المتقاعدون بين حقيقة التجزئة.. وأوهام الزيادة على الرواتب

العسكريون المتقاعدون في دوّامة الحق المهدور!

ـ فادي سعيد دقناش (*)

تسود حالة من الاستياء والغضب والنقمة بين أوساط العسكريين المتقاعدين، على وقع تسديد مستحقات الدفعة الثانية من حقوقهم المكتسبة بموجب قانون سلسلة الرتب والرواتب الذي أُقرَّ العام الماضي. وقد ميَّز هذا القانون بين موظف في الخدمة الفعلية وبين موظف متقاعد "غير منتج"، إذ أعطى الأول كامل حقوقه من الزيادة المقترحة، بينما قام بابتكار بدعة "التجزئة" لحقوق الثاني، بحجج عدم الانتاج وعدم توفر الأموال اللازمة لذلك، وهذا انتهاك فاضح لحقوق الانسان أولاً، ومخالفة صريحة للدستور اللبناني الذي ينص على المساواة بين جميع اللبنانيين في الحقوق والواجبات.

وعلى الرغم من الاعتراضات القانونية، والمراجعات المختلفة، والاعتصامات والتظاهرات التي قام بها العسكريون المتقاعدون (لأول مرة في تاريخ لبنان) تعبيراً عن الظلم والغبن والاجحاف الذي لحق بهم، إلا أنَّ السلطة ضربت عرض الحائط كل هذه الاعتراضات، وقامت بتجزئة هذه الزيادة على ثلاث دفعات وفقاً لما يلي:

ـ دفعة أولى: 100 ألف ليرة لبنانية، أُعطيت في العام الماضي، وهي السنة التي أُقرَّ بها قانون السلسلة.

ـ دفعة ثانية: استحقت في شهر آب المنصرم منذ ٢٢ منه، وكان من المفترض أن لا تقل عن 300 ألف ليرة لبنانية، وفقاً لأحكام قانون موازنة 2018، إلا أنَّ وزارة المالية لم تلتزم بأحكام القوانين، وقامت بتأويلها وابتكار معادلات حسابية معينة انقضَّت بموجبها على هذه الزيادة التي جاءت نسبية وأقل بكثير من القيمة المفترضة (أي 300 ألف ليرة لبنانية)، حيث لم يحصل عدد كبير من المتقاعدين من الفئات الدنيا سوى على زيادة متواضعة ومتدنية على رواتبهم وفقاً لهذه المعادلة المبتكرة، إضافة لعدم احتساب فرق العشرة أيام المستحقة عن شهر آب.

ولم تكتف الوزارة المذكورة بذلك، بل رحَّلت ما تبقى من قيمة فروقات الدفعة الثانية إلى العام 2019، وأوضحت أنَّ صرف الباقي من الدفعة الثانية سيكون "بعد دراسة الملف [لكل متقاعد] بالاضافة إلى الرصيد المتبقي في الدفعة الثالثة". وجاء التبرير بأنَّها لا تمتلك أية معلومات عن رواتب العسكريين لإعطائهم حقوقهم كاملة في الدفعة الثانية، وهي بانتظار ورود جداول من المؤسسات الأمنية المعنية لتتمكن من احتسابها بدقة.

وهنا نتساءل: هل هذا فعلاً السبب الحقيقي وراء هضم حقوق المتقاعدين؟ أم أنَّ هنالك أسباباً أخرى مريبة وراء هذا الموضوع، تمهيداً للانقضاض على ما تبقى من حقوق لهذه الشريحة؟ وهل مهلة السنة منذ إقرار السلسلة، لم تكن كافية لتحضير الجداول والأرقام والتنسيق بين الإدارات المعنية لإعطاء الحقوق لأصحابها؟ وإذا لم تكن فترة السنة كافية للتحضير، فإنها بلا شك ستكون عاجزة أيضاً عن إنجاز المطلوب في السنة المقبلة!.

إنَّ من يقرأ هذا الكلام سيصاب حُكماً بالدهشة، وسوف تنتابه نوبة "انفصامية" تبدأ بالضحك والتهكم والسخرية (ففي عصر المعلومات والتكنولوجيا لا شيء مستحيل، لأنَّ برنامج حاسوبي بسيط وبإمكانات مهنية متواضعة يمكن إنجاز الجداول المطلوبة، اللهم إن كان الموظفون المولجون بذلك، والذين استفادوا من نسبة عالية وخيالية من هذه السلسلة، يتمتعون بالأهلية والكفاءة لإنجاز المطلوب)، وتنتهي بالبكاء والنحيب على وطن باع متقاعديه بأبخس الأثمان، وجَعَلَهم "متسولين" أمام أبواب السياسيين والمسؤولين لتحصيل حقوقهم.

ـ الدفعة الثالثة: في العام 2019 يُعطى ما تبقى لهم من مستحقات. ولكن يخشى العسكريون المتقاعدون من عدم إعطائهم مستحقاتهم في حينه أيضاً بحجج عدم ورود الجداول المطلوبة، أو عدم دراسة ملفاتهم أو..أو…

إنَّ حالة النقمة والغضب نتيجة التعامل غير اللائق مع العسكريين المتقاعدين، تسود وسائل التواصل الاجتماعي، وهي تكبر ككرة الثلج، فَهُم بكونهم شريحة اجتماعية لها حضورها في هذا المجتمع، يرفضون هذا التعامل الدوني معهم، وهم لا يطلبون سوى حقوقهم، حقوقهم فقط التي هي ثمرة جهدهم طيلة فترة خدمتهم نتيجة "المحسومات التقاعدية" التي كانت تُحسم شهرياً من رواتبهم أثناء الخدمة الفعلية، هم يشعرون بأنَّ شيئاً مريباً يُحاك ضدهم في الغرف المظلمة، وأنَّ هناك نوايا للالتفاف على حقوقهم من خلال دفع المشكلة إلى الأمام.

وهم أيضاً يتساءلون عن سبب التمييز بينهم وبين من يتقاعد بعد إقرار قانون السلسلة، بحيث ينال هذا الأخير كامل حقوقه من تعويضات وضمائم حربية وراتب تقاعدي كامل غير مجزّأ، فيما هم يتمُّ حرمانهم من كافة الحقوق المشابهة، إضافة إلى تجزئة زياداتهم لتصل خساراتهم حسب رتبهم خلال 3 سنوات من التجزئة بين 3 ملايين و6 ملايين ليرة لبنانية.

وما يزيد الطين بِلَّة أنَّ هناك عدداً من العسكريين قد تقاعدوا قبل إقرار هذه السلسلة  بشهور أو حتى بأيام. أوليس هذا ظلم كبير؟ فهل تستحق هذه الفئة المنضبطة أن تكون كبش الفداء دائماً، كما هي الحال عبر مرّ الأزمان؟ هل تُراهن هذه السلطة، لا سمح الله، على موت عدد كبير منهم لتتنصل من التزاماتها تجاههم كلياً أم جزئياً؟! هل يُرضي المسؤول أن يُهاجر والده أو يتوسَّل عملاً لا يتناسب مع عمره أو ماضيه، بعد أن اشتعل رأسه شيباً لتأمين قوته اليومي؟

لعلَّه أمر معيب جداً بحق هذا الوطن الذي كان رائداً في الديمقراطية، ومدافعاً شرساً عن حقوق الانسان، وسباقاً في العضوية للأمم المتحدة، ومؤسساً رئيساً لجامعة الدول العربية، وحاضناً للمنظمات الانسانية المختلفة… أن يكون جزاراً بحق متقاعديه، ومخالفاً لدستوره، ومحَوّراً لقوانينه.

يناشد العسكريون المتقاعدون فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، المتقاعد الأول، وحامي الدستور، بأنَّ يتدخل فوراً لإيقاف هذه المجزرة بحقهم. كما يُطالبون كلاً من رئيسي مجلس النواب ومجلس الوزراء بالتدخل لتصحيح الخلل الفاضح في قانون سلسلة الرتب والرواتب، خصوصاً  أنَّ هناك سابقة مماثلة في العام 1999، حيث تمَّ تصحيح خللٍ مشابه على أثر إقرار قانون سلسلة رتب ورواتب في حينه، عندما تبيَّن للمشرّع أنَّه مخالف للدستور وغير منصف لشريحة كبيرة من المواطنين.

مشاريع القوانين "التصحيحية" موجودة في المجلس النيابي، ودراستها والبت بها وإقرارها واجب وطني على كل نائب انتُخب ليُشرّع بالعدل والانصاف لشعبه، ويُعيد الحق لأصحابه.. فهل من مجيب؟!

(*) كاتب وباحث في علم اجتماع المعرفة والثقافة

(شارك هذا المقال)

2 thoughts on “المتقاعدون بين حقيقة التجزئة.. وأوهام الزيادة على الرواتب

  • 7 أيلول، 2018 at 10:48 ص
    Permalink

    اطلب من الاستاذ الباحث الاجتماعي كاتب المقال تناول اوضاع بعض فئات من العسكريين المتقاعدين والبحث في اوضاعهم تفصيليا وكيف انهم كانوا اخر من يعيد مع عائلته واخر من يفرح بفرحهم واخر من يقوم بواجب اجتماعي واخر من يعطي موعدا لسهرة او حفلة او زيارة واخر من ينام في ظلمة الشتاء واخر من يدفأ (يعمل تحت المطر والصقيع )واخر من يتمتع ببرودة المكيفات (يعمل في ذروة الحر والقر)،هذا في زمن السلم. اما في زمن الحرب فهو الحارس الامين لهروب الناس وقبعهم في الملاجئ او تامين حمايتهم في وقت لا يقول من يقول الا ربي نفسي.
    ارجو منك سيدي الكريم ان تعمل على صفحة او ان تقوم الجريدة الموقرة بفتح باب ينشر تارخ ومعاناة كل متقاعد خلال خدمته من قصص حقيقية حصلت معه اثناء الخدمة تحكي الواقع الاليم الذي مرت به هذه الفئة لا سيما زمن الحرب لعل من لا يرى بالعين ولم يسمع بالاذن ما مر علينا يحسب ان هناك مظلومية.

    Reply
  • 8 أيلول، 2018 at 9:38 ص
    Permalink

    السيف اصدق انباءا من الكتب………في حده الحد بين الجد واللعب.
    تعودنا ان لا حقوق ليس ان كان ورائها مطالب وزيارات نواب ووزراء….. فحسب، بل ان لم يكن ورائها اصرار ومتابعة وتصعيد …….

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.