بيروت الأولى: لوائح "مقاتلة" ومتقاتلة

نورما أبو زيد ـ

رسا المشهد الانتخابي في دائرة بيروت الأولى على 4 لوائح "مقاتلة" ومتقاتلة على 8 مقاعد نيابية، ورغم توزّع المقاعد على 6 مذاهب مسيحية، فإن المشهد يشي بمعركة كاثوليكية حامية الوطيس في "ساحة الأرثوذكس"، ويشكّل الموارنة فيها رأس حربة.

الدائرة التي توسّعت وفق القانون النسبي الجديد، وضمّت المدوّر إلى الأشرفية والرميل والصيفي، تنطبق على تحالفاتها الانتخابية مقولة "من كلّ وادي عصا" لا سيما في "لائحتي السلطة".

في هذه الدائرة، السلطة ممثلة، بلائحة "بيروت الأولى القوية"، التي تضمّ بشكلّ أساسي "التيار الوطني الحرّ" و"الطاشناق" في لائحة واحدة، يلاقيهما فيها "تيار المستقبل" و"الهانشاك" في "خلطة" أسماء غير متجانسة، لاسيما لناحية نقيضي اللائحة: العسكري المتشبث بمبادئه العميد أنطوان بانو، ورجل المال نقولا شماس. وفي هذه الدائرة أيضاً، السلطة ممثلة بحزبي "الكتائب" و"القوات" و"الرامغفار" والوزير ميشال فرعون، في لائحة تحمل اسم "بيروت الأولى"، وتعتبر أكثر تجانساً من اللائحة الأولى بحيث تجمع قدامى "14 آذار". في مقابل لائحتين "غير سلطويتين"، إحداهما غير مكتملة، الأولى هي لائحة "كلنا وطني" المكتملة، وتضمّ أسماء وازنة اجتماعياً كالإعلامية بولا يعقوبيان التي تلعب أدواراً إنسانية، والصحافية والكاتبة جومانا حداد الناشطة في سبيل المساواة والمواطنة والكرامة الإنسانية، والقيادي السابق في "التيار الوطني الحرّ" زياد عبس. والثانية التي تحمل اسم "نحنا بيروت"، مؤلفة من النائب سيرج طورسركيسيان، والصحافية ميشال تويني، وشخصيات من المجتمع المدني، وأبرز ما يميز اللائحتين هو الحضور النسائي النوعي.

في المعركة التي تحمل صفة "طاحنة"، هناك إجماع، بأنّه ليس بمقدور لائحة واحدة احتكار تمثيل دائرة بيروت الأولى في البرلمان، وهناك شبه إجماع بأنّ لائحتي السلطة اللتين تتعادلان سلبياً، ستحتكران غالبية المقاعد، إذ تترك الإحصاءات احتمالاً ضئيلاً لنفاذ مرشّح "غير رئيسي" من اللائحتين غير المحسوبتين على السلطة، في حال تمكنت إحداهما من تأمين الحاصل الانتخابي مع "الكسر الأكبر".

 

على الرغم من وجود أكثر من 14 ألف ناخب مسلم (شيعة وسنّة)، فالمعركة في دائرة بيروت الأولى هي معركة مسيحية ـ مسيحية لأن لا تمثيل نيابياً للمسلمين فيها، لا بل هي معركة مارونية ـ مارونية في ساحة أرثوذكسية على المقعد الكاثوليكي، ولكن يبقى للصوت المسلم، لا سيما في شقّه السنّي، تأثيره.

دائرة بيروت الأولى التي يبلغ عدد ناخبيها بين محليين ومغتربين 134,355، عُرفت على مرّ الانتخابات السابقة بنسبة تصويتها المنخفضة، وعليه من المرجّح أن تبقى نسبة المقترعين دون عتبة الـ 40 بالمئة، رغم مراهنة اللوائح الأربع على رفع نسبة الاقتراع لضمان تجاوز الحاصل الانتخابي الذي يقدّر بأقلّ من 7 آلاف صوت.

الصوت الأرمني هو اللاعب الأقوى في الدائرة، وعليه حصل الأرمن على نصف مقاعد الدائرة، 3 منها للأرمن الأرثوذكس، ومقعد للأرمن الكاثوليك، في مقابل مقعد للموارنة، ومقعد للروم الكاثوليك، ومقعد للأرثوذكس، ومقعد للأقليات.

بعد ضمّ المدور إلى دائرة بيروت الأولى، لامس عدد الناخبين الأرمن 45 ألفاً من أصل 134 ألف ناخب. المزاج الأرمني يصوّت بغالبيته لحزب "الطاشناق" الذي يجهد هذه الدورة الانتخابية لتنخيب أعلى نسبة ممكنة من الناخبين الأرمن كي يتمكّن من الفوز بثلاثة مقاعد من أصل أربعة أحدها هو مرشح "التيار الوطني الحرّ" ألكسندر ماتوسيان.

الوزير ميشال فرعون هو المرشح الوحيد على لائحتي السلطة، الخارق لتمثيل الأحزاب في هذه الدائرة. فرعون الذي تعوّد الأكل من كلّ الصحون السياسية في ما مضى، وجد نفسه فجأة محاصراً بالقانون النسبي الذي يخيّر الناخب الحزبي بين مرشّح حزبه والمرشّح المستقل.

في الوقت الذي يحسم فيه حزب "الطاشناق" الغلبة لصالحه في دائرة بيروت الأولى، تبقى المقاعد المارونية والأرثوذكسية والكاثوليكية والأقليات غير محسومة.

صحيح أنّ لائحتي السلطة تكيلان بمكيال العدد، وبالتالي تتنافسان على حصد أكبر عدد من نواب الدائرة الأولى، ولكن  المعركة الأساسية هي على المقعد الكاثوليكي.

فرعون الذي "طرّز" بدقة فائقة عام 2016 تحالفاً بين الأضداد أنتج مجلس بلدية بيروت، وحاز في حينها على تنويه كلّ من العماد ميشال عون قبل انتخابه رئيساً، ورئيس الحكومة سعد الحريري، ورئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، حاول تكرار تجربته البلدية في النيابة، عبر السعي للمّ شمل أهل السلطة في لائحة واحدة، تكون نموذجاً خاصاً ببيروت الأولى، ولكن "الأهواء" الحزبية "كسرت مجاديفه"، وانتهت به المعركة محارباً في لائحة حزبية، لن تجير له أصواتاً تفضيلية، ومعركته الرئيسية ليست نيابية بقدر ما هي معركة على الزعامة الكاثوليكية في العاصمة ولبنان، إذ نجح فرعون بعد وفاة رئيس "الكتلة" الشعبية" الوزير السابق الياس سكاف، في لعب دور المرجعية السياسية لكل كاثوليك لبنان، ورسوبه في الانتخابات، يعني تراجعه إلى المقاعد الخلفية، وإخلاء زعامة الكاثوليك لكاثوليكي آخر.

"التيار الوطني الحرّ" يستهدف من حيث يدري أو من حيث لا يدري زعامة فرعون الكاثوليكية، من خلال ترشيحه عن المقعد ذاته لنائب رئيس "التيار" الوزير السابق نقولا الصحناوي، الذي يحظى بحشد "برتقالي" غير مسبوق، خصوصاً في ظلّ التخوّف من تسرّب بعض الأصوات "البرتقالية" لصالح القيادي السابق في "التيار الوطني الحرّ" زياد عبس. وعليه المشهد الكاثوليكي رسا على الشكل التالي: فرعون اللاحزبي محاصر بالأحزاب، وصحناوي الحزبي محاصر بقدرة عبس على حجب مئات أصوات المقترعين عنه، ولكن هذا لا يعني أنّ حظوظ عبس مرتفعة، في مقابل عماد واكيم أحد منافسيه عن المقعد الأرثوذكسي نفسه، الذي تخصص له "القوات" صوتها التفضيلي.

تجيير "التيار الوطني الحرّ" صوته التفضيلي لمرشحه الحزبي نقولا صحناوي، وتجيير "القوات اللبنانية" صوتها التفضيلي لمرشحها الحزبي عماد واكيم، يتسبّب بأزمة أصوات لسائر المرشحين على اللائحتين، وهذا يعني أنّ على سائر المرشحين الاتكال على رصيدهم الشخصي. مسعود الأشقر على سبيل المثال المرشح عن المقعد الماروني على لائحة "بيروت الأولى القوية"، يعتمد على رصيده الشخصي في مواجهة نديم بشير الجميل المرشح عن حزب "الكتائب"، ومثله يفعل العميد أنطوان بانو، المرشح العوني عن مقعد الأقليات، في مواجهة رياض عاقل على لائحة "بيروت الأولى".

رغم الرصيد الذي راكمه الأشقر طيلة السنوات الفائتة، معركته ليست سهلة مع الجميل، لأنّ الأخير هو ابن الرئيس بشير الجميل، ولأنّ الأخير يتسلّح بأصوات حزبه التفضيلية. أمّا العميد بانو صاحب التاريخ العسكري الحافل بالمعارك الصعبة، فتبدو معركته الانتخابية أسهل. فرغم زحمة الوجوه في لائحة "بيروت الأولى القوية"، يبقى العميد بانو الوجه الأقوى، علماً أنّه مرشّح عن المقعد الأضعف، مقعد الأقليات. فهو بالنسبة لناخبي دائرته، العسكري الذي لم تصله لوثة السياسة، ولذلك تجد جيشاً من المناصرين يتطوع مجاناً في حملته، لكي تكون معركته السياسية الراهنة مشابهة لمعاركه العسكرية السابقة التي تكلّلت دائماً بالنجاح. وهو بالنسبة لناخبي طائفته، بطل "نهر البارد" الذي لم تلد مثله طائفة السريان، رغم إيمانه الشخصي بأنّ "طائفتي لبنان ومذهبي مسيحي"، وهو بالنسبة لـ "الضالين" الذين تسرّبوا خارج "التيار الوطني الحرّ"، الرجل الذي أعادهم إلى "الحاضنة البرتقالية" بفعل إيمانه الراسخ بمبادىء الرئيس ميشال عون، على عكس كثيرين من تغييريي "جهاد المال" الذين يرفعون شعارات تغييرية لا تشبههم ويتصدرون اللوائح "البرتقالية" زوراً.

مع أنّه تلقى التهنئة مسبقاً من الرئيس عون بالمقعد الذي يترشّح عنه، يعلنها العميد بانو "معركة حتى النصر" كما لو أنّه على واحدة من جبهاته العسكرية. رغم الإضافة التي تشكّلها المرشّحة عن مقعد الأقليات على لائحة "كلّنا وطني" الصحافية والكاتبة جومانا حداد، ورغم الإضافة الأنثوية النوعية والمفيدة التي قد تشكّلها في المجلس النيابي فيما لو حالفها الحظ، تبقى المنافسة الجدية محصورة بين بانو ومرشح "القوات" رياض عاقل، مع "تطبيش" الكفّة لصالح بانو، لأنّ لائحة "كلنا وطني" قد تعجز عن تأمين الحاصل الانتخابي، وفي حال أمّنته يبقى فارق الكسور علامة فارقة في لائحة "بيروت الأولى القوية"، فيما منافسه على لائحة "نحنا بيروت" رفيق بازرجي يبقى خارج المنافسة لعدم قدرة لائحته على التأهّل، وعليه معركة بانو شبه محصورة مع مرشح "القوات" رياض عاقل. ولكن العسكري الذي يقول عن حزب منافسه "قاتلتهم بكلّ فخر عندما أطلقوا النار على الجيش، ولو أطلق شقيقي النار على سياج الوطن لأطلقت النار عليه"، يعتبر أنّ الماضي قد مضى بمجرّد تسليم "القوات" لسلاحها، وأنّ معركته اليوم سياسية. وفي هذه المعركة السياسية، يطلب من الناخبين التصويت لتاريخه العسكري "لأنّ من تعلم تاريخه. تعلم مستقبله".

رغم "تخرّج" بانو من عائلة فيها شقيق شهيد وآخر شهيد حي، يتجنّب قائد عمليات "نهر البارد" الحديث عن نضالات عائلته، ويركّز حصراً على مسيرته العسكرية المضيئة التي استمرت 37 سنة في خدمة الوطن. ولكن السؤال الملحّ هو هل تصحّ توقعات ماكينة "كلنا وطني" بتأمين حاصل ونصف وبالتالي تفوز حداد بفارق الكسور.. أم تصحّ توقعات الرئيس عون بثلاث أو أربع حواصل انتخابية وكسر،  وينتقل  بانو "من خدمة الوطن إلى خدمة المواطن"؟

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.