هكذا "حُشرت" الصيفي في "جيب" معراب

 نورما أبو زيد ـ

أكل حوت "أودونتوسيتي" أسماك "14 آذار" في الانتخابات النيابية، وحزب "#الكتائب" ابتلعه بحر معراب.. هكذا يصف أحد قياديي "8 آذار" المشهد "الآذاري" بعد الانتخابات النيابية، التي يرى أنّ "#القوات_اللبنانية" أكلت فيها من صحون كلّ أحزاب ومستقلّي "14 آذار"، دون أن تطعم أحداً من صحنها لقمة واحدة.

يعتبر القيادي أنّ "القوات" اصطادت كلّ الآخرين سمكاً في الانتخابات، ورمتهم حسكاً بعد الانتخابات، ومن ثمّ أعلنت أنّ ما امتلأ به بطنها هو من مطبخها.

صورة سمير جعجع المنتفخ من التخمة النيابية التي يرسمها المرجع "الآذاري" ليست غريبة عن الواقع الذي ارتسم بعد الانتخابات النيابية. حزب "القوات اللبنانية" تفرّع إلى مناطق لم يكن ممثلاً فيها و"تفرعن"، وسائر أحزاب "14 آذار" المسيحية انقرضت بعدما ابتلعها الحوت "القواتي"، والمستقلون اندثروا بفعل حالة البلع ذاتها، أمّا حزب "الكتائب اللبنانية" فغرق في بحر معراب.

نجح #سامي_الجميل في المتن حيث عمق العائلة "الكتائبية" لأنّه رئيس حزب "الله ـ الوطن ـ العائلة"، ونجح ابن عمه نديم في الأشرفية لأنّه ابن البشير، وحاز الياس حنكش على أحد مقاعد المتن المارونية، ولكن فوزه كان "فلتة شوط"، أمّا سائر المرشحين "الكتائبيين" الجديين، فلم يتمكّنوا من ضبط ساعاتهم على مواقيت الانتخابات لأكثر من سبب.

تراجُع كتلة "الكتائب" من 5 نواب إلى 3 كان أمراً متوقعاً قبل الانتخابات. غياب التحالفات رسم نتيجة الانتخابات قبل حدوثها، ومع ذلك خرج الحزب من الانتخابات مثخناً بجراح النتائج الهزيلة. الحزب الذي كان من فئة الأسماك المتوسطة، بات في عداد سمك "السردين"، وبات خاضعاً لشريعة البحار حيث السمك الكبير يأكل السمك الصغير. تراجعت كتلة "الكتائب" عددياً، فيما تقدّمت كتلة "القوات" عددياً وبفارق كبير. تقلّص نواب "الكتائب" إلى النصف تقريباً، فيما تضاعف عدد نواب "القوات".

في النشأة والتنشئة "الآذارية"، الحزبان متشابهان. لا يقفان على طرفي نقيض كـ "القوات" و"التيار الوطني الحرّ". الحزبان يشربان من البحر ذاته، ومع ذلك لم يحصدا النتائج نفسها لناحية التقدّم نحو الأمام، علماً أنّ استثمار الشيخ سامي الجميل في المعارضة كان يجب أن يفضي إلى نتائج إيجابية في الانتخابات النيابية، في ظلّ حالة الاهتراء المؤسساتية التي يمرّ بها البلد، الأمر الذي يولّد سؤالاً بديهياً: هل أصبحت المعارضة رهاناً خاسراً ولماذا؟

لم يرفع حزب "الكتائب" شعار "نبض 2018" في انتخابات 2018 النيابية من لا شيء، وبمعنى آخر لم يرفع الحزب هذا الشعار من فراغ. فالشيخ الشاب أخرج نفسه طوعاً من صفوف السلطة قبل مدّة، والتزم صفوف المعارضة، محيّداً نفسه عن منظومة الفساد الحاكمة، وأبدع في التعبير عن نبض الناس. كلّ الحملات التي هاجم فيها سامي الجميل السلطة، كانت مقرونة بدراسات مفصّلة وأرقام محدّدة. استثمر بشكل صحيح في أخطاء السلطة وارتكاباتها، ولذلك كثر رأوا في نهجه "فشّة خلق". حتى رئيس المجلس النيابي نبيه بري، كان يعطيه الكلام بسرور تحت قبة البرلمان. ولكن رغم حجم التجاوب الشعبي مع حملات سامي "المدروسة" و"المدوزنة"، إلا أن نتيجة الانتخابات أظهرت كما لو أنّ خياراته غير قابلة للصرف شعبياً. فأين اختفى نبض الناس الذي عبّر عنه سامي منذ التحاقه بصفوف المعارضة؟

يقول مصدر "كتائبي" من الحلقة القريبة المحيطة بسامي، إنّ المشكلة لا تكمن في سوء الخيارات السياسية لرئيس الحزب كما يحلو للبعض أن يصوّر الأمر، ويعتبر أنّ الخسارة التي مني بها الحزب في الانتخابات النيابية تعود إلى مجموعة عوامل متداخلة ومتشابكة، لا تمت بصلة إلى نبض الشارع الذي يمثّله سامي الجميل حتماً بحسب رأيه.

يعدّد المصدر "الكتائبي" مجموعة من العوامل التي منعت الحزب من تقريش أصوات "الكتائبيين" وغيرهم من المؤيدين في الصناديق الانتخابية، ويبدأ بالتعداد من "المجتمع المدني" الذي برأيه قاطع الانتخابات بعدما قطع الأمل بالتغيير. يقول المصدر: صحيح أنّ خطاب الشيخ سامي يحاكي مجموعات كبيرة من الحزبيين "الكتائبيين" وغير "الكتائبيين"، ولكنه يحاكي بشكل أساسي الشريحة التي لا تنتمي إلى أحزاب، وهذه الشريحة امتنعت عن التصويت، والدليل هو نسبة المشاركة المتدنية في الانتخابات على مستوى لبنان.

يؤكّد المسؤول "الكتائبي" على أنّ حزبه احتكر النزاهة والشفافية في الآونة الأخيرة بالفعل لا بالقول فقط كما تفعل أحزاب أخرى، ونبض الناس حاكى هذا النبض "الكتائبي"، ولكنه لم يترجم في صناديق الاقتراع لأنّ الغالبية الساحقة كانت على قناعة بأنّ القانون الانتخابي مفصّل سلفاً على مقاسات محدّدة. يقول المصدر "الكتائبي" إنّ "حزب الله" لعب دور الخياط، وفصّل لكلّ حزب بدلة على المقاس الذي يرغب فيه هو لا على مقاس الأحزاب الحقيقي، وعليه منهم من أتت بدلته الجديدة "مزمركة" عليه، ومنهم من كانت "مبهبطة" عليه، وحزب "الكتائب" هو من ضمن الذين فُصّلت لهم بدلة "مزمركة".

لا يحصر المسؤول "الكتائبي" المشكلة بالمقص الذي فصّل القانون الانتخابي، ويذهب إلى قُطَب القانون غير القانونية التي تمثّلت بالصوت التفضيلي، ليستنتج بأنّ السياسات المتعاقبة وحالة الاهتراء المتواصلة أفسدتا الشعب اللبناني، والقانون الانتخابي الذي سُمّي "نسبي" غذّى هذه النزعة نحو الفساد، وقد ترجمت الأحزاب إفسادها إمّا عبر دفع الأموال لشراء الصوت التفضيلي، أو عبر تقديم خدمات، وفي الحالتين حزب "الكتائب" كان مغيّباً. يشرح المصدر أنّ "طوباوية" الشيخ سامي أبعدته عن "ثقافة" شراء الأصوات، كما وأنّ حضور "القوات" و"التيار الوطني الحرّ" الفاعل في الحكومة عبر عدد من الوزراء، سمح لهما بتقريش الخدمات التي قدّماها للمواطنين على نفقة الدولة اللبنانية إلى أصوات انتخابية في صناديق الاقتراع.

في لائحة "المسبّبات" التي تطول على مقلبي تقلّص "الكتائب" وتمدّد "القوات"، حصلت معراب ـ بحسب المسؤول "الكتائبي" ـ على "قبّة باط" من "حزب الله" في أكثر من دائرة انتخابية لأكثر من سبب. في "قبّة الباط" هذه لا يغوص كثيراً، ولكنّه يقدّم دائرتي بعبدا وبعلبك ـ الهرمل كمثالين فاقعين. يشرح أنّه في الأولى كان بمقدور "حزب الله" بالتعاون مع حلفائه التقليديين أن يحصل على مقاعد الدائرة الست لو سلك مسار فصل المسارات مع "حركة أمل"، ولكنّه أصرّ على "وحدة الحال" مع علمه المسبق بخسارة أحد المقاعد المارونية الثلاثة لصالح "القوات". وما جرى في بعبدا، جرى في بعلبك ـ الهرمل، حيث أحجم "الثنائي الشيعي" عمداً عن منح أصواته للنائب السابق إميل رحمة بالحجم المطلوب، الأمر الذي أهّل مرشّح "القوات" الدكتور أنطوان حبشي للفوز، أضف إلى أنّ حارة حريك زرعت في لوائح معراب نواباً يحملون صفة "صديق القوات"، وبمقدورها بكبسة زر أن تنقلهم من كتلة "القوات" إلى كتلة أخرى.

يؤكد المصدر "الكتائبي" أنّ حارة حريك منحت معراب طوعاً عدداً من المقاعد في أكثر من دائرة لغاية في نفس يعقوب، ولكنه يعتبر أيضاً أنّ عدداً من مقاعد "القوات" يعود الفضل فيه لـ "الكتائب". يشرح أن معراب مدّت يدها إلى جيب "الكتائب" في أكثر من دائرة بعلم الصيفي، لأنّ التقاء مرشحي الصيفي ومعراب على لوائح واحدة في عدد من الدوائر، أمّن حواصل انتخابية لـ "القوات" لم تكن لتؤمّنها لولا خوضها المعركة على لائحة واحدة مع "الكتائب"، وهذا الأمر أهّل معراب للفوز بعدد من المقاعد في عدد من الدوائر. وعليه، يعتبر أنّه إذا كان حزب "الكتائب" يتحمّل مسؤولية ما في هذه الانتخابات، فمسؤوليته الوحيدة هي عن سياسته "الرفضية" للتحالفات السياسية، سواء مع الأحزاب المسيحية، أو الأحزاب غير المسيحية، و"حشر" نفسه في تحالفات جزئية مع "القوات اللبنانية" على مستوى بعض الدوائر، بحيث أتاحت هذه "الحشرة" لـ "القوات" مدّ يدها إلى جيب "الكتائب"، وانتزاع أصوات منها بشكل مجاني، وبعد فوزها بعدد من المقاعد بفضل سياسة "مدّ اليدّ"، وضعت "الكتائب" في جيبها الصغير.

لا يكتفي المصدر "الكتائبي" بالعموميات لدى حديثه عن عدد المقاعد التي حصلت عليها القوات بفضل أصوات "الكتائب"، وإنّما يعدّد الدوائر التي أمّنت فيها "الكتائب" لـ "القوات" فوزاً مثل زحلة والشمال الثالثة بالرغم من علمها المسبق أن لا إمكانية لها بالفوز في هاتين الدائرتين، بينما أحجمت عن التحالف مع "القوات" في الدوائر التي كان فيها الفوز متاحاً مثل كسروان ـ جبيل وبعبدا والمتن، وهذا برأيه يعود إلى تفوّق جعجع عليهم بالتكتيك، لأنّه سعى منذ بداية المشوار الانتخابي إلى حبك تحالفات مع أوسع عدد من الأحزاب والمستقلين، بينما حصرت الصيفي نفسها بـ "المجتمع المدني" وحاربت كلّ الآخرين، وذهبت في اللحظات الأخيرة، وعلى مضض، إلى فكرة التحالف مع "القوات" وعلى مستوى بعض الدوائر فقط.

بناءً على ما تقدّم، السؤال البديهي والتلقائي الذي يطرحه أيّ مراقب هو: بماذا خرجت جلسات جلد الذات الداخلية؟

يقول مسؤول "كتائبي" إنّ خلوة الصيفي التي انتهت يوم الثلاثاء الفائت، تعاطت مع نتائج الانتخابات النيابية على أنّها أمر واقع. تخطّت الانتخابات التي أصبحت من الماضي، بعد دراسة متأنية تحت عنوان "أين أخطأت الكتائب وأين أصابت في أدائها خلال المرحلة الفائتة"، وركّزت على ورشة عمل مستقبلية تبدأ من الآن، هدفها إعادة الربط بين القمة والقواعد، وشدّ العصب التنظيمي، مع الحفاظ على ثوابت المرحلة الفائتة، لناحية تعاطي الحزب بشفافية مع الملفات الحياتية والاقتصادية. وعليه يقول إنّ مشاركة حزب "الكتائب" في الحكومة المقبلة ليست أمراً مؤكداً، والقرار لم يتّخذ سلفاً بالمشاركة أو بعدمها، والحافز الذي قد يدفع "الكتائب" للمشاركة بالحكومة المقبلة لا علاقة له بنوعية الحقيبة التي قد تسند لها، إنّما بنوعية المناخات السياسية في البلد، ويعتبر ربطاً، أنّه في حال ستحمل الحكومة العتيدة طروحات جدية للوضع الاقتصادي المهترئ، وفي حال أبدى القيّمون على تشكيلها حرصاً بالابتعاد عن مناخ النكايات الذي كان سائداً خلال الفترة الماضية، يكون حزب "الكتائب" جزءاً من التشكيلة الحكومية المقبلة، وإلاّ يبقى الشيخ سامي الجميل المعارض الوحيد ضمن شبكة أحزاب السلطة.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.