"خلية جبران" تأخذ الدولة إلى المغتربين

 جورج علم ـ 

جبران هذا الزمان، ليس بفيلسوف، ولا بشاعر، أو أديب، ورسّام. جبران هذا الزمان "سوبرمان"، يرتشف قهوة الصباح في البرازيل، يتناول طعام الغداء في لندن، ويرأس إجتماع عمل لأركان تياره في اللقلوق، قبل أن يتوجّه صباح اليوم التالي الى سيدني ـ أوستراليا، للقاء المنتشرين.

جبران هذا الزمان على كلّ شفة ولسان، والشتّامون  أكثر من المهللين، وله عند الجماعات  المنتقدة، أو المنتفعة، مكانة  هي خليط من الإعجاب بديناميته، ودأبه على العمل، وحرصه على كلّ شاردة أو واردة، الى حدّ أن خصومه الأقحاح قد سلّموا بجديته في درس المواضيع والملفات التي تدخل في نطاق مسؤولياته. إنه الساحر الذي سرق الأضواء، وإذا مرّ يوم على محليّاتنا من دون أن يكون فيه ذكر لباسيل، يكون يوماً غارقاً بالملل، والرتابة، والضجر. إنه المشرقط دائما، نظراته تسابق عباراته، وكلماته تستبق أفكاره، يصول ويجول بين المعابر والمنابر، مالىء الدنيا وشاغل الناس بمواقفه الإستفزازية، لسان بـ"24 فراش" ـ كما يقول منتقدوه ـ لا يستكين، لا يهادن، ولا ينام على ضيم!.

دخل التاريخ، ومن الباب العريض. تحبّه، أو تناصبه العداء، لا همّ، طالما أن الحقيقة ناصعة تستوجب الإقرار بالإنجاز الذي تحقق، وعندما يقدم المؤرخون على تأريخ هذه المرحلة من تاريخ لبنان، سيدوّنون حقيقة ماثلة أنه خلال عهد الرئيس العماد ميشال عون، تمكّن رجل مرّ بوزارة الخارجيّة والمغتربين، إسمه جبران باسيل، من أن يشرك اللبنانييّن المنتشرين في الحياة السياسيّة الوطنيّة، ويمكّنهم من مزاولة حقهم في الإنتخاب والإختيار، وأن يعيد اليهم حقوقهم المواطنيّة للمشاركة في صنع الحياة السياسيّة الوطنيّة.

عندما يتغلّب الفجر على نعاس جبران

ليس بالقليل أن يدعوك عند السادسة من فجر يوم الجمعة، الواقع في السابع والعشرين من نيسان، الى  قصر بسترس ليفتتح المعركة الإنتخابيّة مع دخول أول مواطن مغترب الى مركز الإقتراع في السفارة اللبنانية المعتمدة في عاصمة الدولة الخليجيّة، ليمارس حقّه الإنتخابي. أنت في القاعة الكبرى، تجلس على كرسيّ مريح، وأمامك شاشة عملاقة، توزّعت على مساحتها أقلام الإقتراع في ست دول عربيّة، ترصد سير العمليّة الإنتخابية بالصورة الحيّة المباشرة، وتتأكد شخصيّاً من مجريات الأمور، وتسجّل الإنطباعات التي تراودك بحريّة مطلقة. وفي القاعة جيش من الإعلاميين، يوفّر التغطيّة الكاملة للحدث الديموقراطي، وسيل من التقارير المرتجلة التي يختلط فيها الحابل بالنابل، والهابط  باللابط، والمهم عند غالبيّة من يقفون أمام الكاميرا أن يكونوا متفوقين بعلم الثرثرة، المهم أن يترغل اللسان بمعزل عن نوعية الكلام، والمضمون، والنباهة، واللياقة، وإحترام كرامة المشاهد، ومشاعره، وميوله السياسيّة، ومكانته في المجتمع.

والحقيقة إني إكتشفت جيلا من "المتفوّقين"، حملة الأقلام، تطوعوا  في خدمة مكاتب، ومنظمات قيل بأن إختصاصها مراقبة شفافية الإنتخابات، ومهمّة هؤلاء  أشبه بمخبر من الدرجة العاطلة جدّا، جلّ همّهم بناء وقائع مفتعلة، إستنادا الى أوهام باطلة، ليقال بأن هناك شوائب، وهنالك مآخذ، وعيوب، ونواقص. ومن النماذج المثيرة للسخريّة أن سيدة فاضلة تنتسب لمنظمة دوليّة حضرت الى لبنان لمراقبة شفافية الإنتخابات، وقفت فجأة أمام الكاميرا، وأخذت "اللوك المناسب"، ومررت أناملها في شعرها المتهدّل أكثر من مرّة  كي يأتي متناسقاً منسجماً، قبل أن تطلق السهام المشرقطة، وتعلن بأن أسماء أدخلت على لوائح الشطب في أحد أقلام الإقتراع، وقد كتبت بخط اليد!… وللحال إنتفض فريق العمل اللوجستي المكوّن من إختصاصييّن ينتمون الى وزارتي الداخليّة، والخارجيّة والمغتربين، وأجرى أحدهم إتصالا مباشرا مع رئيس المركز المعني مباشرة، للتأكد من صحة الإتهام، وكان نفي بالصوت والصورة، والكلمة المأثورة، وتبيّن أن لا صحة لكل هذه الإدعاءات، والذي جرى أن أحد مندوبي الأحزاب داخل القاعة قد أخذ القلم، وأضاف إسمين الى قائمة المندوبين ليحلاّ مكانه في مراقبة ومتابعة عمليّة الإقتراع، وبعد التأكد من صحّة ما جرى، خرج الأمين العام لوزارة الخارجيّة والمغتربين السفير هاني شميطلي ليكذّب أمام وسائل الإعلام ما أفاضت به السيدة الفاضلة من إتهام. عندها خرجت هي بدورها لتوضح وتعتذر…

طبعا لسنا في جمهورية أفلاطون، وأيضا لسنا من جماعة التبخير، ولا من روّاد التشهير، هناك عيوب، قد رافقت العمليّة بمراحلها الأولى والثانية، إن على مستوى الدول العربيّة، أو على مستوى 34 دولة في العالم. هناك نواقص، هناك عيوب، وربما تجاوزات قد حصلت، ولكن هناك حدث  ديموقراطيّ قد فرض نفسه، وأصبح حقيقة قائمة، وهذا وحده كاف ليستحق كل عناية من الآن فصاعدا، لتطويره، وتحديثه، وتنزيهه من الشوائب، والتفاعل مع الطاقات الإغترابيّة، أنّ وجدت، وفي أي بقعة من العالم، نظرا للفوائد والمردودات الإيجابية على وطن يعاني، ومحاصر بتحديات مصيريّة ربما فرضها الربيع العربي، وما أفاض به من إرهاب، ومنظمات إرهابيّة، وخلايا ناشطة، وأخرى نائمة، ومساحات، ومحطات في الجرود، والقرى والبلدات المجاورة، حيث إقيمت شبكات، وتنظيمات، وإستحدثت طرقات وشبكات، وحصلت إستثمارات، وتكوّنت ثروات قبل أن يطبق الجيش على الأنفاق والأعناق ويقطع حبل السرّة، ويتمكّن بفضل دماء أبطاله الأبرار من إبزاغ "فجر الجرود".

لا يمكن إختصار الحدث بشحطة قلم، ولا بكرنفال إعلامي في بهو وزارة الخارجيّة والمغتربين تتآلب على تلميع جاذبيته الفضائيات المحليّة والعربيّة. الحقيقة أبعد وأشمل، ولبنان اليوم مصلوب على خشبة بين لصيّن محترفين، لصّ على اليمين إبتدع لنفسه إسما مموّها "التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب" يريد تصفية القضيّة السوريّة على حساب لبنان من خلال العمل على دمج المجتمع النازح بالمجتمع المقيم، والدليل أن يهوذا الإسخريوطي كان حاضراً  في كواليس مؤتمر بروكسل الأخير، وقررّ أن يبيع لبنان بثلاثين من الفضّة، وعلى قاعدة "لا مال، ولا مساعدات، إلاّ مقابل التوطين"!. وكان البيان الذي صدر في ختام المؤتمر، والمذيّل بتوقيع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، والمفوضيّة العامة للإتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني، خير دليل نظراً لما ورد فيه من مطالب وتوجهات تشكل وحدها خريطة طريق للقضاء نهائيّاً على لبنان الوطن، والكيان، وتحويله الى مخيم كبير كما أعلن رئيس الحكومة سعد الحريري أمام المؤتمرين.

أما اللص الثاني الماثل على اليسار، والمكنّى بـ"المجموعة الدوليّة لدعم لبنان"، فقد نالت من الأوصاف والألقاب ما يفيض ويزيد، إلاّ الدعم. دعم ماذا؟ سوى المشاريع المشبوهة، والمفخخة بألف لغم ولغم، كي تنفجر في التوقيت المناسب لتشظّي لبنان كل لبنان. والسيناريوهات التقسيميّة التفتيتيّة التي تحظى بعناية ودراية دول شقيقة وصديقة  من أمثال فرنسا، الى إلمانيا، وبريطانيا، مروراً بالولايات المتحدة، ووصولا الى دول خليجيّة متمكّنة، وتراعي بالدرجة الأولى، مصالح إسرائيل الأمنية، والسياسيّة، والإقتصاديّة، على حساب أصحاب الحقوق، ومالكي الصكوك، وصانعي حقائق التاريخ والجغرافيا في هذه البقعة من العالم.

أمام هذا الواقع الذي يحاكي المستقبل والمصير بأسئلة وجوديّة خطيرة، يبزغ بريق أمل من كوّة الإغتراب، هذا الإنتشار اللامتناهي في رياح الأرض الأربع، يختزن الكثير من الطاقات والإمكانات. كثيرون من المتحدرين تربعوا  على  قمم القرار والسلطة في دولهم. كثيرون تربعوا على قمم الإقتصاد في عالم المال والأعمال. كثيرون حفروا أسماءهم بحروف من ذهب في عالم الطب، والهندسة، والمحامات. كثيرون تألقوا نجوماً في عالم الإختراع، والتقنيات الحديثة. لم يخترع جبران باسيل البارود، لكنه إخترع دينامية التواصل والتفاعل بين لبنان المقيم ولبنان المنتشر. أرسى صيغة التعاطي، لتحفيز الطاقات والإمكانات، لتكثيف أجواء التلاقي، والتخاطب، والتفاهم والتفاعل. لا يكفي القول بأن لبنان إنما يحلّق بجناحيه المقيم والمنتشر. كان هذا مجرّد أمنية قبل 27 نيسان 2018، وأصبح بعد هذا التاريخ حقيقة قائمة.

جبران هذا الزمان، قد لا يكون فيلسوفاً، لكّنه بالتأكيد "سوبرمان". شهد إقتراع أول مغترب في عاصمة دولة خليجيّة على الشاشة، إنفرجت أساريره، صفّق، وغادر ليمارس رياضة الصباح، وبعد نيف وساعة عاد الى مكتبه المكتظ، وهو لا يزال في ثياب "السبور"، أخذ ماكينة الحلاقة الكهربائية، وراح يحلق ذقنه وهو يتحدّث مع معاونيه، ويردّ على سماعة الهاتف، ويعالج مطالب الوافدين. خليّة عمل يختزنها شخص فرد إسمه جبران باسيل. بعد ساعة بالتمام والكمال خرج بأناقته من مكتبه الى القاعة الكبرى ليتفقد سير العمليّة الإنتخابيّة، ويكمل المشوار!.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.