"السادية" السياسية.. و"المازوشية" اللبنانية!

محمد شرف الدين /

لا يوجد شعب في العالم يحلم بعودة بلده الى الوراء. كل الشعوب تحلم بالتقدم، وتعمل على تقدم بلدانها، وتحققه. وحده الشعب اللبناني يحلم بالعودة، من دون أن يعمل على تحقيق حلمه، لذا سننتظر دول العالم المتطور والمتحضر، التي تحقق كل يوم انجازات علمية كانت بالامس مستحيلة، ها هي الولايات المتحدة تستمر في غزوها للفضاء، اذ هبطت منذ يومين مركبة "Mars Insight" على سطح المريخ، وستقوم على مدى السنوات القادمة بإرسال صور وبيانات الى الأرض عن "الكوكب الأحمر"، والتي قد تكون السبيل نحو إرسال أول بعثة بشرية الى المريخ. والولايات المتحدة لا تحتكر هذا المجال، السباق الى الفضاء مفتوح، ومعه السباق الى الكشف عن كل ما هو مجهول، ففي دول لا توفر استثماراً في جامعات أو معاهد علمية وتكنولوجيّة، ربما تقوم إحدى هذه الدول يوماً ما في اختراع آلة للعودة في الزمن، فتعيد لبنان الى اليوم الاول بعد نيله استقلاله عن "الأم الحنون" فرنسا.

قد يعترض البعض على التسمية، ويصر على أن فرنسا كانت دولة احتلال، استعمرت لبنان تحت مسمى ألطف هو "الانتداب"، لكن التاريخ يقول إن الأمم المتحدة وكلت فرنسا تحضير لبنان وتجهيزه لتقرير مصيره. والتاريخ يقول إن فرنسا أدت الهدف المطلوب، فأنشأت المرافئ وشقت الطرقات، ووضعت المناهج التعليمية، ورعت كتابة دستور الجمهورية اللبنانية الأول… لكنها في الطريق نحو ذلك ضيقت الخناق على اللبنانيين وقيدت حريتهم، وهي لم تختلف في ذلك عن السلطنة العثمانية التي سبقتها، وانتهت تلك المرحلة بنيل الاستقلال الذي تحقق بعد مسيرة نضال طويلة، ليبدأ بعدها "عهد لبنان الذهبي"، فكان لبنان مدرسة الشرق الأوسط وجامعته ومشفاه ومصيفه ومطبعته… وجوهرة الشرق الأوسط في حرية التعبير وعاصمته الأدبية والصحافية… لتنتهي تلك الحقبة مع أول رصاصة أطلقت في الحرب الأهلية عام 1975.

ومنذ انتهاء الحرب حتى اليوم، ولبنان مستمر في التراجع. سقط في الطائفية والفساد وبقيت حرية التعبير، وهو اليوم في طور خسارتها، وعند حصول ذلك سيكون لبنان قد توج نفسه بلقب أسوأ ديكتوريات القرن الواحد والعشرين!

حرية التعبير تخوض أشرس حروبها في تاريخ لبنان، والأمثلة على ذلك كثيرة، بدءًا من تظاهرات المجتمع المدني التي قوبلت بإتهامات العمالة والتبعية الخارجية وحياكة المؤمرات، وصولاً الى تفريق المتظاهرين بالقوة وبقنابل الغاز. والتعبير على الساحة الإفتراضية ليس أفضل حالاً من التعبير في الساحات، فكل يوم يتم استدعاء أحد ناشطي مواقع التواصل الإجتماعي على خلفية تغريدة أو منشور، فيقبع ساعات في غرف التحقيق. من دون أن ننسى فضيحة تلفيق ملف بالعمالة للممثل زياد عيتاني… وكل ما تبقى هو عودة الأحكام العرفية!

المفارقة، أن من "يجرجر" المواطنين الى غرف التحقيق تحت ذريعة "التعرض للمقدسات السياسية"، لا يثبت نفسه مثلاً يحتذى به. فشاشات التلفزة تعج بنفاق الطبقة السياسية وازدواجية معاييرها، اذ يطل كل يوم هذا السياسي أو ذاك، ليطلق كيل الاتهامات والإهانات نحو خصومه، فيكون هذا بلطجي وذاك أزعر، الأخر حرامي والثاني نصاب، هو عميل وأنت متمول… والأمثلة أكثر من أن تعد!

أما المصيبة، فهي "شهامة" الشعب الذي لا يرضى لزعيمه الإهانة، فيؤجل شراء ربطة الخبز الذي عمل بكد طول اليوم لتحصيل ثمنها، ويشتري بما وفره "شوية بنزين" ويسكبه على إطارات اهترت من جور ومطبات الطرقات، ليقطع الأوتوستراد احتجاجاً على المس بكرامة زعيمه!

في العلاقات المضطربة، يوجد مصطلحا "السادية" و"المازوشية". السادية هي الاستمتاع بتعذيب الآخر عبر ضربه والتسبب له بالألم. أما المازوشية فهي الاستمتاع بتعذيب الذات عبر التعرض للألم والضرب.

لا مقاربة أفضل لوصف العلاقة بين الشعب اللبناني والطبقة السياسية.. هذه هي "السادية" السياسية و"المازوشية" اللبنانية!

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.