"بانوراما" القوى المسيحية: أي مستقبل للأحزاب؟

جوزف قصيفي ـ 

في احدى الرسائل التي كان يتبادلها سمير جعجع، وهو بعد على مقاعد الدراسة الثانوية، مع نسيبه كابي جعجع الذي كان يدرس في الخارج، لم يخف اعجابه بشخصية الرئيس المؤسس لـ"حزب الكتائب اللبنانية" الشيخ بيار الجميل، وقدراته التنظيمية، وموهبته القيادية، وروح المبادرة لديه، ونجاحه في بناء تنظيم حديدي متماسك، يحمل عقيدة لبنانية صافية، تقوم على فكرة لبنان الوطن ـ الدولة l'état-nation، التي تحتضن مجتمعاً كثارياً (pluraliste)، يجمع بين مفهومي السيادة المطلقة والتعايش، في اطار وحدة قومية لبنانية تقوم على المشتركات بين مكونات هذاا المجتمع الثقافية والطوائفية. وكان يتمنى لو يكون على مثاله، ان قدر له ان يكون له دور وموقع في الحياة الوطنية والسياسية يوما. وذلك على الرغم من اعجابه الشديد بالرئيس كميل شمعون وبراغماتيته وحنكته وجاذبيته.

وكان واضحا أن انجذابه الى "الكتائب" كان بسبب تنظيمها الدقيق الذي الذي زاوج بين مركزية القيادة ولامركزية الانتشار الحزبي، حيث كانت الاقسام والاقاليم الكتائبية تغطي جغرافية لبنان.

توالت الايام والاحداث، وشاءت الصدف ان يتدرج جعجع في المسؤوليات الحزبية، وهو بعد لم ينجز دراسة الطب في الجامعة الاميركية في بيروت، عندما اختطفته حرب السنتين من مقاعد الدراسة الى ساحات القتال والمواجهة، وكان ما كان من أمر التطورات التي حملته الى الموقع الذي يشغل،  بعد أحوال متقلبة سادها الكثير من المد والجزر. وبطبيعة الامر لا يمكن التوقف تفصيلا عند هذه الاحوال، نظراً لتشعبها، وتعدد التفسيرات في شأنها. لكن لا بد من الاشارة  الى ان جعجع وقف تماماً على اسباب تقدم "حزب الكتائب" وتراجعه، وحاول الافادة من ايجابيات تلك المرحلة التي عايشها عن كثب ومن قرب، بوصفه قيادياً عسكرياً، ومن ثم سياسياً – عسكرياً على رأس "القوات اللبنانية" التي هي اصلاً "المولود الشرعي" لـ"الكتائب".

حاول في البداية خلافة بيار الجميل على رئاسة الحزب في العام ١٩٩٢، والافادة من النحاح الذي حققه في مواجهة العماد ميشال عون، وكان الاخير رئيساً لحكومة عسكرية شكلها الرئيس امين الجميل قبيل انتهاء ولايته لتعذر انتخاب رئيس للجمهورية، فاشتبك معه سياسياً وعسكرياً، ومن ثمار هذا الاشتباك اتفاق الطائف وتبدل المعادلات.. وكان جعجع يعتقد ان الوقت قد حان ليجني قطاف نجاحه بعدما اصبح هو الاقوى على الارض، خصوصاً ان "حزب الكتائب" كان محاصراً بالمشكلات الداخلية، وكان رئيسه جورج سعاده يتلقى السهام من داخل وخارج. من الرئيس امين الجميل ومناصريه، ورئيس الجمهورية الياس الهراوي الذي لا يكن لسعاده وداً، ولا يغفر له عدم مشاركته في جلسة انتخابه رئيساً، ورفضه التوجه مع الوزير القواتي في ذلك الحين الى دمشق للمشاركة في احتفالية توقيع معادة "الأخوة والتنسيق" وتعين عليه الذهاب معرى من اي تغطية  وازنة.

لكن جعجع لم يوفق في مواجهة سعاده، وتبين له انه لا بد من التفتيش عن صيغة  بديلة تؤطر الطاقة الشعبية التي تزخر بها "القوات"، وتنقلها من الحال العسكرية الى الحال المدنية من خلال تنظيم معاصر يوفر لها التماسك والانضباط والتوجيه الفكري والثقافة السياسية ومرونة التحرك في آن. وكان جعجع قد نجح في حمل النسبة الاكبر من القواتيين  من حاملي البطاقات الكتائبية على الانسحاب من الحزب. لكنه لم يحقق حلمه في بناء الحزب الذي يطمح ببنائه بعد التطورات المعروفة التي ادت به الى السجن. لكن هذا الحلم ظل يراوده وهو وراء القضبان الحديدية لمدة احد عشر عاما.

موارد بشرية ومادية

أخذ جعجع وقته في بناء حزبه، لم يتسرع في اعلانه، ولم يطل به رسميا على الرأي العام الا بعدما سد كل الثغر،  وانجز كل الاستعدادات، وبات مهيئا للانطلاق. وهو افاد من تجارب الاحزاب الاخرى التي تهاوت او تفككت او ضمرت، ووقف على اسباب تراجعها،  وتصرف. ووضع نصب عينيه ان يوفر لـ"القوات" الموارد البشرية والموارد المالية.

اولاً، على صعيد الموارد البشرية:

ركز الحزب عمله في المدارس الثانوية والجامعات، خصوصاً في المناطق المسيحية، ونجح في استقطاب نسبة كبيرة من طلابها، وهم انطلقوا بعد التخرج الى الحياة العملية والاجتماعية من أوسع الابواب، وكان لهم الاثر الكبير في تجذير الحزب الجديد في الواقع السياسي.

يؤخذ على جعجع انه لم يعهد الى رفاقه القدامى مواقع قيادية في الحزب، وان الوجوه المألوفة التي اعتادها اللبنانيون غابت عن المسرح، وان توجهه انصب على عنصر الشباب كونهم صفحة بيضاء يسهل توجيههم، والاكثر حماسا واندفاعا، من العناصر المخضرمة التي لها نظرتها واجندات خاصة. من هنا، يبدو الاستثمار في الاجيال الصاعدة اجدى وافعل. لكنه استبقى داخل الطاقم القيادي  عددا من "كادرات " المرحلة السابقة. وعمل قدر المستطاع على نسج خطوط التواصل مع عدد من القدامى، خصوصا مع من رغب منهم.

هذا الامر يعيد بالذاكرة الى بدايات بيار الجميل المؤسس عندما صرف كل جهده مع رفاقه في استقطاب الشباب في كل القطاعات، والتعويل عليهم، وكان معظمهم دون الثامنة عشرة، واطلق عليهم خصوم "الكتائب" لقب: "جماعة الشورت". لكن هؤلاء اعادوا النظر بما كانوا يروجونه، لان من بين هؤلاء كان المحامي والطبيب والمهندس والاستاذ والتاجر والعامل الذين شقوا طريقهم بثبات داخل المجتمع.

على ان جعجع اولى الانتشار عنايته، وكان متكله على الشباب الذين غادروا لبنان بعيد حل "القوات اللبنانية" وانتظموا سياسيا حيث حلّوا، وقد تمكنوا من بناء قاعدة حزبية صلبة على انقاض الاحزاب التقليدية، وكان هؤلاء عضداً مكيناً لرفاقهم في الداخل.

ثانياً، على صعيد الموارد المالية:

قد يكون حزب "القوات اللبنانية" هو الأغنى، والاكثر اقتداراً مالياً. ومن دون الخوض في ما كان يدخره ويمتلكه من المرحلة السابقة، فانه اتبع هندسة مالية، وفرت له دخلاً ثابتاً مكنه من الانفاق عن سعة، وتقديم المساعدات لمحازبيه، وتوفير ميزانيات لمصلحة الطلاب وقطاع الاعلام وسائر الوحدات الحزبية ذات العلاقة المباشرة بالناس. وهذه الموارد توافرت من مجموعة من رجال الاعمال القواتيين والمناصرين غير الحزبيين من هذه الفئة.

ولعل اهم الموارد تلك التي تصل الحزب من بلدان الانتشار، وفي مقدمها اوستراليا حيث للقوات اللبنانية حضور كبير في اوساط الجالية اللبنانية التي يتحدر معظمها من شمال لبنان، اضافة الى الولايات المتحدة وكندا وعدد من البلدان الاوروبية والافريقية، ومن رجال اعمال في السعودية والكويت والامارات.

ومن دون الخوض في الجدل القائم حول موارد ضخمة يتلقاها من مصادر أخرى، يمكن القول ان جعجع يحسن ادارة هذا الجانب، واستقطاب التمويل لحزبه ومشروعاته، وآخر ما تم على هذا الصعيد هو بناء بيت الطلبة في ضبيه، ومعظم اكلافه تبرع بها رجال اعمال واصدقاء من لبنان والخارج ومنهم رجل الاعمال المصري نجيب ساويروس.

جعجع والجميل الحفيد

في الوقت الذي كان جعجع يراكم انجازاته مستفيداً من تجربته الكتائبية السابقة، وسيرة بيار الجميل المؤسس. كان حزب "الكتائب" يضمر شيئاً فشيئاً، ويتخبط في سياسات غير محسوبة، وغير مبررة. ولو ان من اضطلع بها يدعي انها تمثل العودة الى الجذور، عندما كان الحزب ثائراً على الطبقة السياسية ويجنح الى التغيير الشامل، علماً ان هذا القول يفتقر الى الكثير من الدقة، ولا مجال للخوض فيه الآن، وهكذا شهدت الكتائب هجرة جماعية لنخبة رجالاتها وقياداتها العليا والوسيطة، منها من يمم وجهه شطر الحالة العونية، او "القوات اللبنانية" او يمضي استراحة المحارب.

وفي المقابل، فإن القيادة الشابة المتأثرة بـ"حركة لبناننا" او وافدة منها، لم تتمكن من ملء الفراغ الحاصل بحركة استقطابية شبابية، تقي الحزب شيخوخة محتمة، قد تضعه عاجلاً أم آجلاً امام مصير مشابه لذاك الذي وصل اليه حزبا "الكتلة الوطنية" و"النجادة"، اذا لم يتم تدارك الأمر باجراءات حاسمة، تبدأ بالاعتراف بالفشل والخطأ، والدعوة الى مؤتمر عام استثنائي واجراء مقاربة نقدية شجاعة لكل ما حصل من اخفاقات.

جعجع  و"التيار الوطني الحر"

من الصعب اجراء مقارنة تنظيمية بين "القوات اللبنانية" و"التيار الوطني الحر". المنطلقات التنظيمية تختلف بينهما. كذلك اسلوب انبثاق السلطة لدى الحزبين. فالاول يمارس سلطة مركزية متشددة، وان كان يطبق مشورة واسعة في بناه السياسية والادارية والقطاعية، ويعمل وكأنه ينحت في صخر. بينما يبدو الثاني وكأنه يغرف من بحر، غير متنبه الى ان هذا الامر لا يدوم اذا كان سيظل مرتكزاً الى مرونة تنظيمية لا تنسجم مع طبيعة المجتمع اللبناني وخصوصيته. مرونة تفتقر الى الخبرة وتقارب الفوضى. وهنا نقطة الضعف، لأنه قد ينسحب مللاً وقنوطاً على القاعدة الحزبية العريضة، فلا يطول بها الامر حتى تنحسر. وهذا ايضا يستوجب معالجة دقيقة وسريعة من القيادة.

ويبدو ان تجربة " التيار الوطني الحر" في انتخابات هذا العام، ستكون موضع تقويم بعد الفراغ من تشكيل الحكومة الجديدة. وسينصرف رئيسه مع عدد من الخبراء لعرض ما تبين من ثغر، ليس في "ماكينة" التيار الانتخابية، بل في أداء المحازبين، ومدى التزامهم، وذلك لتصويب ما ينبغي تصويبه. وسيكون اهتمام الوزير جبران باسيل منصباً على شدشدة ما بدا تراخياً، والمضي في تطوير بنى الحزب وملاكاته ورفده بالكفايات الشابة، والسعي الى إبقاء الروح النضالية في صفوف المنضوين إليه، فلا  يكون الانتصار الذي حصدوه سبباً للمراوحة والنوم على حرير،  لأن العمل في السياسة ليس موسمياً، ولا يقف عند استحقاق، بل هو عمل موصول، وطاحونة منهومة ينبغي مواكبتها بالسعي الدؤوب لمراكمة الانجازات والبناء عليها. وترى أوساط مطلعة ان الفرصة قائمة لتحقيق البرنامج الطموح لـ"التيار الوطني الحر" من خلال تكتل "لبنان القوي" والتحالفات الوطنية التي ينسجها.

وعلى الرغم من الحملات المباشرة وغير المباشرة التي طاولت الوزير باسيل، والحملات المنظمة في وسائل التواصل الاجتماعي التي أحصت عليه أنفاسه، فقد تصدر المشهد الانتخابي، وتكرس رقماً صعباً في المعادلة السياسية الوطنية، وهذا ما يعطي "التيار" دفعاً يتعيّن عليه استثماره والافادة منه. وهذا ممكن إذا جرى التشدد في تطبيق قواعد الانضباط الحزبي، وضبط الاداء وتوجيهه نحو المدارات المنتجة.

وللانصاف، يجب عدم الاقلال من أهمية الانتصار الذي حققه "التيار الوطني الحر" الذي مكّنه من تشكيل تكتل نيابي واسع بقيادته يضم حزبيين وحلفاء، مع الاشارة الى أنه واجه صعوبات تفوق تلك التي واجهت "القوات"، لأنه تعيّن عليه أن يوزع أصوات محازبيه ومناصريه على اكثر من مرشح في غالبية الدوائر،  ما اوقعه في اشكالات، واوحى للمراقبين ان نسبة التأييد له انخفضت، فيما واقع الحال هو عكس ذلك، فإذا تم جمع الاصوات التي حصل عليها مرشحو "التيار" في اي دائرة من دوائر جبل لبنان مثلاً، لتبيّن أن عدد الأصوات يفوق تلك التي حصلت عليها "القوات" او سواها.
لكن  المسألة ليست في التكتل الكبير والقوي، بل في استمرار "التيار الوطني الحر" مستنفراً وكأن الانتخابات حاصلة غداً، والانصراف الى الجامعات والمدارس ونقابات المهن الحرة، وابقاء شعلة النضال المطلبي متقدة، لا ان يكتفي بما تحقق، والنوم على أمجاده. وهذه تجربة مرت بها احزاب كان لها شأنها، ونفوذها، وحضورها، وخرّجت رجالات يحسب لهم الف حساب، لكنها في وضع لا تحسد عليه.

ان من ينكر على " التيار الوطني الحر "شعبيته الواسعة، الممتدة على خريطة الوطن، لا يكون موضوعياً، ولا منصفاً، والتحدي هو ان يستطيع تثمير الوزنات، خصوصاً ان مؤسس هذا "التيار" وزعيمه، هو رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، الرئيس القوي، الموثوق، الشفاف،  غير الرمادي. وهذه فرصة يجب الافادة منها، وهي غير متيسرة دائما.

وتؤكد اوساط قريبة من "التيار" ان هذه الصورة لا تغرب عن بال قيادته التي ستعمد الى اجراءات وتدابير سياسية وادارية من اجل  تزخيم الحراك الحزبي، في كل اتجاه، وتثمير ما تحقق من انتصار في الانتخابات افعالا وممارسات تعزز دوره وحضوره.

تيار "المردة": الحفاظ على الموقع

استطاع " تيار المردة" ان  يحتفظ بموقعه، وحجم تكتله النيابي، وعوّض في الكورة المقعد الذي خسره في زغرتا – الزاوية، ولم يكن الامر مفاجئاً لأن قواعد التفضيلي -النسبي تقضي بذلك. وهو حاول الحصول على مقاعد اضافية في طرابلس – الضنية – المنية، وعكار، لكنه لم يفلح. كذلك لم يفلح في حماية رفيق اللائحة بطرس حرب. لكن ذلك لم يحجب حجم الكتلة الشعبية المساندة لتيار "المردة" الذي يواجه قوتين سياسيتين وشعبيتين ممتدين على خريطة الشمال الانتخابية. رئيس التيار سليمان فرنجية الذي تخلى عن المقعد النيابي لنجله طوني ويعد لمعركة رئاسة الجمهورية في العام ٢٠٢٢، لم يشأ المغامرة والتحرك حزبياً وتنظيمياً خارج حدود الشمال، ولو ان هناك وجوداً لمناصرين في بعبدا وزحله وسواهما. ولكنه يحتفظ بصداقات يمكن ادراجها في خانة التحالف، كما هي الحال مع النائبين المنتخبين فريد هيكل الخازن وابراهيم سمير عازار. واستراتيجية فرنجية على ما يبدو تقوم على تمكين وضع "المردة" في المنطقة واتخاذ كل التدابير لمنع اختراقه، سواء من "التيار الوطني الحر" أو من "القوات اللبنانية" اللذين سجلا حضوراً بارزاً في زغرتا – الزاوية في الفترة الاخيرة، لجهة النشاط الحزبي او التحالفات المحلية اللتين نسجاها.

لكن فرنجيهة المتمسك بالهوية الشمالية لتياره حتى اشعار آخر،  يطل على المشهد الوطني من خلال تحالفات متنوعة عابرة للمناطق.

"الكتائب" ـ "الاحرار"ـ "الكتلة الوطنية"

عندما وافت المنية العميد ريمون اده، دخل "حزب الكتلة الوطنية" مرحلة احتضار، لم تنقذه منها محاولات حثيثة قام بها محازبون مخضرمون، الى جانب الوريث كارلوس اده، وكانت لهم معه تجارب مخيبة. وهو اصلا لم يعد مهتماً بامر الحزب، ولم يفسح لمن سعى الى انقاذه،  ما تسبب بسقوطه السريع. اما "حزب الوطنيين الاحرار" الذي عاند وظل مكابراً، محاولاً ان يستولد من الضعف قوة، فلم ينجح في الحفاظ على مقعده النيابي اليتيم في الشوف، وذهب الى تحالفات لم تتمكن من تشكيل رافعة له، فأصيب بانتكاسة من المتعذر الخروج منها.
اما بالنسبة الى حزب "الكتائب"،  فان الكلام عليه يطول،  ويستحق فصلاً مستقلاً نظراً لأهمية هذا الحزب العريق، والادوار الخطيرة التي أداها وطنياً ومسيحياً، وهو كان الرحم الخصب لـ"القوات اللبنانية"، والحاضنة لكبار الشخصيات والكادرات الذين خلّفوا بصمات في مجالات الفكر السياسي والتشريع والخطابة. وان تراجعه ليس وليد الساعة، بل نتيجة تداعيات متراكمة،  من اسبابها عدم التسليم بتداول السلطة خارج الفلك العائلي، ما ادى الى هجرات وابتعاد واستقالات، واحيانا حالات تمرد وانشقاق، على غرار ما جرى عندما لم يفز سمير جعجع على الدكتور جورج سعادة في معركة رئاسة الحزب العام ١٩٩٢. لا شك، لا يمكن مقاربة الوضع بعدد من الاسطر،  فهو يستأهل دراسة متأنية وشاملة،  لكن أحد مسببات الازمة التي يعاني منها حزب "الكتائب" هو ان قيادته لم تفد من المصالحة التي جرت داخله بين الوزير الشهيد بيار الجميل ورئيس الحزب كريم بقرادوني في نهايات العام ٢٠٠٥، وتعمل على تثميرها لتنطلق الى جمع الشمل الذي تفرق منذ رحيل الرئيس المؤسس. فلم يعمد سامي الجميل الى استكمال ما تعهد باستكماله، وظلت شرائح واسعة خارج الحزب الذي تداعت قيادته الى خلوة لبحث اسباب التراجع.

الاحزاب المسيحية مستقبلاً

لا شك ان سمير جعجع هو الاكثر وقوفاً على تجربة بيار الجميل المؤسس وتأثراً بها، وهو اظهر مقدرة في بناء حزب هو اليوم في ذروة نشاطه، ويسجل نقاطاً متقدمة. لكن التجارب الناجحة قد تواجه مطبات تطاول ديمومتها وتعيدها الى الوراء، اذا لم تكن مستندة الى رؤية وقراءة متأنية لواقع مجتمعها الوطني. ومن هنا، فان على "القوات اللبنانية" الا تنتشي بخمرة النجاح الذي حققته. وأوساطها تجزم بان المرحلة المقبلة تحتم عليها جهداً مضاعفاً.

لكن ثمة حقيقة مرة يعرفها المسيحيون، من دون المجاهرة بها، ومنهم من يتقبلها كأنها القضاء والقدر، وهي شخصنة الاحزاب وربطها برئيسها، ومن ثم بمن يرثه من أهل البيت والمقربين،  من دون توفير فرص فعلية لتداول السلطة فـ"تفرم" القيادات على"مفرمة" المصالح والسياسات المتعارضة. لذلك نجد ان الاحزاب – كما سواها من دون استثناء العقائدية منها – تشيخ وتهرم، وتتجدد شكلا و"تفوخر" مضموناً،  ومع تقادم السنوات يقع الطلاق بين روحها المغادرة وجسدها المتهالك، ولا يبقى منها الا "اليافطة" الجاهزة للاستخدام في حالات معينة، لكن "يافطة" غير جاذبة ولا تستثير المشاعر.

وفي اي حال، فان جعجع عرف كيف يقرأ في كتاب بيار الجميل المؤسس، وأن يستوعب ما قام به من تنظيم، وان يستوحي روحه النضالية، في حين لم يفعل ذلك من هم أولى، وقد حاولوا ايهام الناس – لفلسفة ما وقعوا فيه من اخفاق – بانهم يستعيدون سلوكه الرافض والثائر الذي يرقى الى البدايات، وهو تبرير غير دقيق اطلاقاً.

عون هو الاقوى

يسلّم اللبنانيون في كل المواقع بمرجعية الرئيس ميشال عون، وبينت الوقائع والمواقف، انه الأكثر شعبية بين اللبنانيين عموما والمسيحيين خصوصاً، وهو موضع ثقتهم لمبدئيته، وشجاعته، وقدرته على اتخاذ المواقف الصعبة والنابعة من قناعته والدفاع عنها. وان مكانة الرئيس عون هي السند الرئيس للتيار الذي أسّسه، وان من واجب الاخير الحفاظ على هذا الزخم وتفعيله،  وتثميره،  لئلا يصادف ما صادف سواه، ويغرق في مشكلات هو في غنى عنها. فالرئيس عون، هو بشهادة الجميع الضمانة، وان التعاون معه، هو مفتاح النجاح في المرحلة المقبلة.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.