مسلسل قطع الطرقات… البطولة معروفة والنهاية غير مكتوبة بعد!

ما زالت ذكريات الحرب ومشاهدها متجذرة في الذاكرة الجماعية للبنانيين الذين عايشوا تلك الحرب، بل أن بعضهم استطاع نقل خوفه -القديم والمتجدد- إلى أبنائه، حتى تكاد صورة الدمار والرصاص المتنقل، وعتمة الملاجئ ووحشتها، موجودة في ذاكرة كل لبناني، ومترسخة فيها تماماً كذكريات طفولته!

ولعلّ تقطيع أوصال البلاد عبر الحواجز والمتاريس، هي الصورة الأولى التي يستحضرها اللبنانيون كلما عادوا بذاكرتهم 30 عاماً إلى الوراء وأكثر،  ففي الحرب الأهلية التي استمرت لنحو 15 عاماً، لقي فيها حوالي 150 ألف لبناني حتفهم. وقتها كانت المتاريس تفصل بين اللبنانيين، وكانت حواجز الأحزاب معدة للقتل "على الهوية"، وكانت المناطق مقسمة وفق نفوذ الأحزاب الطائفية فيها، وكان يمنع على اللبناني الانتقال إلى المناطق التي لا نفوذ لطائفته فيها، بل أنه كان يقتل في بعض الأحيان بمجرد انتقاله إلى منطقة "محظور" دخوله إليها.

ومنذ انتفاضة 17 تشرين، عاد سلاح إقفال الطرقات إلى الواجهة، إلا أنه هذه المرة تغيرت أهداف إقفال الطرقات، كما أنها كانت سلمية، عكس متاريس الحرب الدموية.

وتجلى أول هدف لإقفال الطرقات عبر إعلان الرئيس سعد الحريري استقالة حكومته، بعد أكثر من 10 أيام على الاحتجاجات المتواصلة وقطع الطرقات في بيروت ومعظم الطرقات الحيوية المؤدية إليها.

ثم عاد قطع الطرقات على أيام حكومة الرئيس حسان دياب، تزامناً مع ارتفاع سعر الدولار، وتدهور الأوضاع المعيشية، وإذا كان ارتفاع سعر الصرف "لعبة مكشوفة ومفضوحة" كما وصّفها رئيس الحكومة، فإن من يؤجج الشارع ويحرضه على عرض "أجزاء" جديدة من مسلسل إقفال الطرقات بات معروفاً أيضاً، ولعلّ إقفال الطرقات في مناطق دون أخرى، هو أكبر دليل على انعدام العفوية في هذه التحركات.

فقد اختلفت أساليب إقفال الطرقات، ولم يعد أهالي المناطق هم من يقفلونها، بل يكفي أن يقفل 10 شبان الطريق، لتُقطع، ويتحمل المواطن العادي تبعات قطع الطرقات، عبر "حجره" لساعات على الطرقات في سيارته.

فمن يستفيد -على سبيل المثال لا الحصر- من قطع طريق الناعمة باتجاه بيروت في يوم أحد؟ ومن تراه يستفيد من قطع طرقات في بيروت بشكل شبه يومي، في حين أن معظم المناطق تخلّت عن هذا الأسلوب من الاحتجاجات؟

ولأن الاحتجاج "بالمفرّق" لا جدوى منه، ولأنه لا يؤثر إلا على المواطنين المحتجزين على الطرقات، ويحرمهم من الوصول إلى أعمال ما زالت "صامدة" رغم عاصفة الانهيار الاقتصادي القائم، بات واضحاً أن مسلسل قطع الطرقات لم يعد له أهداف تفيد المواطنين، أو تؤثر على سعر الدولار، بل أن المواطنين هم المتضرر الأول عن إقفال الطرقات!

وإذا كان أبطال هذا "المسلسل" معروفون، إلا أن نهايته لم تكتب بعد، وسط تخوف من نهايته، لا سيما وأن مشاعر الاستفزاز تتصاعد بين المواطنين، ولعل احتقان أهالي الجنوب في كل مرة تقطع فيها طريق الجية، لخير دليل على التخوف الحقيقي من تصادم شارعين إزاء قطع الطرقات، والذي قد لا يتوج بنهاية سعيدة، وقد يردنا إلى ذكريات الحرب!

 

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.