"الطابور العاشر"

خضر طالب ـ 

خلال الحرب الأهلية في اسبانيا في العام 1938، كان "الطابور الخامس" هو "الفرقة السرّية" التي تشارك في الحرب خلف الخطوط. صار هذا التعبير بعد ذلك يطلق على "فرقة الجواسيس" التي تخوض حرباً داخل "مجتمع العدو"، إما من خلال الأعمال العسكرية أو من خلال بثّ الشائعات التي تضعف معنويات الجبهة.

لكن "الطابور الخامس" كان يتغيّر شكله وأدواته وصيغة عمله وطبيعتها مع التطوّر الحضاري.

لعب "الدكتيلو" دوراً في مرحلة سابقة، في إطار "الطابور الخامس"، لكنه لم يعد ينفع في تعميم تصاريح السياسيين ولا في "فبركة الأخبار".

لم تعد الشائعات تنتقل عبر الهمس خوفاً من الجدران التي قد تكون لها آذان، فانهار جدار "الطابور الخامس"..

انتهى عصر "الطابور الخامس" ليبدأ تعداد "الطوابير".

لم تعد الصحيفة وسيلة إعلام يتسابق الناس لحجز نسخة منها قبل نفادها، وتساهم في نقل الخبر الصحيح أو المفتعل، فشكّلت بعض الصحف نموذجاً آخر من "الطابور السادس".

انتهى عصر الراديو إلا من أجل أغنية في السيارة تخفّف ضغط عجقة السير. ولم تعد الإذاعة التي تنتمي إلى هذا الحزب أو ذاك تستطيع ترويج خبر أو خبرية، فانتهى دورها كـ"طابور سابع" عبر الأثير.

ضعف دور التلفزيون في نقل الصورة والحدث مباشرة، ولم تعد صيغة النقل تؤثر في تكوين الرأي العام، ولا في ترويج فكرة أو مشهد يؤثر في الناس، فبهتت صورة "الطابور الثامن".

تراجعت أهمية الخبر العاجل من المواقع الالكترونية بسبب المنافسة بينها على تصنيف "الخبر العاجل". وصارت بعض هذه المواقع تتسابق على لعب دور "الطابور التاسع" سعياً إلى مكاسب مادية، أو خدمة لأهداف سياسية.

إنه عصر التكنولوجيا الذي أسقط كل وسائل الدعاية والإعلام التي مرّت في تاريخ البشرية.

لقد بدأ عصر "الطابور العاشر". لم يعد هناك خبر جديد، ولا معلومة سرّية، ولا صورة حديثة، ولا نقل مباشر للحدث يستوجب معدّات وآليات معقّدة.

ببساطة شديدة جداً.. الهاتف صار يجمع كل تلك "الطوابير" والأخبار والمعلومات والصور والنقل المباشر، من دون الحاجة إلى سيارة النقل المباشر، ومن دون حاجة الناس للجلوس أمام شاشات التلفزيون.

لكن الانتخابات في لبنان، "فضحت" هذا "الطابور" سريعاً بسبب كثافة "نشاطه" العلني الفاقع في التأليف والصياغة والرواية الركيكة.

لقد انهارت منظومة الدعاية والإعلام المحمولة في الهواتف في ما يسمّى "سوشيل ميديا". سقط "الفايسبوك"، وانهار "الواتس آب"، ولم يستطع "تويتر" إثبات نفسه.

كل القيم في لبنان انهارت في هذه الانتخابات… وأيضاً كل الطوابير.

ماذا سيكون بعد وفاة "الطابور العاشر"؟

فلننتظر في الطابور.. لنرى.

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.