#أسامة_سعد.. ثائر يقاوم الانقراض!

مفاضلة بين كرسي القش.. ومقعد الوزارة

ـ خضر طالب ـ

لا يشبه أسامة سعد أحداً من زملائه النواب، الحاليين والسابقين وأسبق السابقين…

لا يهوى النائب السابق ـ العائد التغيير كثيراً. هو عاطفي في تعلّقه بالماضي، وتمسّكه بما فيه من تقاليد وقيم وأعراف.. وأيضاً بإيديولوجيات تكاد تنقرض!

جمال عبد الناصر ما يزال حيّاً في عقل أسامة سعد. المسألة عنده مزيج من الحميمية والأخلاقيات السياسية.

الرجل يرفض التقلّب في السياسة بين الضفاف، ولم ينغمس في مشاريع الصفقات والسمسرات، ولذلك بقي خارج دائرة أي اتهام له بالفساد شراكة أو تغطية أو محاصصة.

للرجل شخصية خاصة.. نكهة خاصة.. سلوك خاص.. لغة خاصة.. سياسة خاصة…

انفعالي لدرجة الثورة، لكنه هادئ بدرجة الجليد.. وفي الحالتين، يصوغ الرجل شخصيته ببساطة وانسيابية وسلاسة، لا يحتاج فيها إلى دقّة في اختيار ربطة العنق مع قميص نصف كم وبنطلون جينز.. بل يبدو أنه عندما يرتدي ربطة عنق وكأنه شخص آخر لا يشبه أسامة سعد الذي يعرفه الناس في صيدا.

لا يحب الرجل ارتداء قفازات في مواقفه وتوجهاته السياسية. يتحصّن أحيانا بالصمت ويتفادى الكلام السياسي، لأنه إن تكلّم بما في قلبه فإنه يكسر جرة مع أقرب الناس إليه في السياسة. لذلك فإن حلفاءه يحترمونه، لكنهم قد لا يحبونه.. لا يتخلّون عنه، لكنهم يريدون منه أن لا يتخلّى عنهم عندما تصطدم حساباتهم السياسية بجموده عند موقفه السياسي.

بعضهم يعتقد أن أسامة سعد ما زال يعيش في زمن سياسي اندثر.. جمال عبد الناصر مات، وثورة يوليو صارت من الماضي، وتأميم قناة السويس انتهى، والعدوان الثلاثي صار في كتب التاريخ.. لكن أسامة سعد ما زال يعيش نقاوة ذلك الزمن. هو يبسّط الأمور: تغيّر الأشخاص، وتغيّرت الأشكال، وتغيّر الأسلوب… لكن العدوان مستمر والثورة لا تموت، وعبد الناصر ليس تراثاً وإنما فكراً ونهجاً، وما تزال الأمة تحتاج إلى نموذج يشبه ذلك الرجّل الذي خاطب وجدان الناس فأصبح ضمير الأمة من المحيط على الخليج.

هذه نماذج من عقل أسامة سعد.. صحيح أنها نماذج قد تكون بالنسبة للبعض "بائدة"، لكنها في هذا الزمن الرديء الفاسد شهادة له وليست عليه.

وربما لأن أسامة سعد لا يتصنّع علاقته بالناس، ولا يفتعل اللقاء بهم، ولا يتودّد إليهم في زمن الانتخابات فقط، ولا يسأل عنهم عند حاجته إليهم وإنما عند حاجتهم إليه… يحتفظ بتلك الحالة الشعبية المتجذّرة في شوارع صيدا وأزقتها، بالرغم من أن كثيراً من محبيه قد يضطرون أحياناً لمخالفته سياسياً. وفي ذلك يكتسب أسامة سعد شخصيتين في عقل أبناء صيدا: نموذج السياسي الثائر على كل حالات الفساد والتمذهب والتبعية والتزلّف، ونموذج السياسي القريب من الناس وهمومهم ومشكلاتهم ويومياتهم. وفي كلا النموذجين، يكسب أسامة أشخاصاً ويخسر آخرين، وهو ما يمنحه مزيداً من التجذّر في المدينة التي ترتوي شوارعها بدماء والده وشقيقه.

وعلى الرغم من بساطة أسامة سعد، إلا أن توصيف شخصيته صعب ومعقّد، فهو شخص عنيد وجامد في الثوابت.. محاور ومرن في السياسة.. لا يصطنع التواضع مع الناس، لكنه شخصية متعجرفة مع السياسيين.

هو سنّي، نائب يمثّل السنّة في صيدا.. لكنه نائب يمثّل الناس ويرفض محاصرته في قالب طائفي أو مذهبي.

لذلك فإن أسامة سعد لا تستطيع أي كتلة نيابية مذهبية احتواءه. فهو رفض أيام الوجود السوري في لبنان الانضواء في أي لقاء يحمل طابعاً طائفياً أو مذهبياً، وهو يرفض اليوم أن يكون في عداد أي لقاء سياسي أو نيابي له صفة مذهبية أو طائفية.

يمارس الرجل قناعاته على نفسه، طالما أنه لا يستطيع فرضها على غيره. فهو علماني فعلاً وليس بالشعارات، ويطبّق هذه القناعة على نفسه.

هو من ضمن قوى 8 آذار وخصم شرس لقوى 14 آذار ومشروعهم السياسي، لكن حجم اعتراضاته على أداء 8 آذار أكبر من اعتراض قوى 14 آذار على 8 آذار!

المفارقة، أن كل النواب والشخصيات ونصف البلد، في الحد الأدنى، تعمل في زمن تشكيل الحكومات للاستيزار، أو حتى للتداول بإسمها كمرشحة لدخول جنّة الحكومة… إلا أسامة سعد. الرجل يملك من الواقعية ما يكفي لإدارة ظهره للوزارة، ربما لأنه يعرف أن شخصيته لا تشبه السلطة، وإنما تشبه الناس.

يجلس أسامة على مقعد في هذا المقهى أو ذاك، لأنه في نظره أهم من مقعد وزاري سيجعله شريكاً في سلطة لا تهدأ ثورته عليها.

لا تشبه السلطة أسامة ولا هو يشبهها، فهو من عجينة نقيضة. ولذلك فإن الحاجز مرتفع بينه وبينها ولم يفكر يوماً بهدمه لأنه مقتنع أن حجارته ستسقط على راسه أولاً.

لا يفصح أسامة عن طموحه: هل يريد أن يكون "زعيماً".. أم "قائداً".. أو ثائراً أو نائباً أو…؟

تختلط شخصية أسامة بين هذه التسميات، فتصبح صورته أقرب إلى الطيف الذي يجول في أزقة صيدا باحثاً عن جواب.

كيف يمكن لزعامة أن تكون على خصومة دائمة مع السلطة؟ وكيف لقائد أن لا يسعى للوصول إلى السلطة؟ وكيف لثائر أن يصبح عاجزاً عن القيام بالثورة؟ ثم كيف لنائب أن يصبح ثائراً بينما هو شريك في القرارات التي تقمع الثورات؟!

معادلة صعبة يفرضها أسامة سعد على نفسه، ثم على الذين يحاولون التعايش مع شخصيته الحادة، ورؤيته الثابتة، وعناده الذي يكسر كل محاولات تدوير الزوايا في زاويته!

للرجل مقارباته التي تجعله خارج دوائر القرار، وأيضاً خارج دوائر الرفاق في الخط السياسي الذي ينتمي إليه.

أسامة سعد يعشق الحرية، ولذلك لا ينتمي إلى كتلة نيابية ولا إلى جبهة سياسية.. فقط يمكن احتسابه في خط سياسي، وله وحده حق الاجتهاد في خدمة هذا الخط الذي ينتمي إليه بتطرف أكثر من الذين يتولون إدارته ورعايته ويحصدون من مكاسبه!

لا يزال أسامة سعد من زمن "الأسود والأبيض".. وهو لذلك يعيش خارج الزمن الذي ينتمي إليه.. والأرجح أن قطار الانتقال إلى الحاضر قد فاته قصداً، وبالتالي فهو مستمتع في زمنه.. وسيبقى جالساً على "كرسي القش" في صيدا، يراقب الذين يجلسون على مقاعد السلطة الوثيرة.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.