هل يحتاج لبنان إلى ضابط إيقاع جديد؟

رفعت البدوي ـ

كثيرون يعتقدون أن في لبنان دستوراً يلجأ اليه أهل الحكم عند المفاصل والأزمات، التزاماً بالنصوص، واجتهاداً في تفسير بنود الدستور اللبناني، منعاً للتأويل المغلوط وارتكاب أي خرق أو بحرف في الدستور، حتى لا تسجل مخالفة، أو كسابقة، ثم تصبح السابقة عرفاً، ثم يصبح العرف ثابتة يعمل على تقليدها ويواظب على ممارستها ورثة المناصب السياسية اللبنانية، حتى لو كان العرف ضد المصلحة الوطنية العليا كما هو الحال في لبنان.

منذ العام 1943، حكمت لبنان صيغة توافقية أدت الى تقاسم وتوزيع مراكز إدارة الدولة على الطوائف التي قررت العيش ضمن الجغرافيا اللبنانية، والتي عرفت بصيغة 1943. لكن هذه الصيغة لم تؤت أكلها حيث أنه سرعان ما تحولت الى صراع على الصلاحيات بين الطوائف في لبنان، ليتقدم معها الانتماء الطائفي على الانتماء الوطني.

عصفت في لبنان ازمات وطنية كثيرة: 1958 ـ 1969 ـ 1975 ـ 1982 ـ 1988 -2008، وجلّها انتهت بتسوية لا غالب ولا مغلوب، ليُعاد العمل بالصيغة التي أودت بلبنان واللبنانيين نحو الاقتتال الدامي.

لم يتعظ المسؤولون من هول الكوارث التي حلت بلبنان، تماماً كما لم يرتقِ المواطن اللبناني الى مستوى الانتماء الوطني على الرغم من تلك الاحداث التي انهكت الجسد اللبناني على صعيد القتلى والجرحى والمعاقين، وأسهمت في تهجير اللبنانيين الى خارج الوطن، ليشهد لبنان عملية هروب ممنهجة للادمغة اللبنانية، وتأخر لبنان اقتصادياً وثقافياً وحضارياً وتكنولوجياً وسياساً، مما استدعى تدخلاً عربياً لوقف هذا النزف المستمر جراء الاقتتال الدائر، تجلى بموافقة أميركية سمحت بإنتاج ما عرف بمعادلة "س ـ س"، أي السعودية وسوريا، وبتوافق دولي، ولدت اتفاقاً بين اهل الحكم في مدينة الطائف السعودية، وسمي  الاتفاق على اسمها وعرف باتفاق الطائف.

الاتفاق بحد ذاته أسفر عن وقف الاقتتال الدائر في لبنان، وعن تغيير لباس المتقاتلين، فتحولت البزة العسكرية الى بدلة حديثة مزينة بياقة بيضاء وربطة عنق انيقة واحذية لماعة وسيارات ومواكبة فارهة، للشروع في بدء تطبيق وتنفيذ بنود اتفاق الطائف واعتباره دستوراً يحتكم اليه اللبنانيون في الازمات الوطنية لجهة تحديد صلاحيات الرئاسات والوزارات. لكن النتيجة الحقيقية كانت صادمة ومريرة، لأنها أسفرت عن انتقال المتقاتلين من الشارع والمحاور للاقتتال داخل الدولة وبأسلوب "أرقى"، محصنين بـ"سواتر" الحقوق الطائفية يختبئون خلف "دشم" المذهبية.

ولأن المتقاتلين صاروا داخل الحكم، كما انهم نقلوا قتالهم الى طاولة الحكومة، كان لا بد من قائد أوركسترا يُحسن ضبط النوتة السياسية والعزف على وتر المصلحة الوطنية.

ولان اللبنانيين أثبتوا انهم قُصّر لم يبلغوا سن الرشد السياسي والقرار الوطني، كان لا بد من الاتفاق على قائد وضامن للأوركسترا، فاتفقت الدول على ان تكون سوريا هي صاحبة النفوذ في مرحلة ما بعد الحرب، كما أعطي لسوريا الحق الحصري في ضبط الامور الامنية والسياسية في لبنان.

صار النظام السياسي اللبناني قائماً على التقسيم الطائفي للسلطات الدستورية والمناصب الإدارية، بحيث يضمن تمثيل كل الطوائف، في حين لم يتنبه قائد الاوركسترا ولا أهل الحكم وأهل الحل والربط،  عن قصد او عن غير قصد، ان هذا النظام القائم على مبدأ حصص الطوائف والمذاهب لن يمكّن اللبنانيين  من القدرة على اتخاذ قرار وطني جامع، بل انه عزز نظام المحاصصة الطائفية في لبنان، ما أدى ـ وبشكل مباشر ـ الى شلل في عملية صنع القرار الوطني اللبناني،  ليحل مكانه نظام احتكار البعض في صنع القرار نيابة عن اللبناني، أما اللبناني نفسه فقد اختار مهنة  احتكار تمثيل الطائفة والمذهب باحترافية عالية، وجعلها متراساً يحتمي به.

أما السوري، ناظم الاوركسترا في لبنان، فقد مارس الازدواجية في القناعات والمفاهيم السياسية، حيث ان مبدأ الحصص الطائفية والمذهبية في سوريا أمر محرّم وأن الولاء لسوريا كوطن عربي نهائي لا يتقدمه شيء، فيما السوري نفسه مارس لعبة الحفاظ على الحصص الطائفية في لبنان بدعوى الحفاظ على التركيبة او الفسيفساء اللبنانية، بل انه ذهب ابعد من ذلك في تكريسها بدل إلغائها كما ورد في نص دستور اتفاق الطائف، وكما هو الحال في سوريا، علماً ان تركيبة طوائف لبنان مطابقة تماماً للتركيبة الاجتماعية في سوريا.

كثيرون من أهل الحكم في لبنان دأبوا على مراعاة السوري طمعاً في حرف الدستور عن قواعده وثوابته الوطنية، وجعله في خدمة الطائفة او المذهب، وبتغطية من ضباط سوريين كُلفوا بضبط الاوركسترا اللبنانية.

لا غلو في القول ان الخطأ السوري في ممارسته ازدواجية الثوابت والقناعات بين لبنان وسوريا، انسحب على الداخل السوري وكان عاملا مؤثراً في تسعير أحداث سوريا منذ سبع سنوات وحتى اليوم. بمعنى ان ممارسة السوري لسياسة ضبط الممارسة السياسية على أساس  تثبيت الحصص الطائفية، كانت ممارسة فاسدة ومفسدة لكلا البلدين، وهذا ما افسح المجال أمام بعض الطائفيين والمذهبيين في لبنان للانخراط في أحدث سوريا وبشكل مباشر.

الكثير من اهل الحكم في لبنان يتمسكون بسابقة افتعلها أسلافهم أو من سبقهم الى نفس المركز، ظناً منهم انهم يحافظون على حقوق الطائفة او المذهب، حتى وان كانت السابقة مخالفة للدستور، وان كانت تلك السابقة تعتبر تدخلاً او تعد على صلاحيات الرئاسات والوزراء، ولا تأتي بالمصلحة الوطنية لانها غالباً ما تكون على حساب الوطن ووحدته.

اغتيل الرئيس رفيق الحريري في العام 2005 وتصدر القرار 1559 الواجهة اللبنانية بالضغط على القيادة السورية للانسحاب من لبنان.. وهكذا كان.

انسحب السوري من لبنان تاركاً هوة كبيرة، وفوضى سياسية عارمة، واحداث السابع من أيار 2008  التي كادت ان تطيح بصيغة العيش المشترك شاهد على ذلك، ما استدعى تدخلاً من قطر هذه المرة  لعقد مؤتمر الدوحة في العام  2008، الذي لم يكن بديلاً عن اتفاق الطائف، ولم يأت بحلول واضحة في معالجة عيوب النظام في لبنان، بيد ان مقررات مؤتمر الدوحة كرّست مبدأ الحصص الطائفية،  كما انها عززت سطوة بعض الدول التي ناصبت العداء لسياسة سوريا، وتم تظهير مقررات مؤتمر الدوحة على أنه انتصار على سوريا وانتهاء عهد قيادتها للأوركسترا اللبنانية.

في ظل عدم وجود حلول ناجعه لسد الثغرات  في النظام اللبناني، وعدم تطبيق نظام انتخابي قائم على مبدأ النسبية باعتماد المحافظة دائرة انتخابية، او تجاهل تنفيذ بند الغاء الطائفية السياسية كما نص دستور الطائف، صار النائب اللبناني عبارة عن ممثل في طائفته او في مذهبه  فقط.. وفي غياب قائد للأوركسترا اللبنانية، صارت الامور أكثر تعقيداً، وعززت معها الممارسة الطائفية والمذهبية في شتى المراكز والمجالات.  فبعد ان كان انتخاب رئيس للجمهورية لا يحتاج الا الى توافق سوري ـ سعودي، بات انتخاب رئيس للجمهورية يحتاج للمرور عبر الدول العالمية والاقليمية مجتمعة. وبعد ان كان تشكيل الحكومة لا يحتاج الا لمجرد هاتف من ضابط الاوركسترا السوري، صار تشكيل الحكومة في لبنان يحتاج الى ڤيزا تأليف من أميركا وبريطانيا وفرنسا والسعودية وإيران… والى "كارت" مرور من سوريا.

من نافل القول ان اللبنانيين قد بلغوا سن الرشد السياسي، فبعد كل الكوارث المؤلمة، والتجارب والتجاذب والكيدية والمطالبة بتأمين الحقوق الطائفية والمذهبية، واعتماد البدع الدستورية في احتكار وانتقاء المناصب والوزارات والثلث الضامن، الاهمية العظمى، مقابل تناسي ـ او تلاشي ـ المصلحة الوطنية، يبقى لبنان بحاجة الى قائد جديد للأوركسترا… فمن هو المؤهل لإدارة الاوركسترا اللبنانية؟

ولطالما بقي المجتمع اللبناني متعدد الانتماءات والولاءات الدولية والإقليمية، فمن الصعب التوافق او العثور على ضابط ايقاع متفق عليه دولياً واقليمياً، خصوصاً بعد هذا الاشتباك العنيف الحاصل وتضارب المصالح والاجندات دولياً وإقليميا، وسيبقى لبنان ساحة مباحه لتبادل الرسائل الاقليمية والدولية بانتظار حصول توافق اقليمي يسمح باختيار ناظم حديد للسمفونية اللبنانية.

فالسعودية لا تستطيع وحدها قيادة حملة الحزم التي تحرق فيها اصابعها وتطيح بانجازاتها. اما قطر فهي المحاصرة والمنبوذة خليجياً. وفرنسا لا تجرؤ على اغضاب ايران في لبنان. وايران ملتهية بالعقوبات المفروضة عليها. اما البلد الاقرب جغرافياً واجتماعياً وهوية فهو سوريا الغارقة في حرب ضروس حولت الاخضر فيها الى يابس.

لقد أضحى لبنان بحاجة ماسة لإجراء عملية تجميل للنظام، فإما العمل على تثبيت تنفيذ اتفاق الطائف والالتزام بنصوصه بحذافيره، وصولاً لإلغاء الطائفية السياسية واجراء انتخابات نيابية على مبدأ النسبية وعلى أساس المحافظات الخمس كدوائر انتخابية، واعادة العمل بالتجنيد الاجباري الذي يسهم في الانصهار الوطني. والا فإن اتفاقاً جديداً يلغي العمل بالمحاصصة الطائفية والمذهبية صار واجباً ملزماً، وذلك حفاظاً على ما تبقى من لبنان الرسالة والحضارة والثقافة، تماماً هو حاصل في دول اقليمية ودولية.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.