لا للمجلس النيابي.. نعم لـ "المزرعة"!

العاطلون عن العمل هم الطائفة 19 في لبنان

ـ نورما أبو زيد ـ

يفتقر لبنان إلى أرقام رسمية دقيقة وموثوقة حول عدد العاطلين عن العمل. إدارة الإحصاء المركزي تميل منذ عدّة سنوات إلى نظرية هلامية سطحية، تتحدّث عن بطالة تحوم حول سقف الـ 10 بالمئة. الأرجح هو أنّه ما كان عدد العاملين وليس العاطلين ليتخطّى الـ 10 بالمئة بكثير، لولا الوظائف التي تؤمّنها الدولة لموظفيها ومتعاقديها.

يسوء وضعنا الاقتصادي من يوم إلى يوم، ولسنا بحاجة إلى دراسات موثّقة لندرك أنّ رقعة البطالة اتّسعت إلى حدّ الانفلاش، وتعمّقت إلى حدّ التجذّر. العاطلون عن العمل باتوا الطائفة 19 في لبنان، وهم حتماً "طائفة الطوائف". تنتمي الطائفة 19 إلى الأقليات الكبرى، علماً أنّ أقليات المجلس النيابي الكبرى والصغرى تنتمي إليها.

وعلى سيرة البرلمان اللبناني وأقلياته، غالباً ما تكون البرلمانات العالمية أشبه بخلية نحل. في لبنان، البرلمان "خلية" فارغة.. المجلس النيابي اللبناني فارغ إلاّ من كراسيه. "لا نحل ولا من ينحلون". أساساً مجلسنا "المحلول" في حكم المنحلّ. لا مكان للتشريع في قاعاته ولجانه، ومحاضر جلساته السنوية، تتلخّض منذ عدة سنوات ببضع صفحات. "لا تشريع ولا من يشرّعون"، ولكن المجلس النيابي "شرعي" وكامل المواصفات الديمقراطية.

 

في الدورة الانتخابية الأخيرة، تمّ تبديل 64 رأس برلماني. نصف النواب السابقين انتهت صلاحيتهم وأحيلوا إلى التقاعد، علماً أنهم كانوا دوماً في حالة تقاعد. الـ 64 الجدد، ورثوا المقاعد والمكاتب و.. البطالة. الرؤوس الـ 64 القديمة – الجديدة لم تعد تقصد المجلس النيابي إلاّ في ما ندر، والرؤوس الـ 64 الجديدة قصدته بعيد انتخابها على قاعدة "كلّ جديد إلو رهجة"، وبعدها "قطمت".

البلد الذي يعيش حالة بطالة قاتمة، يرى في بطالة المجلس النيابي حالة فاقعة. المجلس النيابي الذي يجب أن يكون أوّل المعنيين بالتصدي لحالة البطالة القاتمة يعيش بدوره بطالة فاقعة، تبطل الحاجة إلى وجوده.

قبل أيام من الآن، لفتني طرح افتراضي في الفضاء الافتراضي، لشاب لبناني يدعى سامر أبو عيد. يتحدّث أبو عيد في "فضائه" عن مشروع "فدائي"، ينهض بلبنان اقتصادياً. تتلخّص فكرة أبو عيد بتعليق أعمال المجلس النيابي الحالي لمدة عام، وبالتالي تعليق رواتب نواب الأمّة الـ 128، واستثمار هذه الرواتب بمشروع حيواني يدرّ أموالاً على اللبنانيين.

بمعنى آخر، يطالب أبو عيد، بتعليق أعمال وأموال المجلس النيابي غير المنتج، لصالح مشروع حيواني منتج، يتمحور حول شراء أبقار حلوب برواتب النواب، لكي يصبح لبنان دولة مصدّرة للحليب الحيواني على غرار الدانمارك وهولندا. وإذا ما تعمّقنا بإنتاجية المجلس النيابي، نستنتج أنّ ما يطرحه أبو عيد يستحقّ التوقّف عنده ودراسته والتعمّق به. فالراتب السنوي لكلّ نائب هو 153 مليون ليرة لبنانية، والمعدّل الوسطي لسعر البقرة الحلوب هو 3 ملايين ليرة ونصف، وهذا يعني أنّه براتب نائب واحد، يمكن شراء ما لا يقلّ عن 40 بقرة حلوب، وكلّ بقرة تدرّ يومياً ما لا يقلّ عن 20 ليتر من الحليب، وكلّ ليتر بـ 1500 ليرة لبنانية كحدّ أدنى، وهذا يعني أنّ كلّ بقرة تدرّ يومياً ما لا يقلّ عن 30 ألف ليرة لبنانية، أيّ تنتج في الشهر 900 ألف ليرة لبنانية، والبقرات الـ 40 تنتجن 36 مليون ليرة شهرياً، و432 مليون ليرة سنوياً. وهنا يصبح السؤال واجباً: هل من نائب عاد أو يستطيع أن يعود على الدولة اللبنانية بأموال تعوّض عليها نفقاتها عليه؟ والجواب: بالطبع لا. الدولة تنفق على "مشروع" نيابي خاسر، بينما بمقدورها صرف الاعتمادات نفسها على مشروع حيواني رابح.

إذا عمّمنا تجربة النائب الواحد هذه، على نواب الأمة الـ 128، يصبح مدخول لبنان بعد سنة، 55 مليار ليرة و296 مليون ليرة. أمّا إذا أردنا تعليق مهام نواب الأمة لدورة انتخابية كاملة، فنذهب إلى عتبة الـ 221 مليار ليرة و184 مليون.

في ميزان المدفوعات والمقبوضات، تنفق الدولة سنوياً على نوابها 19 مليار ليرة و868 مليون بدل رواتب، ولا تجني منهم فلساً واحداً، بينما مزرعة الأبقار قادرة على جني ما لا يقلّ عن 55 مليار ليرة دون تكبيد الدولة فلساً واحداً. فأيهما نختار؟ أنختار المجلس أم المزرعة؟

إذا اتّفقنا جميعاً على تعليق مهام المجلس النيابي المعلّقة أصلاً، واستثمار رواتب النواب في مشروع أبو عيد الحيواني، نحلّ أكثر من معضلة. المعضلة الأولى هي بطالة المجلس النيابي، والمعضلة الثانية هي بطالة عدد من اللبنانيين، إذ يوفّر هذا المشروع فرص عمل لعدد من العاطلين عن العمل، ورواتبهم تسدّد من صندوق تعاضد النواب، أما العلف البقري، فتخصص له اعتمادات وزارة الأشغال التي كانت مخصصة لنواب الأمة. والأهم من كل ما سبق هو أنّه يمكن حلّ معضلة الحصص الحكومية، إذ يصبح بمقدورنا تشكيل حكومة من وزير واحد للزراعة والثروة الحيوانية، ولكن منعاً لحالات "الحرد" الطائفي، يتمّ منح حقيبة لكلّ طائفة.

بناء على ما تقدّم، هل نتحول إلى دولة مصدّرة للحليب، أم نكتفي بلقب دولة مصدّرة لـ …؟

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.