مجلس الشيوخ: شراء سمك في البحر!

محمد شرف الدين ـ

بين الفترة والأخرى، يعود موضوع إنشاء "مجلس الشيوخ اللبناني" الذي نص عليه اتفاق الطائف، وكرسته المادة 22 من الدستور، ليطفو على سطح المناقشات السياسية، ثم يعود ويختفي عند اول أزمة سياسية تستدعي معالجة آنية. آخر هذه الطروحات كان في 25 آب الفائت، في احتفال مؤسسة العرفان في السمقانية، يوم جدد النائب السابق وليد جنبلاط، الدعوة الى المحافظة على اتفاق الطائف عبر "تطبيقه وتطويره من خلال إنشاء مجلس الشيوخ بعد انتخاب مجلس نيابي لاطائفي". كلام جنبلاط تلقفه البعض أنه تلميح بإمكانية تنازل "الحزب التقدمي الاشتراكي" عن المقعد الوزاري الثالث مقابل انشاء "مجلس الشيوخ"، وبالرغم من أن النائب تيمور جنبلاط أوضح بعد لقائه الأخير مع رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري في "بيت الوسط" أن "الاشتراكي" لايزال متمسكاً بحصرية التمثيل الدرزي في مجلس الوزراء، الا أن ذلك لا ينفي رغبة زعيم الطائفة الدرزية بإنشاء "مجلس الشيوخ"، تمهيداً لحصول الطائفة على منصب رئاسته، اسوةً بالمسلمين الذين "ينعمون" بتقلد الرئاستين الثانية والثالثة، (مجلس النواب ومجلس الوزراء)، فيما يتقلد المسيحيون الموارنة الرئاسة الأولى (رئاسة الجمهورية).

بعد تكريس التعديلات التي نص عليها اتفاق الطائف في الدستور اللبناني، أصبحت المادة 22 منه، المعدّلة بالقانون الدستوري الرقم 18 تاريخ 21/9/1990، تنص أنّ "مع انتخاب أوّل مجلس نوّاب على أساس وطني لا طائفي، يُستحدث مجلس للشيوخ تتمثل فيه جميع العائلات الروحية (الطوائف) وتنحصر صلاحيّاته في القضايا المصيرية". ولعل هذه المادة التي تنص على انشاء المجلس، كافية لتفسير سبب تأخره حتى اليوم، على الرغم من مرور 28 عام على اتفاق الطائف! فالنص القانوني مبهم واقتصر على وجوب انشاء المجلس من دون الدخول في تفاصيل الآلية وعدد والأعضاء ومدة الولاية، واكتفى بتحديد صلاحياته بـ"القضايا المصيرية" من دون اسناد مفهوم واضح أو محدد لهذا المصطلح، علماً أن بعض الاجتهادات  الدستورية اعتبرت أن المواد الواردة في الفقرة 65 من الدستور هي نفسها "القضايا المصيرية" التي يجب أن يتناولها مجلس الشيوخ ضمن صلاحياته، وهي: "تعديل الدستور، إعلان حالة الطوارئ وإلغاؤها، قرارا الحرب والسلم، التعبئة العامة، الاتفاقات والمعاهدات الدولية، الموازنة العامة للدولة، الخطط الإنمائية الشاملة وطويلة المدى، تعيين موظفي الفئة الأولى وما يعادلها، إعادة النظر في التقسيم الإداري، حلّ مجلس النواب، قانون الانتخابات، قانون الجنسية، قوانين الأحوال الشخصية، إقالة الوزراء". لكن هذا الطرح قد يثير تحفظ الطائفة الشيعية، فهذا التفسير يطرح إشكالية ما اذا كان مجلس الشيوخ ينتقص من صلاحيات مجلس النواب، وبالتالي من صلاحيات الطائفة الشيعية التي تتولّى رئاسته.

وبحسب المادة، فيشترط لإنشاء "مجلس الشيوخ" انتخاب مجلس نواب غير طائفي. وعليه، فإنّ الخطوات القانونية المتّبعة لإنشاء مجلس الشيوخ في لبنان، تتمّ أوّلاً عبر إلغاء الطائفية، وبعدها الطائفية السياسية، ومن ثمّ إنشاء مجلس نيابي على أساس قيد غير طائفيّ، وصولاً إلى إنشاء مجلس للشيوخ. ان ربط انشاء مجلس الشيوخ بانتخاب مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي يعني استحالة انشائه، لان الممارسة السياسية والطائفية منذ تطبيق الطائف زادت حدة واتسع نطاقها، وهو أمر يضاف الى سلسلة العقبات، لاستحالة استيفاء هذا الشرط، في بلد كلبنان تتجذر الطائفية في عقول أبنائه، وبالتالي لن تسمح الظروف يوماً في الغاء لا "الذهنية الطائفية" ولا "الطائفية السياسية"، ما يجعل انشاء مجلس الشيوخ متعذراً الا في حال تعديل الدستور والنص بإنشاء مجلس الشيوخ مع الإبقاء على انتخاب مجلس النواب على أساس طائفي، وقد جرى الحديث عن هذا الطرح مسبقاً، في العام 2017، وعندما كان الحديث عن انتخابات نيابية على أساس "مشروع القانون الأرثوذوكسي"، (إنتخاب النواب المسيحيين الأربعة والستين بشكل مستقل من دون تأثير أصوات المسلمين، والعكس)، واعتبار المشروع مناسباً لمجلس الشيوخ أكثر من مجلس النواب، جاء الرئيس الحريري بمبادرة قوامها تبني انشاء مجلس الشيوخ، من دون تحرير مجلس النواب من قيد الطائفية، وقد لاقت المبادرة استحساناً لدى بعض الفئات، ما قد يفتح المجال لتعديل الدستور مستقبلاً وانشاء مجلس الشيوخ من دون الغاء طائفية مجلس النواب، الامر الذي يطرح إشكالية الهدف من انشائه من الأساس.

ما حاجة لبنان إلى مجلسين طائفيين؟ خصوصاً أن ما يُفهم من "مجلس الشيوخ" أنه مجلس حكماء، وهذا يعني أن كل طائفة لبنانية ستتمثل بانتخاب من ترى فيهم الضمانة من عواقب أخطاء النواب وسواهم. بل إنه يحمي النواب، والوزراء، والرؤساء، من الانزلاق على المنعطفات الطائفية والمذهبية.

وزادت مسألة رئاسة المجلس من صعوبة تأسيس مجلس الشيوخ، هذه الرئاسة التي تشكّل الإشكالية الكبرى في إنشاء هذا المجلس. ولعلّ مردّ هذه الإشكالية عائد إلى اعتبار فريق، وهو الطائفة الدرزية، أنّ رئاسة مجلس الشيوخ يجب أن تؤول إليه حكماً، فيما تعتبر الطائفة الأرثوذكسية أنّها الأحقّ في هذا المجال لاعتبارين: أوّلاً على مستوى عدد نوّابها وحجم ديموغرافيتها، وثانياً لجهة توازن الرئاسات، لأنّه في حال آلت هذه الرئاسة إلى الدروز، يختلّ التوازن بين المسلمين والمسيحيّين لجهة وجود ثلاث رئاسات إسلاميّة مقابل رئاسة الجمهورية، في حين أنّ حصول الارثوذوكس عليها سيرسّخ التوازن على مستوى الرئاسات. وترى وجهات نظر مغايرة، أن رئاسة المجلس لا يجب أن تنحصر بطائفة دون الأخرى، خصوصاً أن هذا المجلس سينتج بعد الغاء الطائفية السياسية وبالتالي تلغى حصرية الرئاسات الثلاثة الأولى بالطوائف المارونية والشيعية والسنية.

اذاً فالكلام عن مجلس الشيوخ يتطلب ورشة دستورية ونقاشات واجتماعات مطولة، والاهم ان تتخذه الأطراف السياسية على محمل الجد. هذا العامل يلغي فرضية مقايضة "الحزب التقدمي الاشتراكي" حصرية التمثيل الوزاري الدرزي مقابل مجلس الشيوخ الذي قد يتأخر 28 سنة إضافية، وبالتالي "صفقة سياسية" من هذا النوع تكون بمثابة شراء "سمك في بحر"!

أقر الدستور اللبناني الصادر عام 1926 إنشاء مجلس الشيوخ، قبل أن يتم إلغاؤه بموجب القانون الدستوري الصادر بعد عام واحد بإيعاز من سلطات الانتداب الفرنسي "بعدما تبين انه يعرقل أعمال الحكومة ويعوق الحياة البرلمانية". فكان بذلك مجلس الشيوخ الأول والأخير في تاريخ لبنان منذ إقرار الدستور، شكّله المفوض السامي الفرنسي دوجوفينيل بموجب القرار 305 تاريخ 1926/5/24.
كان مجلس الشيوخ القديم قبل إلغائه يتألف من 16 عضواً مُوزعين بحسب الانتماء الطائفي (5 موارنة، 3 سنّة، 3 شيعة، 2 أرثوذكس، 1 كاثوليك، 1 درزي، و1 أقليات). تقاسم مجلس الشيوخ المهام نفسها مع مجلس النواب كالتشريع العام، التشريع المالي، منح الثقة للحكومات، وانتخاب رئيس الجمهورية.
وقد انتخب هذا المجلس الشيخ محمد الجسر رئيسًا له وحبيب باشا السعد نائبًا للرئيس وفضل الفضل وسامي ارسلان أمينين للسر.
حددت المادة 23 القديمة من الدستور شروط العضوية في مجلس الشيوخ بأن يكون العضو لبنانياً بالغاً من العمر 35 عاماً، ومن صلاحيات المجلس وفق المادة 19 القديمة أن "لا ينشر قانون الا بعد أن يقره المجلسان (النواب والشيوخ) على ان القوانين التي تقدمها الحكومة ويصدقها مجلس النواب لا تطرح على مجلس الشيوخ الا بطلبه".
(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.