التوطين حتماً.. إلاّ إذا…

ما حقيقة أن لبنان الرسمي ـ أو بعضه ـ موافق على التوطين؟

ـ  جورج علم ـ

يرفع، قريباً، المستشار الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترامب جاريد كوشنر، الى الكونغرس، مشروع قرار يرمي الى نزع صفة "اللاجىء" عن الفلسطينيين، ومطالبة الدول المضيفة بتوطينهم. ويأتي هذا التوجّه، بعد إعلان القدس عاصمة لإسرائيل، وتصويت الكنيست على جعل إسرائيل دولة قوميّة يهوديّة، وأخيرا بعد القرار الأميركي بالإمتناع عن تمويل وكالة غوث اللاجئين (الأونروا)، تمهيداً لإلغائها.

يتصرف كوشنر بوصفه مؤتمناً على وضع ملف "صفقة القرن" موضع التنفيذ، كونه المقرّب من ترامب، وصهره، وكاتم أسراره، والمكلّف بإدارة الملف الفلسطيني ـ الإسرائيلي. إنه من المحافظين  الجدد ومن مدرسة  جون بولتون، الذي أعاده الرئيس الى فريق عمله ليكون الى جانب كوشنير في تنفيذ المهمّة.

لا يملك الأوروبيّون تصوّراً واضحاً حول تفاصيل هذه "الصفقة"، لكن ما أنجز منها حتى الآن يستدعي الإهتمام، والتفكير بالنتائج، والتداعيات، لأن في ذلك خروج واضح عن الأمم المتحدة، ومجلس الأمن الدولي، والقرارات ذات الصلة، بدءاً بالقرار 181 الذي نصّ على تقسيم فلسطين الى دولتين، عربيّة بنسبة 42.88 بالمئة من الأراضي، وأخرى يهوديّة بنسبة 55.47 بالمئة ، على أن تبقى مدينتا القدس، وبيت لحم تحت الوصاية الدوليّة. وهناك القرار194 الذي ينصّ على وضع القدس تحت رعاية نظام دولي دائم، وتقرير حق اللاجئين في العودة الى ديارهم. وهناك الكثير من القرارات، والتوصيات الدوليّة الأخرى المتصلة بالقضيّة الفلسطينيّة، وقد تجاوزتها "صفقة العصر"، وبدأت ترسم مساراً آحاديّاً جديداً خارج مظلّة الشرعيّة الدوليّة، الأمر الذي يرسم أكثر من علامات إستفهام حول المستقبل والمصير.

والمقصود من هذا الكلام ـ من منظار الأوروبييّن ـ أنه إذا كان الغرض من "صفقة العصر"  تصفية القضيّة الفلسطينيّة، فالسؤال الطبيعي، والملح: ماذا بعد؟ وما هي التدعيات؟ كون هذه "الصفقة" إنما هي جزء من مسار طويل من أهدافه تفتيت العديد من دول المنطقة الى دويلات طائفيّة، مذهبيّة، فئويّة، متصارعة، الحق فيها للقوّة، والقوّة لمن يملك شبكة خارجيّة واسعة من الدعم والنفوذ، وهذا يقود حتماً الى مشروع الشرق الأوسط الجديد، والواسع، الذي بشّر به المحافظون الجدد في الولايات المتحدة بعد أحداث 11 أيلول في نيويورك العام 2001.

أما الهدف الإقتصادي، فيرمي الى رسم أكثر من "طريق حرير" في الشرق الأوسط، يشمل: النفط، والغاز، الى الطاقة، والمعادن، والثروات الدفينة، الى أسواق الإستهلاك التي تكرّس عوامل السيطرة، والإستلحاق. أما الأهداف الأمنيّة فقد أصبحت واضحة للعيان، قواعد عسكريّة أميركيّة، وأخرى روسيّة، وغربيّة، وإقليميّة، بدأت تفرض نفسها على أرض الواقع.

ووفقاً لما هو متداول في بروكسل، فإن غالبية دول الإتحاد الأوروبي، كانت تفتش عن قوى الرفض والممانعة لهذه "الصفقة" في مجلس الأمن، وخارجه.. في الجمعيّة العامة للأمم المتحدة، وخارجها.. في الدول العربيّة، والإسلاميّة، وخارجها… فلم تعثر على أحد. هناك بعض الأصوات المنتقدة، ولكنها كانت خجولة، ومعزولة عن أي خطّة للتصدّي.

قال الرئيس ترامب كلمته "القدس عاصمة أبديّة لإسرائيل"، فساد صمت مطبق في العالمين العربي والإسلامي، ولم يحرّك أحد ساكناً، بإستثناء بعض الأصوات المستنكرة التي صدرت هنا، وهناك، وهنالك، ولكن تبددت تراجيعها مع ريح النسيان…

أعلن الكنيست أن إسرائيل دولة قوميّة لليهود، وكان صمت مريب من المحيط العربي وصولاً الى المحيط الدولي…

والآن جاء دور تصفية "الأونروا"، ووضع حدّ لنشاطاتها وفق السياق المرسوم "لصفقة العصر"، ومسارها.

إعترض لبنان على محاولة تصفية "الأونروا"، وقررّ رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون التحدث بلهجة عالية وحازمة من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة نهاية هذا الشهر، ودعا رئيس المجلس النيابي نبيه برّي جامعة الدول العربيّة الى التحرّك قبل فوات الأوان، فيما يقود وزير الخارجيّة والمغتربين جبران باسيل، أوسع حملة دبلوماسيّة عرفها لبنان على المنابر الإقليميّة والدوليّة رفضاً للتوطين، ورفضاً لتحميل الوطن الصغير الجزء الأكبر من التوطين!.

لا يمكن إستباق الأمور، لأن المسار المتبع تقوده الولايات المتحدة، بالتعاون مع الآخرين، وعلى قاعدة "خدمات، مقابل خدمات.. ومررّ لي هنا.. كي أمررّ لك هناك؟!…".

لكن التدحرج على ظهر هذا المنزلق، يقود حتماً الى طرح أسئلة مقلقة حول مستقبل الأمم المتحدة، وقراراتها. حول مصير الشرعيّة الدوليّة. حول المؤسسات المتفاهم عليها والمخوّلة بوقف النزاعات بين الدول والجماعات؟ وبالتالي فإن المسار المعاكس لا بدّ منه، وإنطلاقته ستكون حتماً بعد التفاهم على الإستراتيجيّة التي يفترض تحقيقها.

وبالإنتظار، فإن لبنان محكوم بالتوطين، وقد شارك في العام 1991 في مؤتمر السلام الخاص بالشرق الأوسط، الذي إنطلق ذلك العام من مدريد.

يومها حصل جدل كبير داخل مؤسسات الدولة اللبنانية وخارجها. البعض كان مع المشاركة، البعض الآخر عارضها بقوّة بإعتبار أن لا علاقة للبنان بالقرار الدولي الرقم 242، بل  أن صراعه مع إسرائيل محصور بمتطلبات وموجبات القرارين 425 و426 الصادرين عن مجلس الأمن الدولي في 19 آذار 1978، إلاّ أن مجلس الوزراء حسم الجدل لجهة المشاركة في المؤتمر تحت شعار العمل على التشبث بحق عودة اللاجئين حتى لا يكون التوطين من نصيب لبنان.

تفرّع عن مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط مساران:

المسار الثنائي: هدفه حل صراعات الماضي بين كل دولة، وإسرائيل.

المسار المتعدد الأطراف: ركّز على المستقبل، وتطرّق الى معالجة  المشكلات الإقتصاديّة، والإجتماعيّة، والبيئيّة العابرة للحدود.

إنطلق المسار التعددي على مدى سبع جولات من المفاوضات، في إطار خمس  مجموعات عمل منفصلة للبحث في  قضايا اللاجئين، التنمية الإقتصادية الإقليميّة، مصادر المياه، البيئة، ضبط التسلّح، الأمن الإقليمي.

شارك لبنان بفعالية في لجنة اللاجئين، نظراً الى ما يشكّله هذا الموضوع من أهميّة تتصل بمستقبل المخيمات، وقاطنيها.

إنطلقت اللجنة بعملها برئاسة كندا. وعقدت سلسلة من الإجتماعات، وإنتهت الى الآتي:

  • الطلب الى إسرائيل السماح بعودة جزء من اللاجئين تحت عنوان "لم الشمل".
  • أن يوطن لبنان جزءاً منهم.
  • أن يوزّع العدد الأكبر على الدول التي تتمتع بإمكانات إقتصاديّة، ومساحات شاسعة من الأراضي، وتكفّلت يومها كندا في أن تكون واحدة من بين مجموع هذه الدول.

رفض لبنان هذا المخرج. وأصرّ الوفد اللبناني على حق العودة، لكن المجتمع الدولي لم يكن في هذا الوارد، وأنهت اللجنة إجتماعاتها، وتوقفت الإجتماعات المتعددة الأطراف، ووصلنا الى المأزق!.

كيف السبيل للمواجهة؟.

لا كلام قبل أن تبصر الحكومة النور، وقبل مناقشة بيانها الوزاري، وقبل تفاهم أعضائها على خطة واضحة في هذا المجال للتصدي لمشروع جاريد كوشنر، وجون بولتون، وإدارة الرئيس ترامب. لكن في المقابل هناك كلام في كواليس دبلوماسيّة أوروبيّة "من العيار الثقيل"، مفاده أن لبنان الرسمي ـ أو بعضه ـ موافق على مخطط التوطين، ومن المظاهر:

  • الموافقة على قانون الـ49 الذي ثارت ثائرة بكركي حوله، والذي يخوّل شاري العقار او المسكن من حصوله على حق الإقامة الدائمة. من أوحى بهذا القانون؟ من أعدّه؟ كيف مررّ في المجلس النيابي؟. إنها نماذج من أسئلة، قد تكون أجوبتها معروفة.. لكنّها من النوع الساذج …
  • أزمة العقارات في لبنان. ويقال بأنها مفتعلة، ومن صنع "الطوابير" المكلّفة من قبل المخابرات الدوليّة الفاعلة لتمرير الصفقات عبر أقنعة ماليّة ـ إقتصاديّة ـ أمنيّة. وبالتالي جمود قطاع العقارات قد يكون من صنع "طابور" دولي ـ إقليمي متورط في تنفيذ "صفقة العصر"، بإنتظار أن يسقط الكونغرس الأميركي صفة "اللاجىء" عن الفلسطيني، ويدعو الى توطينه في الدول المضيفة.
  • إن هذا "الطابور" سيفتح "إهراءات" المال والتمويل في الوقت المناسب، وفق خطط مدروسة، لتمكين الفلسطيني في المخيم، من شراء المنزل اللائق، وبأموال ناصعة البياض و"التبييض"، و"كاش" بدولارات مستقدمة من كبار المصارف العالميّة. عندها سيتسابق أصحاب الأبراج، والعقارات، وناطحات السحاب على الأستفادة من العروض والمغريات… واللبناني بارع بالمناسبة على ركوب الموجات.. غير عابىء بالغرق!…
(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.