعد الحريري يسلك طريق حلفاء دمشق. والانتخابات النيابية عام 2018 جعلت قياديي "14 آذار" يسلكون طريق منازلهم، باستثناء قائد "القوات اللبنانية" سمير جعجع، الذي سلك طريق المجلس النيابي بكتلة نيابية منتفخة بفعل أكثر من “Pass” مُرّر له لدواعٍ خارجية.

الرجل الذي حظي بـ "قبّة باط" نيابية، حظي بعد الانتخابات بـ "قبّة باط" داخلية، رغبةً من "حزب الله" بتظهير بعض الألوان لبعض الخارج، وبناءً لـ "قبّة الباط" هذه، حاول أن يلعب دور المعارض للعهد في ظلّ انخراط الجميع في لعبة الموالاة التي لم تعد عليه بالنفع السلطوي الذي كان منتظراً.

"قبّة الباط" التي مارسها "حزب الله" كانت حدودها مرسومة، ولذلك كان هامش مناورة "القوات" محدوداً. ولكن النَفَس الأميركي الجديد في المنطقة سمح لجعجع بالتقاط أنفاسه وسلاحه مجدداً، ورمي العهد بوابل من القنابل الانشطارية. تشكّل عودة لبنان إلى سوريا، المعبر الذي يُمكن لجعجع أن يضع عبره العصي في دواليب العهد، بعدما انصرف سائر "ثوار الأرز" تباعاً إلى أشغالهم غير السياسية، وما افتتاح مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد ساترفيلد زيارته إلى بيروت بلقاء مع رباعي "القوات" الوزاري غسان حاصباني وريشار قيوميجيان ومي الشدياق وكميل بو سليمان، سوى مؤشّر على عمليات التشويش المقبلة.

بناءً على النَفَس الأميركي الجديد الذي جمّد كلّ ملفات المنطقة، بانتظار محطة أيار حيث من المتوقّع أن يُفرج الأميركي عن صفقة القرن، ليصار إلى طبخ كلّ ملفات المنطقة في قدر واحد، أوكل جعجع إلى وزير الشؤون الاجتماعية ريشار قيوميجيان مهمّة التشويش على إعادة النازحين عبر التركيز على العودة "اللا آمنة"، والعين بالطبع على عودة العلاقات "الآمنة" بين لبنان وسوريا، فاندرج مؤتمره الصحفي الذي عقده السبت الفائت لهذه الغاية في خانة "إخلع يلا". من الواضح أنّ من لا يحرّك رأسه في هذا البلد يحرّك وركه. وعلى رأي زياد الرحباني "ذبحتنا الطبلة وهزّة الورك". ففي "خطة" إعادة النازحين التي أعلن عنها قيوميجيان، كشف عن كل شيء إلاّ عن خطة.

لا يريد حزب "القوات" فكّ أسر المجلس الوزاري، ويريد في الوقت عينه إعادة النازحين إلى سوريا. فكيف يتعامل ذهنياً مع هذا التناقض؟

ليس في رفض حزب "القوات" للتنسيق مع سوريا ضعف في النظر. إنّه يُخضع اللبنانيين لتجربة إيمانية كلٌ على دينه. فطوبى لمن آمن ولم يرَ إلاّ.. هلوسة ذهنية.

برّر قيوميجيان رفض حزب "القوات" لإعادة قنوات التواصل الطبيعية مع سوريا بوجود "عملية غش داخلية لفكّ العزلة السورية".. تغيّر كل شيء في دمشق وحولها خلال العامين المنصرمين إلاّ شيئاً واحداً: عداوة "القوات" للرئيس السوري بشار الأسد، الذي لا تغمض له عين في محاولة لاجتراح مصالحة مع "حكيم الثورة" تحميه من عزلته الدولية!

حكيم "ثورة" الأرز، ما يزال متضامناً مع "ثورة" قطع الأعناق من باب صلة الأرحام. لم تكن سنوات الحرب السورية الهمجية كافية لمحو إرث البغض بين لبنان وسوريا، وإعادة فتح صفحة جديدة بين البلدين المحكومين بالالتقاء، لإراحة لبنان أقلّه من عبء النزوح، عوضاً عن انتظار إشارات أميركية للتشويش على كلّ المخططات الداخلية.

قبل بدء مرحلة "الستاتيكو" التي تفرضها واشنطن على المنطقة بانتظار بلورة صفقة كبرى على مستوى الإقليم تكون صفقة القرن من ضمنها، ربط جعجع زنده ولسانه، متناسياً سبع سنوات من عرض العضلات. في تلك الفترة، أخذ جعجع بعين الاعتبار سيطرة الثعلب الروسي على التراب السوري، دون أن ينسى حتماً انتظار حليفته السعودية دعوتها إلى طاولة التفاوض في سوريا وإعلان اكتفائها بالفتات، أضف إلى عودة الإمارات إلى سوريا بحكم "علمانيتها" السياسية التي تسمح لها بتدوير الزوايا.

تصرّف جعجع طيلة الفترة السابقة كمن تسير المياه تحت رجليه من دون أن يعلم. سلّم بالتسليم الأميركي. وسلّم بالاستسلام الخليجي. واستسلم أمام الضغوط الاقتصادية الداخلية التي تفاقمت بفعل النزوح السوري الذي يتحمّل مع حلفائه مسؤولية تشريع الأبواب اللبنانية له… ولكن ما إن استشعرت "حسّاساته" بعودة أميركية إلى المنطقة، بات لسان حاله يقول: بالنازحين جئناكم.. ليبقوا!

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.