الطائفية السياسية بين تطلعات الإلغاء وأفعال التثبيت

كما في جبل لبنان، كذلك في لبنان الجمهوريّة، برز الواقع المجتمعي التعدّدي واقعًا تاريخيًا ثابتًا،  وبرزت الطّائفة الدّينيّة كوحدة اجتماعيّة متكاملة ومستقلّة غير قابلة للصّهر، حتّى عند وجودها جميعًا في نطاق تاريخي وجغرافي واحد.

لقد تميّزت البنية المجتمعيّة، منذ الجبل ووصولًا إلى لبنان الكبير، بكونها بنية تعدّدية، تشكّل فيها الطوائف الدينية الوحدات الأساسيّة المكوّنة للمجتمع. وهي وحدات متمايزة في ما بينها من حيث الدِّين، والتقاليد، والثقافة والنظام الاجتماعي. وقد عملت هذه الطّوائف على إنتاج وتثبيت نظامٍ سياسي يتوافق وطبيعة المجتمع التعدّدي التي وجدت نفسها فيه. وقد عرف هذا النظام بـ"الطائفية السياسية".

تشير الطائفية السياسية في تعريفها الأبسط إلى تقنيّة توزيع السلطة في النظام السياسي بين الجماعات الأساسية المكوّنة للمجتمع. ولا شك أنّ الفهم السليم للطائفية السياسية يتطلّب التعمّق في دراسة الطائفية المجتمعية، حيث أن الاجتماع السياسي اللبناني قائم على التنوّع. وقد ظهرت الطائفية معه كبنية تحتية لتنظيم الدولة، لا سيّما أنّ الطوائف وُجدت قبل الدولة والنظام، بل هي التي أوجدتهما.

انطلاقاً مما تقدّم، الى أي مدى تتناغم الطّروحات النظرية حول إلغاء الطائفية السياسية مع الممارسة الواقعية للسلطة؟ هل ترافق طرح إلغاء الطائفية السياسية مع أي تحوّل في واقع الطائفية المجتمعية؟ وهل يصحّ، من الناحية المنهجيّة والعمليّة، الفصل بين البنيتين المجتمعيّة والسياسية؟ كيف يظهر إذًا تركيز الطائفية على مستويي المجتمع والسلطة؟ إلى أي حدّ يتلاءم السّياق الدستوري لتركيز الطائفية السياسية في لبنان منذ العام 1926 وحتى اليوم مع الواقع المجتمعي اللبناني؟وإلى أي حدّ تتلاءم طروحات إلغاء الطائفية السياسية مع التركيز المستمر للطائفة المجتمعيّة؟ وفي ظلّ الواقع اللبناني اليوم، هل يمكن اقتراح أي شروط موضوعية لإلغاء الطائفية السياسية؟ وما هي الإشكاليات الأساسية التي يطرحها إلغاء الطائفية السياسية؟

تلك الأسئلة طرحتها الطالبة عفاف فرج خليل في رسالتها لنيل شهادة دبلوم الدراسات العليا في العلوم السياسية من كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية ـ الفرع الثاني في الجامعة اللبنانية، وأجابت عليها بشرح مستفيض، واستشهدت بوقائع تاريخية ودلائل ومؤشرات، ونجحت في تقديم مقاربة هي الأولى من نوعها لقضية إلغاء الطائفية السياسية التي نصّ عليها اتفاق الطائف، وخلصت إلى نتائج مفاجئة من حيث الهوّة بين الشعارات السياسية التي يطرحها الأطراف في لبنان وبين الرغبة والممارسة الفعلية لمبدأ إلغاء الطائفية السياسية، لأن الأحزاب تمثّل شرائح مذهبية وهي تحرص على حقوق هذه المذاهب على الرغم من تكرارها التمسّك باتفاق الطائف وبالشروع في إلغاء الطائفية السياسية.

لجنة المناقشة تألّفت من الأستاذ المشرف على الرسالة الدكتور جورج شرف رئيساً وعضوية الأستاذ المساعد الدكتورة ماري الحايك وعميد كلية العلوم السياسية والإدارية الدكتور كميل حبيب.

وأبدت لجنة المناقشة إعجابها الشديد بالجهد المبذول في الرسالة، ومنحت عفاف خليل شهادة دبلوم الدراسات العليا في العلوم السياسية بدرجة جيد جداً.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.