منال عاصي تُقتل مرتين: "عاطل عن الحرية".. "يعطّل" الجريمة!

فتات عيّاد /

تزامنا مع انطلاق حملة "16 يوم لمناهضة العنف ضد المرأة"، وفيما تقدّم 10 نواب من عدة كتل نيابية بمشروع قانون لتعديل "حماية النساء من العنف الأسري"، حاولت قناة  الـMTV  مساء الثلاثاء الماضي "تبييض" صفحة قاتل منال عاصي، بل و"تسويد" صفحتها بـ شماعة "الشرف"، وإن كان هدف المحطة في تلميع صورة قاتل هو "الرايتنغ" على حساب أرواح النساء المعنفات.. فعن أي "شرف" في مهنة الإعلام نتحدث؟

في الثاني من شباط عام 2014 هزت جريمة قتل محمد النحيلي لزوجته منال العاصي الرأي العام اللبناني. منال التي سرى في عروق زوجها دم بارد وهو يعنفها دونما أدنى رحمة، سرى على جسدها ماء طنجرة ضغط ساخن حارق، هذا الجسد الذي لطالما كان مرمى لـ"بطولات" النحيلي العنفية على مدى سنوات زواجهما. جريمة وحشية استمرت لساعات على مرأى من الجميع وخوف منهم، كيف لا ومحمد الصادرة بحقه عدة مذكرات توقيف باستعمال السلاح وغيره، هو "قبضاي" الحي، ولا جرأة لأحد على مساعدة زوجته وتخليصها من قبضته؟

كدمات، وسحل وضرب على مدى 7 ساعات، وسط توسل الأهل أخذ ابنتهم للمستشفى، وبعد نقلها الى مستشفى المقاصد، التي تواصلت بدورها مع مخفر الطريق الجديدة، لأن آثار العنف المبرح كانت واضحة على الضحية التي دخلت في كوما إثر نزيف داخلي سببه جلطة دماغية في الرأس، كدمات وثقها تقرير الطبيب الشرعي، لكن حكم  محكمة الجنايات أتى مخففا مكتفياً بخمس سنوات عقاب للنحيلي تلطياً  بالمادة 252، واعتبار القاضي انه كان في "ُثورة غضب"، بحجة أنه عرف لتوه أن زوجته "على علاقة برجل آخر"، لكن هل 7 ساعات من الضرب هي "لحظة غضب"؟ وهل تبرر "لحظة غضب" أصلا إقدام أحدهم على القتل؟

ولأن الرأي العام كان الضاغط الأكبر، ولأن الجمعيات النسوية كانت لهذا الحكم بالمرصاد، أتت النيابة العامة الاستئنافية بحكمها المبرم  18 عاما سجناً للنحيلي، دونما أعذار عملا بالمادة 549 القتل العمد، ومنع المساعدة. لكن نضال المجتمع المدني ضربته قناة MTV  عرض الحائط، في برنامج "عاطل عن الحرية"، لتتبرع بالهواء للقاتل كي يروي الرواية من جهته هو… لكن هل تستحق زيادة نسب المشاهدة، أن نزيد معها عدد الضحايا من النساء؟

استفز الـ"برومو" الذي عرضته الـMTV عن الحلقة قبل عرضها، الجمعيات النسوية والحقوقيين ورواد مواقع التواصل الاجتماعي، الذين اعتبروا أن مجرد فتح الهواء لقاتل منال هو محاولة لتلميع صورته وتنكيل جديد بالضحية. لكن القناة كانت على موجة أخرى حيث أن فرصة "الإستيلاء" على "الرايتنغ" جعلت قاتل منال يتحول إلى ضيف "حصري"، هو الذي "نزّل كل الجمعيات عالأرض" ، أما منال فقد قُتلت  بالـ "مشكل" الذي أدى الى موتها، و"النحيلي يكشف تفاصيل هذا النهار"؟ كأنهم أرادوا أن يقولوا لنا انتظروا أن يبق "البحصة". لفظ القانون حكمه المبرم، ما جدوى أن يبقّ قاتل "بحصة" جديدة في قبر منال، وفي قلب أمها الثكلى؟!

أتت مقدمة الحلقة ربما لتمسح ماء وجه المحطة "لا تتبنىMTV  ولا أسرة عاطل عن الحرية ما يرد على لسان قاتل منال عاصي، وتؤكدان أن ما من حجة مهما كانت تبرر جريمة القتل". صك براءة صاغته الـMTV  لنفسها، لكن معالجتها للقضية كانت نقيض ذلك!

 

اعادة تمثيل المشاهد.. دماؤها المهدورة ليست ماءً!

لطالما تباهت قناة الـ MTV بالتقنية العالية الجودة، والإنتاجات الضخمة، والبذخ المادي والتقني على موادها الإعلامية. القناة نفسها التي لا يغيب عنها أهمية قضية كقضية منال التي كانت منطلقا لمساواة المرأة بالرجل في محاكاة المحاكم للقضايا الجرمية، ولكن إعادة بناء المشاهد في قضية منال جاءت ركيكة، ناهيك عن عدم محاكاتها لأدنى وقائع الجريمة، عدا عن الاحداث التي جاءت على لسان القاتل نفسه لا أهل الضحية، والتملص من تصوير أحداث عدة موثقة قانونياً. فهل أصبحت الـMTV  فجأة قاصرة عن تقديم إخراج درامي يحاكي الوقائع الفعلية التي حصلت؟ والإكتفاء بعرض اقوال قاتل أدانته محكمة استئنافية؟ ألم تجد تمويلاً يسعف البنية الدرامية والإخراجية لبناء المَشاهد؟ هل يعقل أن "كفّين" كانا "كفيلين" بإنهاء حياة منال؟ أين سحلها والكدمات في شتى أنحاء جسدها من المشهد؟ ماذا عن رأسها الذي وضعه النحيلي تحت قدميه وركله وداس عليه دونما رأفة أو رحمة؟ أين مشهد الشفاه المجروحة والتي مص "دراكولا" النسخة اللبنانية دماءها وبصقها في وجه والدتها؟ وأين هو المُخرج من الحس الدرامي، وهل سهى سهواً عن مشهد طنجرة الضغط التي اشتهرت بها جريمة قتل منال؟ لماذا لم يلعب على احساسنا كمشاهدين لنرى قساوة المشهد، إن كان حريصا على سلامة نسائنا ورسالته تحذيرنا من العنف ضد النساء؟ ماذا عن سيارة الدفاع المدني التي لم يُسمح لها بأخذ منال؟ ثم هل تستحق ندى العاصي أن تلعب دورها إمراة ببرودة مقيتة "مهووسة" بنظافة الأرض وإزالة الفاصولياء عنها قبل سلامة ابنتها؟ أين بكاؤها وصراخها ورجاؤها للنحيلي ذي "المراس الصعب" كي "يتنازل" ويسمح لها بأخذ ابنتها للمستشفى؟ أين تهديده لأختيها وأخيها وتهجمه الجسدي عليهم؟

مشاهد الرومانسية والنوم في "طريق العشاق" طغت على مشاهد العنف، حتى أنك لتعتقد أن محمد هو العاشق الولهان الذي في "ثورة غضب" وغيرة صفع زوجته كفّين فماتت! برنامج يعلن أن هدفه هو تقليص جرائم المجتمع، غابت عنه لقطة اخراجية فنية تظهر قساوة اصابة الضحية بطنجرة سببت موتها، وتقليص مشاهد العنف وتغليب رومانسية القاتل عليها. كيف ينشد البرنامج هدفه في تقليل الجرائم وردع مرتكبيها إذاً وهو الذي أعاد إلينا ذهنية الرجل الشرقي الذي تزوج الثانية مبرراً: "الله حلّل لي.. أنا ما عم خالف شرع ربنا"، وكان يطمح للزواج من الثالثة، ويقول "منال كانت مقصرة بحقي"… لكن أن يعنفها لـ 15 سنة من زواجهما لا بأس، فهو مادياً لم يكن مقصرا بحقها!

استخفاف بالجريمة

هل ذهبت الممثلة كريستين الشويري، التي جسدت دور منال، الى الحي حيث وقعت الجريمة وسألت عن محمد المعروف الذي "ما حدا بيسترجي يعمل معه شي"؟ عن مطلوب بحقه مذكرات توقيف لكن "لم يوقفه أحد" قبل قصة قتله لمنال؟! عن مستقوي ببنية جسدية وصفها البرنامج بـ"اللياقة البدنية"؟ أم فضّلت أن تلقي سهامها بوجه أم الضحية؟ ببساطة قالت "كيف إمها ما حملتا بساعة الساعة؟"، أي أن الأم قصرت بحق ابنتها، كأنها كانت تستطيع انتشالها من مسرح الجريمة لكنها استكترت على ابنتها الحياة؟ غفلت الممثلة عن وقائع دُونت وسُجلت. غفلت عن خوف أم على أولادها الآخرين، غفلت عن رجائها واستعطافها له وهو الذي لا يفقه الا لغة الضرب والإستقواء، عن إقفاله الباب عليها وعلى ابنتها لترى ابنتها تموت "عالبطيء"، فيما هو يتناول القهوة في الخارج.. كل هذا وفصيلة درك طريق الجديدة لا تحرك ساكناً.. ندى التي أعلنت أن اسقاطها لحقها في الدعوى كان بعد تهديدات لها بأولادها الآخرين…

وهل يعقل أن نسمع الأم لمدة لا تتجاوز دقيقتين، ونفتح بقية الهواء للقاتل ولكل من "شدّ على مشده"؟! وحدها حياة إرسلان كانت مداخلتها كالـ"تونر" الذي أعاد المعادلة الى نصابها: "الزواج مش صك تمليك"، لكنّ الهواء أيضا ليس ملكاً للقتلة! فهل علمت الـMTV  هذا قبل محاولتها تنظيف أيدي النحيلي من دم منال؟

"التدين"… صك براءة ببلاش!

خلصت اختصاصية علم النفس في الحلقة عينها إلى أن النحيلي "متدين". أتت زوجته بشيء خارج عن بيئته الدينية، فأصبح في حالة من الجنون. أما الصحافي الذي استضافه البرنامج فخلص إلى أن حكم القاضي الجزائي أتى ليكرس  مصلحة الاولاد التي "تقتضي خروج ابيهم من السجن" مع الاستعانة بالمادة 252، أي أنه قتلها بـ"ثورة غضب". لكن كل الاولاد بحاجة الى اهلهم، متى اذاً يتم القصاص والأخذ بحق الضحية؟ وكيف نردع المجرم إذا كنا سنبرئه بعد 5 سنوات من جريمته؟

التصويب ضد الجمعيات بإسم الضحية

تكلمت كريستين شويري باسم منال: "ما بقى بدي جمعيات ولا أهلي يحكو عني". بُسّطت الجريمة وأصبحت "لو حكينا ما كنا وصلنا لهون".  كان واضحا أيضاً التصويب على الجمعيات، إذا كانت المطالبة بحقوق المرأة أمر "يقوض" الثقافة الذكورية التي تحاول استرجاع مفهوم القتل بمسوغ الشرف، فكم من معنف حرضتم في هذه الحلقة؟

"غطيني يا اختي بردانة" كان آخر ما تلفظت به منال قبل مفارقتها الحياة. لماذا محاولة تعريتها من دفئها حيث ترقد بسلام، ألم يكفي قتلها مرّة حتى تُقتل مرة ثانية بحلقة تلفزيونية تفتش عن "الرايتنغ" على حساب كل المعايير؟

إن آخر جملة نطق بها النحيلي في الحلقة كانت "الطرف التاني عليه حق.. مش انا الغلطان لحالي"! أما معد البرنامج سمير يوسف فسأل "هل منال حبته متل ما هو حبها؟".

الـMTV  لم تعطه الهواء فحسب بل سمحت له بتبرير الجريمة ومحاولة محو آثار الدماء، ولتعطي مسوغاً لأي قاتل آخر بأن يتلطى بـ"ثورة غضب"!.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.