"التأليف" مؤجّل.. و"التعايش" معجّل!

خضر طالب ـ 

خارج طاولة المناورة حول تشكيل الحكومة، وتعقيداتها، وحصصها، وتوزيع مغانمها "السيادية" و"الخدماتية" وحقائبها بـ"أوزانها" المختلفة: "الثقيلة" و"الخفيفة" و"الفارغة"… ستبقى الحكومة تدور في الحلقة المفرغة ذاتها، إلى أن يحين التوقيت الإقليمي للإفراج عن تشكيلة حكومية "سلسة" و"لايت" ومن دون شروط معقّدة يصعب تفكيك عقدها على الرئيس المكلّف ورئيس الجمهورية.. وأيضاً أصحاب العقد أنفسهم!

هذه المعادلة كنا طرحناها في "الرقيب" في أيار الماضي، أي بعد أيام من الانتخابات النيابية، ومن الاستشارات النيابية الملزمة التي أفضت إلى تكليف الرئيس سعد الحريري بتشكيل الحكومة، وبعد المشاورات التي أجراها الرئيس المكلّف.

كتبت "الرقيب" في ذلك الحين أن الحكومة ستتأخّر، في حين كانت كل التصريحات والمواقف والسياسيون يتحدّثون عن حكومة سريعة.

ببساطة، هناك حرب إقليمية كبرى ممتدة من اليمن إلى لبنان، مروراً بالعراق وسوريا، لم تنته إلى غالب ومغلوب، وهو ما يبقي التوازنات السياسية متأرجحة ولا تمتلك قوة التغيير أو التحكّم.

وببساطة أيضاً، انتهت الانتخابات في لبنان بأرجحية للتحالف السوري ـ الإيراني على التحالف السعودي، وانتهت الانتخابات في العراق بأرجحية للتحالف السعودي ـ الأميركي على التحالف الإيراني.

في العراق، تتعطّل ترجمة الأرجحية النيابية للسعودية وأميركا من أن تحكم، وفي لبنان تتعطّل الأرجحية لإيران وسوريا من أن تحكم.

تلك هي المعادلة التي يحاول كثيرون دفن رؤوسهم في الرمال عن رؤيتها.

بالتالي، ليس سعد الحريري من يعطّل تشكيل الحكومة في لبنان. ولن يستطيع غير سعد الحريري تشكيل الحكومة في لبنان.. إلا إذا ارتفعت حدة المواجهة بتشكيل حكومة "بالقوة" من دون سعد الحريري، ومن دون حلفاء السعودية في لبنان، مع ما يعنيه ذلك من انزلاق خطير جداً قد يودي بلبنان إلى أتون الحديد والنار، وبالتالي الانهيار الشامل الذي ما تزال "بحصة" تسند "خابور" البلد.

كل السجالات والمواقف والمزايدات، لن تغيّر في الواقع شيئاً. والواقع يقول إن تشكيل الحكومة مرهون بمجموعة معطيات غير متوفّرة في الوقت الحاضر، ولا يبدو أنها ستتوفّر في وقت قريب، إلا إذا نجحت الجهود المبذولة في الخارج بعزل لبنان مجدداً عن الاشتباك الكبير الدائر، والذي قد يمتد إلى لبنان في أي لحظة وبأشكال مختلفة وخطيرة.

هنا، يمكن القول إن المعطيات توحي باستسلام وتسليم خارجي بأن لبنان ما زال في منطقة الأمان، وأن الزمن الذي انقضى على تشكيل الحكومة ما زال ضمن السقف الزمني المقبول، خصوصاً أن الحكومات الثلاث الأخيرة منذ العام 2011، احتاجت كل منها إلى أكثر من ستة أشهر للتأليف.

ويعتقد مصدر ديبلوماسي غربي رفيع أن الخوف ليس من تأخير تشكيل الحكومة، فربما يكون هذا التأخير في مصلحة لبنان، لأن هناك انضباط "نسبي" في الانفاق، ما قد يخفّف من وطأة الديون التي يلجأ إليها لبنان لتمويل المشاريع المطروحة أمام الحكومة المقبلة، ومن بين أبرزها مشاريع الكهرباء.

أما بالنسبة للخوف على الواقع المالي للبنان، فيؤكد المصدر أن لبنان ما زال يحظى بمظلّة حماية دولية، لكن الخوف هو من انتقال الصراع الإقليمي إليه ما قد يؤدي إلى اختراق في المظلة يسمح بتسرّب إلى الساحة اللبنانية.

من هنا، فإن السجالات المحتدمة ـ والمفتعلة أحياناً ـ حول تشكيل الحكومة، وحول صلاحيات رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف، إنما يطرح أسئلة حول مآل هذا النزاع، وخطر استمراره على الصيغة والتوازنات اللبنانية التي أرساها الطائف، إلا إذا كان هناك من يريد فعلاً الإطاحة بالطائف في لحظة حساسة جداً في المنطقة يجري فيها صياغة دساتير جديدة، وتسويات سياسية تستند إلى واقع ما أفرزته الحروب المستعرّة.

هل "الطائف" في خطر؟ وهل الخطر على "الطائف" يحمل خطراً على لبنان؟

لقد كلّف اتفاق الطائف حرباً مدمّرة، استمرت خمس عشرة سنة، ولا يمكن ببساطة شطبه وإلغاؤه، لأن ذلك يعني إدخال البلد في دوامة لإنتاج صيغة جديدة قد لا تكون أفضل من الطائف بالنسبة إلى الطامحين لنسفه.

صحيح أن اتفاق الطائف ليس منزلاً، لكن الظروف الحالية التي يعتقد البعض أنها مؤاتية لتعديله، هي في الوقت نفسه ظروف خطيرة سيؤدي استثمارها لتعديله إلى خطر على البلد. فالظروف غير ناضجة لإجراء أي تعديل على اتفاق الطائف، والمنطقة تغلي ومنشغلة عن لبنان، أي أنه لن تكون هناك أي رعاية لأي مؤتمر لبناني ينتج اتفاق جديداً. فلماذا المغامرة غير المحسوبة؟

هل يعني ذلك الاستسلام؟

الواقع أن رئيس المجلس النيابي نبيه بري أدرك أن الأمور "خارج السيطرة" اللبنانية، ولذلك هو مقتنع بضرورة التعايش مع الواقع، وتفادي الإنزلاقات الخطرة في زيادة الضغط على الرئيس المكلف.

هذا يقود إلى أن هناك قناعة صارت سائدة في كثير من الأوساط، بضرورة تقطيع المرحلة بهدوء، وبأقل ضرر ممكن، خصوصاً في ظل تصاعد وتيرة الشحن الطائفي والمذهبي في عدد من المناطق، حيث كثرت مؤخراً بعض الأحداث ذات الطابع الطائفي.

في الخلاصة: الحكومة مؤجّلة، و"التعايش" معجّل.

وإلى أن يحين أوان التأليف، سيبقى التكليف في جيب الحريري، ولن يفيد "الدق" على هذا الباب إلا في زيادة التوتّر والشحن والاحتقان.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.