مكافحة الفساد.. رهان على "جبّارين"!

 نورما أبو زيد ـ

البحث عن الفاسدين في لبنان مزمن. عمره من عمر لبنان. كلّ الأنظمة المتعاقبة بحثت عن فاسدين، ولكنّها لم تجد واحداً. في الحكومة المنتهية صلاحيتها، استحدثنا وزارة لمكافحة الفساد، ولكن وزيرها لم يؤشّر لنا على فاسد بعينه. حمل مكبّراً للبحث عن فاسد، ولكنّه لم يجده في كومة "الصالحين"، علماً أنّ الفساد في لبنان "على عينك يا تاجر"، ولكن بما أنّ العين لا تعلو على الحاجب، لم نُسَمِّ يوماً الأمور بأسمائها، وغالباً ما نلجأ إلى أسماء الإشارة، ربّما لأنّ اللبيبَ من الإشارة يفهم.

في لبنان، نتنفس الفساد كما نتنفّس الهواء، ونتجرّعه كما نتجرّع الدواء. الفساد "دين" الدولة وطائفتنا ومذهبنا. صار جزءاً من نعاسنا ونومنا وأحلامنا، لا بل صار كوابيسنا..

رغم الغياب المزمن للإجماع على أمر بسبب دخول البلاد في دوامة الانقسام، الفساد هو شكل من أشكال الإجماع الوطني، وشرط من شروط المحافظة على "قيمنا" الأصيلة. تأصّل فينا حتى بات جزءًا منّا، علماً أنّه محبط في حقيقته.. ويحبطنا.

الفساد يستهزئ بنا، ويستهتر بفكرة الدولة، وكلّ أنواع الفساد التي نعيشها ونختبرها في يومياتنا كمواطنين، محروسة بفَسَادَيْن سياسي وقضائي، ومن دون اقتلاع الوضع الشاذ سياسياً وقضائياً، عبثاً يحاول المصلحون.

في تعدادنا لمنظومة فسادنا المنظّمة، يتبيّن أنّ الفساد موزّع على المحاور الطائفية بالعدل. هذه المرّة القاعدة مقلوبة: "عدلٌ في السوية.. ظلمٌ في الرعيّة". حتى العدل لم يعد عدلاً بعدما أمسك أهل السياسة بمطرقة الأحكام.

مشهد لبناني بامتياز، مقزّز ومقرف وملعون.

حتى النقابات التي يُفترض أن تكون مستقلّة، أُلحقت بالسياسيين.

ما من شيء في لبنان إلاّ وينخره الفساد الذي تستثمر فيه المنظمة السياسية.

هذا الوباء الذي هو من اختصاص دول العالم المتخلّف، يجد بيئة حاضنة عندنا، خصبة وملائمة لينمو ويتكاثر.

فسادنا سياسي واجتماعي واقتصادي ونقابي وصحي وبيئي ونفطي وغازي وكهربائي و.. و..

نخر الفساد الأرضية التي نقيم عليها، ونخر السقوف. لا أرضية مكتملة تحتنا، ونقيم تحت سقوف قد تسقط على رؤوسنا في أيّ وقت.

رجال الممنوعات على أنواعها، أُتيحت لهم في الدورة الانتخابية الأخيرة فرصة الترشّح للانتخابات والتلحّف بعضوية البرلمان. من يسرق بيضة يحرمه سجلّه العدلي من الالتحاق في صفوف المؤسسات الأمنية، ولكن من يسرق جملاً يشرّع له سجلّه العدلي المنظّف الالتحاق في صفوف مشرّعي الأمّة.. إنّها شرعية الفساد.

وإذا كانت الأحزاب هي التي أتاحت لرجال الممنوعات الترشّح لعضوية المجلس النيابي، فمن يملك القناعة اليوم لشنّ حملات التنظيف على الآخرين؟ ومن يملك قناعاً لشنّ الحملات على الآخرين؟ معظم السياسيين بيوتهم من زجاج، ولا يمكنهم رشق الآخرين بالحجارة.

كثر يحدثوننا عن ضرر الفساد على أمننا، وبعض الذين يتفننون في عبارات المحاربة والمكافحة، هم جزء أصيل من هذا الفساد المتأصّل. ولكن إذا كانت الدولة هي التي تحمي الفساد في لبنان، فكيف ستحاربه؟ وإذا كانت الدولة أساس الفساد في لبنان، فمن ستحارب؟

لا يمكن تصوّر لبنان من دون فاسديه. هم جزء من الصورة العامة للبلد. من دونهم لبنان خواء. إن اختلفوا يغمرنا الفساد، وإن اتفقوا "بيطمّنا". هذا اللبنان لبنانهم، وهم أحرار في التصرّف به. هذه هي الصورة النمطية التي تعوّدنا عليها لطبقتنا السياسية. ولكن ليس صحيحاً أنّ كلّ السياسيين فاسدون. قلّة بين المسؤولين تنتمي إلى الأخلاق، وتتألّم من الوضع الذي نحن فيه. رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، هو أحد أبرز الذين يملكون النيّة والرغبة في مكافحة الفساد، ولكن هل سيتمكّن من وضع الآليات؟ وبالتالي، هل سيتغلب الفساد على العهد، أم يتغلّب العهد على الفساد؟

لدى وصوله إلى القصر الجمهوري، خرج بفكرة وزارة لمكافحة الفساد، ولكن إمّا أنّ الوزير لم يكن بحجم التوقعات، أو أنّ حقيبة الدولة لا يتناسب حجمها مع حجم الفساد الموجود. فهل من خطة "باء" لدى فخامته؟

مؤخراً، ضمّ الأمين العام لـ "حزب الله" السيد حسن نصر الله، نيّته إلى نيّة الرئيس، ولكنّه لم يخبرنا عن الآليات، وأبقى الأمور في إطار العموميات.

شعار مكافحة الفساد الذي رفعه الأمين العام لـ "حزب الله"، استدعى من نواب حزبه المطالبة باستحداث وزارة للتخطيط عرفها لبنان قبل عقدين ونصف، والهدف المعلن هو وقف الهدر في البلد الغارق في المديونية، وتسكير "حنفية" الفساد، لكن المخاوف طفت من الصلاحيات، وبدأت الحسابات. فهل "حزب الله" يستطيع فعلاً "تسكير الدكانة" من خلال إمساكه بوزارة التخطيط.. أم أنه سيتورّط ويلتحق بأصحاب الدكاكين؟

في كلّ الحملات المزعومة للإصلاح، بقي الفساد في ألف خير. فهل نقول اليوم تصبحون على خير.. أم نراهن على رهان الجبارين، ونقول غداً: لقد أصبحنا على وطن؟ّ!

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.