"ثقافة النرجيلة": أنفخ عليها تنجلي.. ويا ليتها تنجلي!

فتات عياد ـ

يحرص عند اختيارها على أن تكون الأجمل بين نظيراتها، تغريه فيها أدق التفاصيل، يشتري لها كل ما يلزمها لتتربع على عرش قلبه، وتصبح رفيقة دربه، التي وإن خانته الظروف، لن تخونه هي، هي "نَفسُهُ" و"مُتنفَّسه"، ولأنها معه في سرائه وضرائه، لن يبالي حتى وإن "جابت له أجله".. إنها نرجيلته!

في الأمس القريب كانت النرجيلة حكراً على "كبار العائلة"، يتجمّعون في حلقات سمرٍ تحلو بها أمسياتهم. تطور مزاج "المؤرجلين" من "العجمي" الى "النكهة" فـ"المعسّل"، ومن أركيلة نحاسية إلى زجاجية مزينة بالفواكه والورود! ومن مادة للكبار، إلى"متاحة" للصغار قبل الكبار! فيكفي أن تبلغ الـ14 من العمر حتى تستنشق أول أنفاسك من تلك السموم… لم تعد النرجيلة جزءاً لا يتجزأ من سهرات اللبناني و"ضهراته" فحسب، بل أصبحت سبباً لتلك "القعدات"!

هي "متنفسه" الوحيد الذي لم تغلقه عليه دولته بعد، وإذا كان الشباب محرك عجلة الأوطان، ومنبع الثورات والتغيير، ولأن النرجيلة سمٌّ يمشي في العقل قبل الشرايين، لا عجب حين نرى شباب لبنان يغطّ في سباته العميق من "شحطة أرغيلة"، فيتناسى بها حقوقه المسلوبة، ووظيفته المنهوبة، ودموعه المسكوبة في مياه نرجيلة يقيم عليها عزاءه من كل  تلك الهموم!

أسباب إقتصادية

إن تردي الأوضاع الإقتصادية في لبنان، وغلاء المعيشة، جعلا من القدرة الشرائية لدى الفرد تتدنى شيئاً فشيئاً. ولأن التسلية والترفيه حق من حقوق الإنسان، وكلما زادت الهموم المعيشية كلما أصبحت التسلية متنفساً ضرورياً لمقاومة قساوة العيش، ولأن لا قدرة للبناني على ارتياد المطاعم، أصبحت المقاهي البديل الأوفر. ولأن النرجيلة هي قوام تلك المقاهي، لا سيما أن "قعدة "النرجيلة تكلفتها أقل بكثير من وجبة عشاء في مطعم، أصبحت السهرات والضهرات لا تخلو من نفس أرجيلة، كيف لا ولبنان بلد الخدمات واللبناني محب للحياة…

طاقة مكبوتة.. لا بدّ لها من تنفيس!

ازدادت نسبة البطالة لدى الشباب اللبناني بشكل قياسي خلال السنوات الأخيرة، تزامناً مع الركود الإقتصادي ومنافسة العمالة الأجنبية لليد العاملة اللبنانية، فبلغت نسبة البطالة حوالي 35%، وتتمركز تحديداً في عمر ما بين 21-27. هي لا تؤثر على مستقبلهم وجيوبهم فحسب بل على صحتهم النفسية أيضا، فهم معرضون لليأس والإكتئاب نتيجة مكوثهم في المنزل بلا عمل، وتحسّرهم على مستقبل "مجمّد" حتى إشعار آخر، فالطاقة الشبابية من الصعب كبتها، ومن الخطورة أن لا تُصرف في مكانها الصحيح، فالميل نحو الإنتحار أو الإنحدار نحو المخدرات، كلها مخاطر تنتجها البطالة.. فيجد اللبناني حلوله "السلمية" إما بـ"شحد" واسطة لإيجاد عمل، وإما محاولا الهجرة "لينفد بريشه".. وفي أقل الحالات ضرراً يتجرع "كأس" نرجيلة علّها تنسيه همه!

صحيح أنّ النرجيلة تنتشر أكثر في الأحياء الشعبية، لكن هذا لا يلغي أنها باتت تعني جميع فئات المجتمع، خصوصاً وأن الطبقة الوسطى لم تعد وسطى! والمثقفون هم المهمومون! وهنا تكمن الخطورة، فإذا تصدرت النرجيلة لائحة أساليب التسلية عند أوقات الفراغ، واقتلعت من تراثنا المطالعة وغيرها من البدائل الثقافية الفكرية التي لطالما تباهى بها اللبنانيون، فأي جيل نبني وعن أية ثقافة نتحدث؟

"ما تشرب إلا الصحةَ"!

يدرك اللبنانيون جيداً مضار التدخين، وأن مضار النرجيلة مضاعفة مقارنة بالسجائر. يعرفون جيداً أن كمية النيكوتين التي فيها وغيرها من المواد الضارة تزيد نسبة الإصابة بأمراض الرئة والسرطان، لكنهم لا يبالون، ربما لأنهم يعرفون أصلاً أن الهواء الذي يتنفسونه ليس أنظف بكثير! فهو أصبح ملوثاً بنفاياتهم المنزلية، التي لم تجد الدولة حلاً لها سوى المحارق! لكن وإن كانت النرجيلة تؤخذ على أنها أداة للتنفيس، هل تبرر غاية التنفيس تلك، الإستهتار بالصحة وتنفس أحادي أوكسيد الكربون بكل طيبة خاطر؟

تتحدث غنى عن أسباب اندفاعها لشرب النرجيلة: "بفش خلقي بالأرجيلة"، وتضيف: "العيش في لبنان ليس بالأمر السهل، أفكر دوماً في المستقبل، خصوصاً بعدما جمدوا قروض الإسكان، فحلمي بتقسيط منزل يضمن لي جدراناً تؤويني من غدر الزمان تجمّد، حتى عملي ليس فيه ضمان صحي"، وتكمل: "أبي يعاني من الربو مما يضطرني للجلوس على الشرفة عند التدخين، أنا أيضاً لدي حساسية ربو، وتتضيق أنفاسي أحياناً من شرب النرجيلة، إلا أن مفعولها النفسي الذي يسكّن أعباء الحياة عني يجعلني لا أستطيع الإستغناء عنها".

أما سارة فتنتهز الفرصة بعد يوم عمل طويل لـ"تعبي راسها بنفس أرجيلة"، وتقول ممازحة "لو ما العيب والحياء لأشرب بالشغل كمان، بس صاحب الشغل أكيد بيرميني برا أنا والأرجيلة"، وتعتبر سارة النرجيلة "تمويهاً عن النفس، وحلقة تتجمع حولها العائلة وتزيد من متعة الحديث".

سامر بدوره يرفض اعتبار النرجيلة أداة للنسيان، بل يعتبرها "تعبئة مزاج" وتكملة لجلسات اللهو والسمر…

ماذا عن اللبنانيين في الإغتراب؟

تقول نعمت (ألمانية من أصول لبنانية) أنّ ظاهرة شرب النرجيلة بدأت تتفشى أكثر فأكثر بين الجالية اللبنانية وحتى العربية في ألمانيا، وتشرح "الكثيرون هنا يشربون النرجيلة، لكن على شرفات منازلهم فقط وليس داخل البيوت، حتى أنهم أصبحوا يأخذونها معهم عند زيارة الأقارب، لكن العدد الأكبر يميل لشربها خارج المنزل". وتتحدث نعمت عن ظاهرة تقول أنها تأخذ بالتوسع منذ 5 سنوات تقريباً وهي ما يعرف بالـ"شيشة بار"، تصفه بأنه مكانه يسمح لرواده بشرب النرجيلة مشبهة إياه بال "كافيه" اللبنانية، وتضيف: في كل زاوية تجد شيشة بار، حتى أنهم بدأوا يخففون من "النايت كلوبس" و"الديسكو". يبدو أن "الشيشة بار" مربحة أكثر، كونها تجذب الكثيرين لا سيما الشباب، حتى الأتراك والألمان هنا أيضا نراهم يشربون النرجيلة. وتقول: "ربما انعدوا من العرب"

وتضيف: "بتنا نوصي بعضنا عندما يذهب أحد منا إلى لبنان على المعسل قبل كل شيء، خصوصا أن المعسل ذو النوعية الجيدة هنا باهظ الثمن (بين 30 و60 أورو)".

"تطفئ ثورات الشعوب"؟

يقول أبو النواس في وصفه للخمرة "لتلك أبكي ولا أبكي لمنزلة كانت تحلّ بها هند وأسماء"، وإذا كانت النرجيلة في لبنان بمثابة الخمرة التي تنسي شعبه همومه المعيشية وحرمانه من أبسط حقوقه، هل بدأت "تبنّجه" حتى أنسته المطالبة بتلك الحقوق؟ وخدَّرته حدّ السُّكر دون كحول؟ وجمدت في شبابه العقول؟

إن أخطر ما في شرب النرجيلة ليس عادة شربها، بل تحولها من وسيلة للترفيه إلى الهدف بحد ذاته، فهي شغل الشباب الشاغل، وتكاد تصبح الوسيلة الأولى للترفيه!

ليس مستغرباً في وطن يعاني مواطنوه من حرمانهم من أدنى حقوقهم، حوله بلدان دامت فيها الثورات سنين، وهو لا ينتفض حتى لأجل نقطة ماء اعتزلت مرورها في المواسير، أو حقه في الكهرباء، ومعاناته من البطالة، وباتت لا تهزه ملفات الفساد، ولا نفايات تتراكم على الطرقات وتراكم معها السموم، أن يكون شعبه "مُتَمْسَحاً" أو ربما يعيش "غيبوبة"، كيف لا وهو الذي أفرز منذ عدة أشهر فقط هذا المجلس النيابي"الطازج"، فهل من المعقول أن ينتفض الشعب على نفسه؟ وعلى إرادته وقراره ورغبته؟ وحتى من لم يشارك في الإنتخابات اللبنانية لا يمكن تحييده عن تلك الغيبوبة، فلو لم يعتزل مسؤوليته كمواطن وسلَّم الدفة للآخرين، لما بقي في بيته صامتاً متفرجاً وفضَّل على حقه في التصويت نفس أرجيلة عميق! وكيف ينتفض شعب بات لا يعرف ثقافة المحاسبة؟ ولا يجيد سوى "التنفيخ"؟!

لا يمكن تبرئة المواطن ولوم النرجيلة!

هي بمثابة "مسكّن" نعض به على جروحنا، لكنها بالطبع ليست لاصقا للأفواه، ولا مانعاً لعمل العقول، لو أراد اللبناني على نفسه أن يثور سيثور، حتى ولو كان غارقاً في نفس نرجيلة!

استسهل اللبناني الهروب من همومه المعيشية بالنسيان، فـ"ينفخ عليها لتنجلي" ويا ليتها تنجلي! ويبقى الخوف أن يستفيق المواطن عندما تحترق "أنفاس" الوطن بمن فيه!

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.