انتصار "الكانتونات" في "ربيعنا الانتخابي"

نورما أبو زيد ـ 

لا حاجة بنا لأن ننتظر النتيجة التي ستسفر عنها نتيجة الانتخابات بعد أن تُفرج صناديق الاقتراع عن محتواها.

"ملبننو" القانون النسبي بالصوت التفضيلي "المذهّب" بذهب المَذْهَب، حادوا عن "القانون الأرثوذكسي" الذي أعلن صراحة انتخاب كلّ طائفة لـ "أجلائها" وكلّ مذهب لـ "محترميه"، ولكن "حيادهم" جاء على "الطريقة الحمصية". هناك مثل سوري شهير يقول "إذا سألت الحمصي عن أذنه اليسرى، يؤشّر لك عليها بيدها اليمنى، بعد التفافة طويلة من خلف الرأس".

بحكم الجيرة، ارتأى واضعو القانون الانتخابي الجديد، اعتماد "الطريقة الحمصية" في "الالتفاف" على القانون النسبي، لاعتماد "القانون الأرثوذكسي". "لفّوا وداروا" ليخرجوا بتخريجة لـ "القانون الأرثوذكسي" أطلقوا عليها اسم "الصوت التفضيلي". وفق الصوت التفضيلي، يُفضّل أن تعطي كلّ طائفة أصواتها لابن الطائفة. أساساً، الصوت التفضيلي مفصّل لكي تعطي كلّ طائفة أصواتها لابن الطائفة. هناك دوائر لا يحصل فيها المسيحي على صوت مسلم واحد، وهناك دوائر لا يحصل فيها المسلم على صوت مسيحي واحد. وهناك دوائر لا يحصل فيها الشيعي على صوت السني، ولا الماروني على صوت الكاثوليكي.. كلّ مذهب يفضّل "الأعطل" لديه بصوته التفضيلي. "كانتونات" طائفية ومذهبية في "الوطن الرسالة". استطعنا أن نغشّ البابا يوحنا بولس الثاني بهذه "الرسالة"، وردّدنا خلفه ببغائياً مقولة "الوطن الرسالة"، دون أن ندرك محتوى الرسالة. إنّها رسالة الفصل. الفصل على أساس حزبي وطائفي ومذهبي وعائلي وعشائري وملّي.. ولكن كي لا ننظر إلى القسم الفارغ من الكوب بتشاؤم، فلننظر إلى القسم الملآن من الكوب بتفاؤل.

الطائفية باقية فينا بقاء لبنان، وأرخص ما في الكيان وطنية أهله. الميثاق الوطني ادّعى الوطنية عبر حفاظه على الكيان بلاءين: لا للغرب ولا للشرق، ومع ذلك كنّا عبارة عن "كانتونين".

نستطيع أن نطرب بموال الوطنية في بعض المناسبات السنوية، ولكن الواقع هو أنّنا استدعينا جيوش العالم للمشاركة في حروبنا الطائفية. كلّ طائفة من طوائف لبنان مدّت يدها، متسوّلة دعماً من خارج الحدود. استدعينا سوريا، فلبّت. واستدعينا إسرائيل، فكلّمت. واستدعينا أميركا، فحضرت. واستنهضنا الفلسطينيين، فنهضوا.. إلى أن اجتمعنا مسيحيين ومسلمين تحت سقف "الطائف" مكرهين.

"مصدّقو" الطائف، ادّعوا بدورهم الوطنية، عبر إلغائهم لـ "لاءي" الكيان، ولكن الكيان بقي كيانين، وتفرّعت عنهما في ما بعد كيانات كثيرة، والخطابات السياسية المدججة بالذخيرة الطائفية، ولبنانيتنا "الواقفة على سلاحها"، تبقى شاهدة دائماً على "أناقتنا" الوطنية.

مؤخراً تصارحنا، وقلنا ما لنا وللغة الوحدة الوطنية التي لا تشبهنا ولا نشبهها. قرّرنا أن نتكلّم لغتنا مجدداً عبر القانون الانتخابي الجديد، وأثبتنا أنّ ميولنا الطائفية أصيلة لا تتغيّر ولا تتبدّل مهما تعطّل لساننا عن التعبير.

انتماءاتنا الخارجية عابرة للحدود والمحاور والقارات، أما انتماءاتنا اللبنانية فلا تعبر إلى حدود دولة. نعشق الدويلات. بعضنا نجح في بناء دويلته التي باتت أكبر من كلّ دول المحيط، وبعضنا يثابر على بنائها خوفاً من ابتلاع المحيط له، وبعضنا الآخر يسعى لبنائها تماهياً مع المحيط.

قبل الحرب، وحدهم المسيحيون كانوا منتشرين على رقعة الجغرافيا اللبنانية، وانتشارهم كان يعبّر إلى حدّ معيّن عن لبنان الواحد، ولكن الحرب جمّعتهم على رقعة من هذا الوطن، ومزّقت نسيج الرقعة اللبنانية الوحدوي. الحروب الطائفية التي خضناها طلباً لإلغاء بعضنا، حوّلت البلد إلى مجموعة "كانتونات" طائفية، وجميعنا نريد أن نترسّخ في "كانتوناتنا" هذه، ولكننا اعتمدنا هذه المرة "تأدباً" سلاح "الصوت التفضيلي"، الذي لا يقلّ ضرراً عن السلاح الذي استخدمناه في حروبنا العسكرية.

قبل "الكانتونات" التي ارتسمت على الخرائط كما هي مرسومة في النفوس، وتنتظر ترجمة لها في النصوص، لم يكن لبنان نموذجاً حضارياً. كان نموذجاً أكثر تحضراً من النموذج الحالي، ولكنه لم يرق يوماً إلى مستوى دولة جامعة لجميع أبنائها. كان لبنان مزرعة، وهذه المزرعة دفعت عبد الحميد كرامي، ثالث رئيس حكومة للبنان، لأن يدعو بشارة الخوري لتفكيكها وإقامة دولة. ولكن لبنان الذي كان مزرعة أصبح مجموعة مزارع لا يستطيع أحداً تفكيكها وإقامة دولة. لقد ولّى زمن اجتراح المعجزات المتصلة بالدولة الواحدة القوية، وعلى اللاطائفيين ألاّ يطمحوا كثيراً بعد "6 أيار"، ونصيحة لهم أن يتمرنوا على سياسة اليتم، لأنهم سيتحوّلون في 7 أيار إلى يتامى بين جموع تنشد "الكانتون" وطناً لها وترفع علم الطائفة والحزب.

كان البعض ينتظر "ربيع الانتخابات"، فباغته "ربيع الكانتونات"، لذا أهلاً ومرحباً بـ "ديمقراطية الكانتونات".

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.