هل تعود "س ـ س" إلى لبنان؟

خضر طالب ـ

دقّق المراقبون في كل حرف ورد في تصريح وزير الخارجية السعودية عادل الجبير بعد لقائه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في موسكو، من أجل العثور على تفسير لترحيب وزير الخارجية السورية وليد المعلّم ـ من موسكو أيضاً ـ بتصريح الجبير حين قال إن "دمشق لمست تغييرا في الموقف السعودي ظهر في اللقاء بين وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، ونظيره عادل الجبير، وهذا أمر مرحب به"… لكن من دون نتيجة.

الجبير كرّر مواقف السعودية ذاتها "المملكة تولي اهتماما كبيراً لأمن وسلامة سوريا والأشقاء السوريين، وتعمل لإيجاد حل سياسي لسوريا يحافظ على أمنها واستقلالها ووحدة أراضيها، ولإبعاد الميليشيات الأجنبية من الأراضي السورية". وتعهد بأن "المملكة ستستمر في العمل مع الأصدقاء والمجتمع الدولي والأمم المتحدة من أجل دفع العملية السياسية في سوريا إلى الأمام".

في الشكل، لا يوحي كلام الجبير بأنه يحمل تغييراً في الموقف السعودي. أما في المضمون، فيبدو أن رئيس الديبلوماسية السعودية اعتمد بعض التعابير العامة والتي تحمل أكثر من تفسير، خصوصاً بالنسبة لـ"إيجاد حل سياسي في سوريا" و" دفع العملية السياسية في سوريا إلى الأمام"، وما بينهما من عدم تضمين هذا الموقف أي كلام بشأن الرئيس السوري بشار الأسد، كما كان يحصل في السابق عندما كانت السعودية تشدّد على أن "الحل السياسي في سوريا لا مكان فيه للأسد".

لا تفسير آخر لموقف وزير الخارجية السورية الذي وجد في موقف نظيره السعودي "تغييراً".. لكن هناك من يتحدّث عن كواليس هيأت هذا الموقف السعودي وهذا الترحيب السوري، فالوزيران كانا في العاصمة الروسية في الوقت ذاته، والتقى كل منهما وزير الخارجية الروسية، ثم خرجا بالموقفَين.

هل هذا يكفي لحصول هذا التغيير؟ ثمة من يتحدّث عن "اتصال مباشر" سوري ـ سعودي في موسكو. تكشف بعض المعلومات أن لقاء جمع أعضاء في الوفدين المرافقين لكل من المعلم والجبير تجاوباً مع مساعي لافروف. وتشير هذه المعلومات إلى أن اللقاء الذي بقي بعيداً عن الإعلام، ساهم في تهيئة المناخ لمواقف الجبير وترحيب المعلم.

إلى هنا يصبح مفهوماً أن العلاقة السورية ـ السعودية تنحو في اتجاه فتح شرايينها ليعود الدم إلى مجاريها، وفي ذلك ما يعني أكثر من عنوان وملف، في سوريا وخارج سوريا، وخصوصاً في لبنان، فالطرفان اكتشفا أنهما بحاجة لبعضهما البعض، وأن الشراكة بينهما كانت في الماضي تؤمّن مصالحهما وتشكّل سياجاً لها.

غادرت سوريا لبنان، عسكرياً، في العام 2005، وخاضت صراعاً كبيراً مع المملكة العربية السعودية في لبنان على مدى 6 سنوات، بعد أن انفرط عقد "س ـ س" وذهبت كل "س" إلى أبعد مدى في مواجهة "س" الأخرى. لكن سوريا انكفأت عن لبنان سياسياً منذ أن غرقت في حمام الدم في مع اندلاع الأحداث في العام 2011، تاركة السعودية بمواجهة وريث سوريا في لبنان، "حزب الله"، ثم إيران.

منذ أن انفرط عقد رعاية "س ـ س" للبنان، لم يعد سهلاً على اللبنانيين صياغة توافقاتهم واتفاقاتهم وخصوماتهم وتحالفاتهم.

لقد شكّلت مظلّة "س ـ س" على مدى 15 عاماً، حماية للبنان من نفسه أولاً، قبل أن تحميه من المداخلات الخارجية. ولذلك فإنه بمجرد سقوط تلك المظلّة صار السقف اللبناني مكشوفاً أمام العواصف والأمطار، بينما الزوابع الداخلية تفعل فعلها وتتفاعل مع كل نسمة هواء خارجية.

تعطّلت الإدارة اللبنانية، وصار كل استحقاق يحتاج إلى اتفاق جديد. انتخب الرئيس ميشال سليمان في سنة 2009 وفقاً لاتفاق الدوحة، وتشكلت الحكومة الأولى بعد ذلك استناداً إلى ذلك الاتفاق ثم سقطت بعد سقوط الاتفاق، وكل حكومة تشكّلت بعد ذلك كان يطول وقت تشكيلها بسبب غياب الاتفاق.. وهو ما يحصل اليوم.

حكومة نجيب ميقاتي التي جاءت برعاية قطرية ـ تركية، كانت تعبيراً عن صعود مرحلة "الإخوان المسلمين" في المنطقة، ثم سقطت مع انهيار مرحلة "الإخوان المسلمين". حكومة تمام سلام كانت بتسوية سعودية ـ إيرانية. حكومة سعد الحريري في بداية عهد الرئيس ميشال عون جاءت نتيجة التسوية الرئاسية… وتنتظر حكومة العهد الثانية برئاسة الحريري تسوية أو اتفاقاً لإخراج حقائبها من باطن التسويات الخارجية…

لا إمكانية في الوقت الحالي للرهان على تسوية سعودية ـ إيرانية تسمح بولادة الحكومة. ما يحصل في العراق من تعطيل لنتائج الانتخابات النيابية وعدم القدرة على تشكيل الحكومة، يشكل دليلاً ساطعاً على حجم الاشتباك السعودي ـ الإيراني الذي يعطّل العملية السياسية في العراق.

أما في لبنان، فقد كشفت الانتخابات النيابية التي جرت في 6 أيار الماضي، أن سوريا كانت أكبر المنتصرين في هذه الانتخابات، بخلاف الكثير من الحسابات التي كانت تمنح إيران انتصاراً انتخابياً مباشراً. صحيح أن التحالف بين سوريا وإيران يمنحهما أكثرية مطلقة في مجلس النواب، لكن الأدقّ أن سوريا خرجت من انتخابات 2018 بكتلة نيابية هي الأكبر، وأن ذلك يعيد إليها بعض التوازن اللبناني الذي قد يفتح الباب أمام صياغة مختلفة للمشهد السياسي في لبنان.

لم تعارض سوريا تكليف الحريري برئاسة الحكومة، على الرغم من معرفتها بموقفه منها.. ولم تعترض السعودية على القنوات المفتوحة على مصراعيها، علناً أو سرّاً، بين لبنان وسوريا.

في حسابات الرياض أن التفاهم مع دمشق على الشأن اللبناني، أسهل من التفاهم طهران. فضلاً عن أن حسابات السعودية كلها تصب في اتجاه إقصاء إيران من لبنان وسوريا والعراق واليمن والبحرين… لهذا تحديداً، تفضّل السعودية التفاهم مع سوريا في لبنان، بل وربما العودة إلى منحها "تفويضاً" جديداً للشأن اللبناني، على أن تكون إيران شريكتها في لبنان.

يحتسب السعوديون أن الثمن الذي قد تطلبه سوريا منهم مقابل التفاهم في لبنان، لا يوازي جزءاً صغيراً من الأثمان التي تطمح إيران للحصول عليها من السعودية في كامل الرقعة الجغرافية الممتدة من البحر المتوسّط إلى الخليج العربي.

هل تعود تسوية "س ـ س"؟

السؤال طبيعي في ظل مجموعة معطيات، تبدأ من أخبار اللقاءات غير الرسمية بين عدد من المسؤولين السوريين والسعوديين، وصولاً إلى اللقاء غير المعلن بين مسؤولين من وزارتي الخارجية على أرض موسكو تحديداً.

لا تأكيد على حصول هذا اللقاء، كما أنه قد يصدر نفي لحصوله، لكن كثيراً من المعطيات تؤكّد أن "اتصالاً ما" حصل بين وزارتي الخارجية السعودية والسورية في العاصمة الروسية، وأن لغة جديدة بدأت تستخدم بين الرياض ودمشق مختلفة عن تلك التي كانت سائدة منذ العام 2011.

الأرجح أن السعودية طامحة بقوة لعودة "س ـ س" بأي صيغة ممكنة، حتى ولو وفق الصيغة القديمة، لإدراكها أنها لا تستطيع تفادي إيران في لبنان إلا من خلال عبور طريق جديدة يابوس، خصوصاً أنها تراهن على أن وهن دمشق يخفض سقف شروطها.

والأرجح أن سوريا راغبة بشدة في عودة "س ـ س" لاعتبارات عديدة، تبدأ من الواقع الداخلي في سوريا وورشة الإعمار التي تحتاج إلى تكاليف خيالية، وانتهاء باستعادة سوريا موقعها ودورها تدريجاً.

الواضح أن كل الطرق تؤدي إلى "س ـ س"، لكن القرار بسلوك الطريق ربما لم يتّخذ حتى اليوم، وإن كانت "س" و"س" قد وقفتا عند خط الانطلاق، وأنهما قد يسيران معاً من معبر "نصيب" إلى نقطة "المصنع".. وصولاً إلى بيروت؟!.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.