الحكومة.. إلى تشرين؟

لبنان عاد رهينة سياسة المحاور؟

ـ خضر طالب ـ 

كشف مطلب "حصة" رئيس الجمهورية في الحكومة، حجم التعقيدات التي تعترض تشكيل الحكومة.

لكن الأخطر في هذا الطرح هو محاولة إعطائه صبغة عرف دستوري، مع أن رئيس الجمهورية العماد ميشال عون نفسه كان رفض هذا المطلب لرئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان، وتسبب النقاش يومها بإطالة فترة تشكيل الحكومة.

وبغض النظر عن النقاش الدستوري في هذه النقطة، والتي ربما تحتاج فعلاً إلى فتح باب الاجتهاد والتفسير عليها كي يتم حسم الجدل فيها، فإن "حسبة" بسيطة لعدد الوزراء في الحكومة، ولعدد وزراء كل كتلة نيابية، تعطي جواباً كافياً على طرح فكرة "حصّة الرئيس".

الحساب يقوم على أساس حكومة من ثلاثين وزيراً، وعلى أساس القاعدة التي "اقترحها" رئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل بصيغة المسلمات، أي أن كل أربعة نواب يحق لهم بمقعد وزاري. والافتراض أن حصة الرئيس هي كما كانت للرئيس ميشال سليمان ثلاثة وزراء، وكما يطالب بها الرئيس عون اليوم. وبما أن عدد نواب "التيار الوطني الحر" و"تكتّل لبنان القوي" هو 29 نائباً، فإن "التكتّل" يفترض أن يتمثّل بسبعة وزراء. وبذلك يكون مجموع الحصة الفعلية لرئيس الجمهورية 10 وزراء، أي ثلث الحكومة بالتمام والكمال. ويبقى لكل القوى السياسية في البلد الثلثان الآخران. وبحساب القاعدة نفسها، أي وزير عن كل 4 نواب، يكون من حق "كتلة التنمية والتحرير" برئاسة الرئيس نبيه بري أن تتمثّل بأربعة وزراء وأن تتمثّل "كتلة الوفاء للمقاومة" بثلاثة وزراء، فيكون مجموع الوزراء 17 وزيراً من ثلاثة كتل نيابية، أي أكثر من النصف. وإذا أضيفت حصة "الحزب التقدمي الاشتراكي" ثلاثة وزراء كما يطالب، فيكون العدد قد بلغ 20 وزيراً. واستناداً إلى "قاعدة باسيل" فإن "القوات اللبنانية" يفترض أن تتمثّل بأربعة وزراء أيضاً، فيكون العدد قد وصل إلى 24 وزيراً. ويبقى لاكتمال عقد الحكومة العتيدة رئيس الحكومة وخمسة وزراء يفترض أن يتقاسمهم تيار "المستقبل" و"الحزب السوري القومي الاجتماعي" و"التكتّل الوطني" و"الكتلة الوسطية المستقلّة" و…!!!

بهذه المعادلات، سيجد رئيس الحكومة نفسه وحيداً، وسيسقط اتفاق الطائف قولاً وفعلاً وممارسة.

هذه الشروط تعني ببساطة أن مسألة تشكيل الحكومة لم توضع على النار، وأن كل ما يجري اليوم هو محاولة الاتفاق على نوع الطبخة، وسيكون هناك لاحقاً نقاش في مكوّناتها و"منكّهاتها".

واستناداً إلى هذه المعطيات، فإن الانطباعات التي كانت سائدة عن سرعة في عملية تشكيل الحكومة، يبدو أنها متسرّعة، لأن الوقائع تكشف بوضوح أن لا إمكانية لتشكيل حكومة في المدى المنظور، بالرغم من الإيجابيات التي يجري ضخّها حول أجواء التعاون من جميع القوى السياسية.

لكن، ما هي حقيقة العقبات أمام عملية تشكيل الحكومة؟

الواضح أن هناك شقّين من العقبات: داخلي وخارجي.

في الشق الداخلي، وضع كل طرف سقف شروطه الأعلى على طاولة الرئيس المكلّف سعد الحريري، لكن الجميع يدرك أن هذه السقوف هي أعلى بكثير من الواقع. ولذلك فإن التعويل على المطالب الداخلية لا يشكّل فعلياً أكثر من مطبّات عندما ينضج القرار بتشكيل الحكومة.

أما في الشق الخارجي، فإن المخاض الجاري في المنطقة سيكون له الأثر المباشر على قرار تشكيل الحكومة أولاً، ثم على التوازنات داخل الحكومة. فالسؤال المطروح بشكل مباشر هو: هل يمكن تشكيل الحكومة في لبنان، بمعزل عن تشكيل الحكومة في العراق؟ وبمعنى أدقّ، هل يمكن فكّ الاشتباك السعودي ـ الإيراني في العراق عن الاشتباك السعودي ـ الإيراني في لبنان؟

حتى اليوم لا يبدو أن هناك إمكانية لفك الارتباط بين المواجهتين على الحكومة في كل من العراق ولبنان. ففي العراق، حقّقت السعودية فوزاً، مبدئياً، في الانتخابات النيابية. وفي لبنان، حقّقت إيران فوزاً، مبدئياً، في الانتخابات النيابية. وكما نجحت إيران في فرملة الاندفاعة نحو تشكيل حكومة تترجم فوز السعودية في العراق، فإن السعودية لن تسمح أيضاً بحكومة في لبنان تترجم فوز إيران في الانتخابات النيابية.

وفق هذه المعادلة، فإن ما يجري في العراق على مستوى ترتيب التحالفات، والطعون المقدّمة بالانتخابات وتأثيرها على فترة تشكيل الحكومة التي تتقاطع معظم التقديرات على أنها لن تكون قبل تشرين الثاني المقبل، فإن ذلك يعني أن تشكيل الحكومة في لبنان لا يمكن فصله عن تلك الترتيبات ونتائجها وطبيعتها، وبالتالي فإن تشكيل الحكومة اللبنانية سيتأخّر هو أيضاً إلى "تشارين"، وربما تطول الفترة إلى نهاية العام 2018!

عملياً، دخل لبنان مرحلة كباش سياسي إقليمي كبير، وكان يفترض بالأطراف الداخلية تخفيض سقف شروطها وطموحاتها، لعلّ ذلك يسمح بـ"سرقة" الحكومة قبل ربط مصيرها بالمعطيات الخارجية، إلا أن ذلك لم يحصل، بالرغم من الاستعجال الذي ظهر في حركة كل من رئيس الجمهورية ورئيس المجلس النيابي و"حزب الله".

وفقاً لهذه المعطيات، يبدو أن فترة تصريف الأعمال ستطول، وأن كل الطموحات التي تعبّر عنها القوى السياسية تساهم في خدمة تعطيل عملية تشكيل الحكومة، وبالتالي توظيف هذا التعطيل في حساب التوازنات والصفقات والترتيبات الجارية في العراق وفي المنطقة، ما يعني أن لبنان وضع نفسه حكماً رهينة سياسة المحاور التي ستعطّل حكماً المبادرات الداخلية، وستضيّق هوامش القوى السياسية في التأثير، ولاحقاً في تقدير أحجامها وفي بلوغ سقوف منخفضة جداً في طموحاتها.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.