شد عصب و"محظورات مباحة": ماذا بعد 6 أيار؟

جوزف قصيفي ـ 

على مرمى أيام من الاستحقاق الانتخابي في السادس من أيار، "تجوجل" الماكينات العائدة للمرشحين نتائج التحرك الذي قامت به منذ تحديد موعد الانتخابات، وتقوّم محصلتها، وتحاول استخراج خلاصات، من دون أن تكون صائبة بالضرورة. فهذا الاستحقاق شهد حروباً سياسية، مكشوفة ومستترة، بين الافرقاء المتنازعين والمتحالفين على حد سواء. ما من غسيل وسخ الا نشر على حبال وسائل الاعلام عموماً، ووسائط التواصل الاجتماعي خصوصاً. وما من ملفات حقيقية أو مفبركة الا فتحت. وما من مال انتخابي الا أنفق بأشكال شتى "عداً ونقداً" على عينك يا تاجر، أو خدمات مشروطة بصوت تفضيلي. استحقاق استبيحت فيه المحرمات الاخلاقية والقانونية، واستخدم فيه الشحن المذهبي والطائفي والمناطقي من دون روادع وضوابط.

والسؤال: كيف سيتلاقى المتنافسون الذين انتقلوا في الفترة الفاصلة عن موعد الانتخابات، بعدما شهروا في وجوه بعضهم البعض السكاكين الطويلة المسننة.

الثنائي الشيعي، ولاسيما "حزب الله"، شد عصب جمهوره. كذلك الرئيس سعد الحريري الذي أعلن حرباً مفتوحة على اخصامه في طرابلس، البقاع الغربي، صيدا، مرجعيون – حاصبيا، دائرة بيروت الثانية، واقليم الخروب، عاملاً على استعادة ألق "التيار الأزرق". وهؤلاء ردوا على التحية بالمثل ولم يقصروا. و"التيار الوطني الحر" أيضاً "يطحش" بكل الطرق للاحتفاظ بالريادة في الوسط المسيحي، فيما اخصامه يعتمدون كل اساليب الهجوم والاستهداف القاسي للدفاع عن مواقفهم. وإذا كان التيار يرفع شعار "لبنان القوي"، فإن "القوات اللبنانية" تنبه الناخبين انه "صار بدا"، فيما "الكتائب" تستغيث بالـ"نبض" وتسقطه على المناطق التي تخوض فيها الانتخابات، ويعد "تيار المردة" بـ"بكرا". ولكن بين صراع هذه القوى تبقى حقيقة واحدة، وهي ان الشارع المسيحي، هو أكثر انقساماً من ذي قبل، لأن استحقاق العام 2018 سيكون "بروفا" لانتخابات الرئاسة الاولى في العام 2022. والمفارقة ان كل طرف من هؤلاء يغني على ليلاه "سولو"، وحساباته تتخطى الاستحقاق النيابي الى ما هو أبعد. لكن "كل شي بحسابو، العدس بترابو". على أن مفاعيل "اتفاق معراب" لا تزال قائمة على الارض، ومرت الانتخابات دون حادث يذكر بين محازبي طرفي الاتفاق: "التيار" و"القوات".

ماذا بعد الاستحقاق؟

بعد الاستحقاق سيتعين على الحكومة تقديم استقالتها بموجب الدستور، وستبدأ مفاوضات شاقة لتسمية رئيس الحكومة، لكن أحداً لن ينافس الرئيس الحريري، الصعوبة الاكبر تتمثل في تشكيل الوزارة الجديدة وتوزيع الحقائب، فيما يبدو انها مواجهة مفتوحة بين "التيار الوطني الحر" و"حركة أمل" التي ستكون مدعومة من "تيار المردة" ومن قوى اخرى في قوى "8 آذار"، وستكون وزارتا المال والاشغال محور الاشتباك المفترض.

المواجهة قاسية ولا تخلو من مكاسرة واصطفاف. وهذا ما سيعيق ولادة الحكومة العتيدة، ما سيحتم تدخلاً حاسماً من "حزب الله" الذي اعتاد أن يقوم بدور "الإطفائي" عندم تشب النار بين حلفائه. ولن يقتصر تدخل الحزب على تسهيل تأليف الحكومة وازالة العوائق من طريقها، بل إنه حريص أشد الحرص على ارساء قواعد جديدة لعلاقة مستقرة وودية دائمة حول مشتركات جامعة بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس المجلس النيابي نبيه بري، لأن الاستحقاقات المقبلة والداهمة تحتم تعاوناً بين "بعبدا" و"عين التينة"، كما بين "بعبدا" و"بيت الوسط"، لأن الأخطار جمة وهي:

* احتمال نشوب حرب اقليمية لن يكون لبنان في منأى عنها إذا لم يتحصن بوحدة صف داخلي.

* مواجهة الضغط الدولي والاسرائيلي في شأن الملف النفطي و"البلوكات" المتنازع عليها وترسيم الخط الأزرق.

* موضوع النازحين السوريين والحد من تداعياته السلبية التي تطاول لبنان ديموغرافياً، أمنياً، اقتصادياً، واجتماعياً. ومقاومة الضغط الخارجي الهادف الى توطينه.

* التصدي لأزمة الكهرباء بحل جذري لها.

* الاصلاح المالي والضريبي.

* مكافحة الفساد ووقف الهدر.

* التنمية الاقتصادية وإعادة الحياة الى القطاعات الانتاجية، ولاسيما الزراعية والصناعية.

* اعتماد سياسة صحية واجتماعية تعزز دور الدولة الراعية.

إن تعاون كل من رئيس الجمهورية ورئيسي المجلس النيابي والحكومة أكثر من ضروري، لأن لبنان مقبل على تسييل نتائج مؤتمر "سيدر" والبدء بتطبيقها وفق اعلى معايير الشفافية. وان هناك شعرة دقيقة بين تصنيف لبنان كدولة قادرة على النهوض، او اعتباره دولة فاشلة. هنا التحدي. وإذا لم يتضامن أركان السلطة في جبه الاخطار الآنفة الذكر، فإن السقوط لن يطاولهم وحدهم فحسب، بل الطبقة السياسية برمتها. من هنا، فان التعاون المنشود هو قدر الفرقاء جميعاً، وهو ما تفرضه الطبيعة المركبة للنظام السياسي في لبنان.

إن الانتخابات النيابية على الرغم ما شابها من هنّات هيّنات وغير هينات، يسجل لها أنها أفسحت للمرة الاولى منذ اعلان دولة لبنان الكبير المجال أمام المنتشرين للاقتراع حيثما هم، وانها اعتمدت النسبية. تجربة جديدة لم يألفها اللبنانيون من قبل لكنها واعدة، وذلك من دون اغفال وجود اتجاه كبير سيبرز بعد السادس من ايار لتعديل قانون الانتخاب بعد اختباره وتبيّن شوائبه.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.