النواب المستقيلون… استقالات دون أفق؟

"ما بعد زلزال 4 آب ليس كما قبله"، هذه هي العبارة التي يكررها سياسيون ومحللون ومواطنون لبنانيون، اجمعوا على أن انفجار بيروت سيغير المشهد السياسي، بل وربما يأخذ لبنان إلى ميثاق سياسي جديد، بعدما تبين فشل النظام الطائفي بشكل ذريع.

ولأن الانفجار كان أكبر من قدرة بعض النواب على الاستمرار في عملهم النيابي "كأن شيئاً لم يكن"، لبّى بعضهم دعوات الشارع له بالاستقالة، فكان قرار استقالة البعض "شعبوياً"، فيما أتت استقالة آخرين كموقف سياسي بحد ذاته.

وليس من السهل على نائب انتُخب من الشعب، أن "يلفظه" الشارع المنكوب، فلا يمتلك النائب الجرأة حتى على معاينة الأضرار التي سببها انفجار مرفأ بيروت في أحياء المدينة، حتى ولو كان نائباً عن بيروت!

ولعل "الطلاق" الحاصل بين الطبقة السياسية والشعب اللبناني، تجسد بعدما زار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المناطق المتضررة، ولاقت زيارته ترحيباً كبيراً من قبل اللبنانيين، فيما لم يجرؤ نائب على النزول إلى الشارع، ومن "تجرّأ"، لاحقته صرخات وإدانات المواطنين!

ولبى بعض النواب نداء الشارع لهم بالاستقالة، لا سيما أولئك الذين يمتلكون هامشاً من الاستقلالية في قرارهم. وإذا جاء قرار الاستقالة لدى البعض من باب الشعبوية والهروب من المحاسبة الشعبية، فإن استقالة البعض الآخر أتت كترجمة ليأس حقيقي من إمكانية التغيير ضمن المؤسسات، لا سيما في ظل وجود الطبقة السياسية نفسها التي تتحكم بلبنان منذ التسعينيات وإلى اليوم، وهذا ما جعل هؤلاء النواب يستقيلون، وهم بمعظمهم لا ينضوون تحت لواء الكتل النيابية الكبيرة، أي أن تأثيرهم البرلماني "محدود"، وجلّ ما فعلوه بقرار الاستقالة، كان ترك القوى البرلمانية الفاعلة والمؤثرة "تقبّع شوكا بإيدا"!

ماذا عن الانتخابات الفرعية؟

وأول المستقيلين وأسرعهم لجوءاً للاستقالة، كان النائب مروان حمادة، الذي لم يرجع في قراره للنائب وليد جنبلاط، إذ أن الوزير والسياسي المخضرم، "لم يعد له ثقة بكل المؤسسات من بينها المجلس النيابي".

أما حزب الكتائب اللبنانية، والذي خسر أمينه العام نزار نجاريان في الانفجار، فتقدمت كتلته النيابية بالاستقالة، وتضم الكتلة كلاً من النواب الياس حنكش، أمين الجميل، ورئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميل.

ولم تكن استقالة نواب الكتائب مستبعدة بعد انفجار بيروت، إذ أنهم منضوون في المعارضة البرلمانية منذ أن رفضوا المشاركة في حكومات "الوحدة الوطنية"، إضافة إلى مواقف معارِضة متقدمة أخرى، كلفت الحزب تراجعاً ملحوظاً في شعبيته، تُرجم في الانتخابات النيابية الأخيرة، إلا أن مواقفه نفسها، ساعدته للانضمام في صفوف الانتفاضة الشعبية.

من جهتها، تقدمت النائب بولا يعقوبيان باستقالتها، وهي من النواب المستقلّين في البرلمان، كما تقدم كل من النائب ديما جمالي (عضو كتلة المستقبل النابية)، والنائب هنري حلو (عضو كتلة اللقاء الديمقراطي)، والنائب ميشال معوض(عضو تكتل لبنان القوي)، باستقالتهم من البرلمان، على إثر انفجار بيروت.

هذا وانضم النائب نعمة أفرام (نائب مستقل، وعضو سابق في تكتل لبنان القوي) إلى قافلة المستقيلين اليوم، عبر استقالة خطية وفق الأصول، لتصبح حصيلة النواب المستقيلين، 9 نواب حتى الساعة.

وكان من المتوقع أن تنضم الكتل النيابية لحزب القوات اللبنانية، وتيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي إلى لائحة الكتل النيابية المستقيلة، للدفع نحو انتخابات نيابية مبكرة، إلا أن استقالة الحكومة "فرملت" تلك الاستقالات، عدا عن أسباب أخرى خارجية.

ولكي تصبح استقالات النواب نافذة، يجب أن تتلى أمام الجلسة النيابية عند انعقادها غداً، وِفقاً لما ينص عليه النظام الداخلي للمجلس النيابي، ويستطيع النواب الذين تقدّموا باستقالاتهم الخطّية حضور جلسة غد الخميس، إلا أنه بمجرد خروجهم من الجلسة بعد تلاوة استقالاتهم، يعتبرون تلقائياً "نواباً سابقين".

من جهة ثانية، يبدأ التحضير للانتخابات الفرعية لملء الشغور وِفقاً لنصّ المادة 41 من الدستور خلال شهرين، وذلك إعتباراً من 13 آب الحالي، وهو أمر قد يكون من الصعب تحقيقه في ظل الظروف الراهنة، إذ أنه لا أحد يعرف متى قد تتشكل الحكومة الجديدة، ما يعني أن هذه الاستقالات قد تبقى بلا أفق، وبلا فاعلية، أقله في الوقت الراهن، في حين أن رئيس حزب القوات اللبنانية، الدكتور سمير جعجع، قد أعلن اليوم عدم حضور كتلته النيابية للجلسة النيابية المزمع عقدها غداً، وهي "ورقة" جديدة لن تتوانَ الكتل النيابية عن استعمالها، لا سيما تلك الكتل التي لا تريد الاستقالة، ولا تريد الاعتراف بأنها جزء من "السلطة" الحالية!

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.