هلع في أوساط المتقاعدين من "سرقة" رواتبهم: مستعدون للإستشهاد!

فادي سعيد دقناش (*)

تعتبر مسألة حقوق الإنسان من أكثر المواضيع حساسية في عصرنا الحاضر، هي فكرة ليست بجديدة، بل تطورت في سياق تطور المجتمعات البشرية، بدءاً من شريعة حمورابي، مروراً بالفلسفات القديمة والشرائع السماوية التي دعت إلى المحبة والمساواة والعدل وإحقاق الحق وعدم التمييز بين البشر وتفضيلهم على غيرهم من الكائنات الحية، بقوله تعالى (ولقد كرَّمنا بني آدم وحمَلناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضَّلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا- سورة الإسراء/آية 70 )، وتبلورت هذه الفكرة مع فلاسفة العقد الاجتماعي (هوبز، لوك، سبينوزا، روسو…)، لتتشكل في النهاية بصيغتها الأكثر وضوحاً في عصرنا الحديث عقب الحرب العالمية الثانية، مع إنشاء منظمة الأمم المتحدة، حيث تمَّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، وما تلاه من اتفاقيات ومعاهدات لضمان هذه الحقوق، كالعهد الدولي الخاص للحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والتي عرفت بـحزمة "الشرعة الدولية لحقوق الإنسان"، وقد انبثق عن هذه الشرعة العديد من الاتفاقيات والمعاهدات التي ترعى حقوق الأفراد والجماعات والفئات الاجتماعية (حقوق الطفل ـ حقوق المرأة ـ حقوق الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة…). كل هذه الحقوق تؤكد حق الإنسان في الكرامة والحرية والمساواة والعدل والتعليم والصحة والعمل والملكية.. والأهم من ذلك كله حقه في الأمن والأمان النفسي والاجتماعي والاقتصادي، باعتبار الإنسان هو المخلوق الذي كرمه الله على سائر المخلوقات، وهو القيمة والثروة الحقيقة التي يتوجب على الدولة تنميتها قبل أي شئ آخر (فبناء البشر قبل بناء الحجر)، والتنمية البشرية هي التي تساهم بنهضة الشعوب.

مفهوم التقاعد

يُعتبر مفهوم التقاعد من المفاهيم الحديثة نسبياً، وقد تمَّ اعتماد النظام التقاعدي في الكثير من دول العالم المتحضّر ومن ثم في عدد من دول العالم النامي، كجزء من فلسفة الضمان الاجتماعي في هذا العصر، بعد أن شاع في عصور سابقة مسألة الرق والاستعباد والظلم الاجتماعي للعمال والموظفين لاحقاً، الذين كانوا يُطردون بعد سنوات طويلة من العمل، أو يُستغنى عن خدماتهم بسبب انخفاض قدراتهم الانتاجية أو تدهور حالتهم الصحية أو كِبَر سنهم، فكانوا يُتركون في النهاية لقدرهم دون أية حقوق أو ضمانات تقيهم شرّ العوز والفقر والمرض والتشرد. من هنا لم يعد نظام التقاعد مجرد مطلب إنساني، بل تعداه ليصبح حقاً من حقوق الإنسان، هدفه تحقيق الأمن الاجتماعي والاقتصادي كحقين أساسين من حقوق الإنسان، وضرورة إنسانية إنمائية واقتصادية، تعمل جميع الدول المتقدمة لتوفيرها لمواطنيها ليطمَئنّوا إلى مستقبلهم ومستقبل أولادهم، وصولاً لتحقيق الأمن والرفاه الاجتماعي. وتختلف الطرق والأساليب في تأمين هذه الحقوق بحسب سياسة كل دولة، وبشكل عام تُساهم الفئة العاملة بتمويل هذا النظام حيث يُقتطع جزء من راتبها كضريبة تقاعدية، بالإضافة لمساهمة الدولة، وفرض الضرائب الأخرى بشكل تصاعدي عادل وبحسب مستوى الدخل لكل فرد في المجتمع، وصولاً لتحقيق هذا المطلب على أرض الواقع.

التشريعات القانونية للنظام التقاعدي في لبنان

هناك العديد من التشريعات القانونية للنظام التقاعدي في لبنان، أبرزها قانون الموظفين (المرسوم الاشتراعي رقم 112 تاريخ 12/6/ 1959)، الذي تضمن 106 مواد موزرعة في فصلين، تُحدّد أقسام الموظفين وشروط توظيفهم وحقوقهم وواجباتهم، من بينها المادة 68 المعدلة وفقاً للمرسوم رقم 58 تاريخ 15/12/1982 والقانون رقم 32/86 تاريخ 14/6/1986 والقانون رقم 684 تاريخ 16/3/1998، المتعلقة بإنهاء الخدمة حكماً بسبب بلوغ السن، وقد تضمنت ما يلي:

1- يحال حكماً على التقاعد أو يصرف من الخدمة كل موظف أكمل الرابعة والستين من عمره.

2- أما الذين يقومون بأعمال تتطلب جهوداً جسدية غير عادية، فيحالون حكماً على التقاعد أو يصرفون من الخدمة عند إكمالهم الستين من العمر.

أمَّا فيما خص التعويضات، فقد تضمّنت المادة 83 من المرسوم نفسه، والتي عُدلت بموجب القانون رقم 717 تاريخ 5/11/1998، ما يلي:

1- لا يستحق للموظف المؤقت المستقيل أو المعتبر مستقيلاً أو المعزول أي تعويض صرف من الخدمة.

2- يستحق للموظف المؤقت المسرح، أو الذي انتهت مدته، أو انتهى عمله، أو بلغ السن القانونية، تعويض صرف من الخدمة يعادل عن كل سنة خدمة فعلية نسبة 85% (خمسة وثمانون بالمائة) من الراتب الشهري الأساسي الأخير الذي تقاضاه.

– أمّا فيما خص المؤسسات العسكرية والأمنية، فهناك قوانين خاصة ترعى شؤونها كقانون الدفاع الوطني (المرسوم الاشتراعي رقم 102 تاريخ 16/9/1983) للجيش اللبناني، وقوانين خاصة للمؤسسات الأمنية الأخرى.

واقع الأزمة الحالية للمتقاعدين في لبنان

تنتشر اليوم حالة من الهلع والخوف بين أوساط المتقاعدين في لبنان على خلفية اتجاه السلطة السياسية لتعديل النظام التقاعدي، وبالتالي النيل من حقوقهم المكتسبة منذ زمن بعيد بموجب القوانين والأنظمة المرعية الإجراء. وتعمد هذه السلطة، عن قصد أو غير قصد، ببراءة أو بخبث، إلى طرح هذه الأفكار "التصحيحية"، من خلال توزيع الأدوار بين أركانها عبر وسائل الإعلام، ليس على سبيل النقاش، بقدر ما هو تهيئة الرأي العام لمثل هذا الإجراء، الذي (برأي السلطة) بات يستنزف المالية العامة ويُضَخّم الدين العام إلى حدود كارثية.

ومنذ بدء ترويج هذه الأفكار، انتفضت الشريحة الاجتماعية المُستهدفة "فئة المتقاعدين" (عسكريين ومدنيين)، وأعلنت رفضها رفضاً قاطعاً لأي إجراء ينتقص من حقوقها التقاعدية، كونَ "قطع الأرزاق من قطع الأعناق"، واستعدادها للاستشهاد دفاعاً عن حقوقها وكراماتها، لأنَّ مشكلة استنزاف الخزينة والفساد وتضخم القطاع العام ليس من مسؤوليتها، بل هو من مسؤولية السلطات السياسية التي تعاقبت على الحكم منذ عشرات السنين وتصرَّفت في إدارات الدولة وكأنَّها "مال سائب".

ومؤخراً، وقبل إجراء الانتخابات النيابية، قامت هذه السلطة "مشكورة" بإقرار قانون ما سمي بـ"سلسلة الرتب والرواتب" الذي ميَّز بين إدارة وأخرى في الزيادة على الراتب، بحيث وصلت نسب هذه الزيادة في بعض الإدارات المدنية إلى 125%، في حين لم تتجاوز في أخرى (عسكرية) الـ 50%، وكان تبرير هذه الفروقات هو الحجم الكبير لموظفي هذه الإدارة أو المؤسسة.

هذا الإجراء التشريعي في زيادة الرواتب أحدث شرخاً اجتماعياً كبيراً بين مؤسسات الإدارة العامة من ناحية، وبين القطاع الخاص والقطاع العام من ناحية أخرى. كما أنتج قانوناً هجيناً ومستغرباً في القرن الـ21، بحيث وَضَعَ متقاعدي القطاع العام "كبش فداء" لهذه الجريمة الاقتصادية (طبعاً إذا استثنينا القطاع الخاص وقطاع المهن الحرة)، حيث استقوت السلطة على هذه الفئة لأن "لا حول لها ولا قوة"، فهي عبارة عن "مجموعة من العجائز والمسنين والكهول غير المنتجين". كما انقضَّت على حقوقهم المفترضة بتجزئة زياداتهم (وليس تقسيطها) على ثلاث سنوات (3 دفعات)، لم تلتزم السلطة السياسية بها كما جاء في نص القانون بالدفعتين الأولى والثانية، واعترتها عملية تورية بهدف خفض قيمة الدفعات المفترضة، فيما الدفعة الثالثة والأخيرة هي الآن في مهب الريح. والأنكى من ذلك هو شرذمة هذه الفئة وعدم المساواة بين أفرادها، وذلك بعدم المساواة بين من تقاعد قبل نقاذ قانون زيادة الرواتب وما بعده، وهذا لا يمكن أن يحصل في أي دولة في العالم المتحضر، كما أنّه يناقض مبادئ الدستور وحقوق الإنسان بالعدالة والمساواة.

صحيح أنَّه يجب القيام بورشة إصلاحية منذ زمن، وبإصلاحات تشريعية لعدد من القوانين البالية والقديمة لضمان استمرار الكيان اللبناني المعرَّض للانهيار بأي لحظة نتيجة المحاصصات الطائفية والمذهبية للنخب السياسية الحاكمة، ولكن أولاً:

– هل مِن الممكن لِمَن ساهم في الخراب أن يكون هو نفسه مَن سيقوم بورشة الإصلاح؟! إصلاحٌ مِمَن؟ وعلى مَن؟

– هل سيتناول هذا الإصلاح مخصصاتهم وامتيازاتهم، وامتيازات عدد كبير من الأشخاص المحظيين التابعين والمحازبين، وكبار الموظفين الوهميين وغير الوهميين؟

– هل سيتناول الإصلاح إلغاء المحاصصة في الوظائف، والعمل على إلغاء المجالس التحاصصية في المؤسسات والإدارات بمعادلة (هيدي إلك وهيدي إلي)؟

– هل ستستمر سياسة الدعم المادي لجمعيات المسؤولين ونسائهم والمقربين المحظيين منهم لأهداف بظاهرها تنموية إنسانية نبيلة، ولكن تخفي خلفها بؤساً وفقراً وجوعاً؟ فهل يجوز لدولة مفلسة دعم جمعية للحفاظ على نسل الحصان العربي؟! أو جمعية لتزيين الشوارع بملايين الدولارات! في بلد يرزح معظم سكانه تحت خط الفقر؟! وفي أماكن أخرى هناك مَن هو عاجز عن تأمين ثمن ربطة خبز! وهل يجوز مِن مسؤول لا يعلم ما ثمن قيمة ربطة الخبز، أن يحكم ويُشرّع بهدف وقف الفساد والتدهور المالي؟!

– هل سيتناول الإصلاح إلغاء إدارات ومؤسسات في الدولة لا جدوى من وجودها ووجود موظفيها، وهي تكاد لا تعد ولا تحصى، وأقرب مثال على ذلك مصالح السكك الحديد والنقل، ومجالس إدارة النفط المفترض استخراجه (التي لا تعمل حتى الآن أقلَّه)، وعدد من المؤسسات التي تتشابه بمهامها مع مؤسسات أخرى كان الهدف من إنشائها محاصصة طائفية لضمان حق الطائفة ووجودها؟ هل سيتناول الإصلاح حيتان المال ومغتصبي الأملاك البحري والنهرية؟!….

– هل سيتناول الإصلاح مشاكل الكهرباء والمياه، والتعديات على كل منشآت الدولة، أو حتى مساءلة مسؤول أو موظف في "الدولة العلية" عن الثروة التي جمعها من راتب متواضع وسؤاله "من أين لك هذا يا هذا"؟

لم نعد نثق بتشريعاتكم، فأنتم تشرعون القوانين وأنتم أول من تخرقونها. كفى استهزاءً بعقول الناس، كفرنا بكم وبطوائفكم… فأين الإصلاحات التي وعدتم الناس بها؟ وأين المحاسبة؟

كفّوا أبواقكم عن "المتقاعدين"، فهم آخر من يتوجب التضحية بهم وبرواتبهم، وكفى إيهاماً للرأي العام، فرواتب المتقاعدين ليست منّة من أحد، هي عبارة عن اتفاق وعقد أبرم بين الموظف ورب عمله، فكل الموظفين في الدولة يسددون من رواتبهم مبالغ محددة منذ أول شهر عمل لهم في الوظيفة "تُسمى بالذمم التقاعدية"، وتودع في صندوق تقاعدي وتُحفظ له لحين إتمام الفترة الزمنية من الخدمة المحددة في القانون، فتُعطى له إما بطريقة تعويض صرف، وإما بطريقة راتب تقاعدي.

حجتكم بأنَّ المتقاعد الذي يتقاضى ما نسبته 85% من أساس راتبه الأخير كمعاش تقاعدي نسبته مرتفعة مقارنة بدول أخرى تعتمد نسباً أقل من ذلك، صحيح.. ولكن ألا تعلمون بأنَّ الحد الأدنى للرواتب والأجور في فرنسا التي تعطونها كمثال يساوي أضعافاً مضاعفة عن الحد الأدنى الذي أتحفتمونا به والمقدر بـ 675 ألف ليرة؟ بل في فرنسا وفي العديد من الدول المماثلة يوجد مؤشر للغلاء بحيث يرتفع الراتب سنوياً بحسب هذا المؤشر.

ألا تعلمون بأن المعدل الوسطي لهذه الرواتب يقارب المليون ليرة، وهو رقم قريب جداً من خط الحد الأدنى المخجل الذي وضعتموه، وهو لا يفي بأدنى الحاجات الضرورية للحياة، ما يُلزم المتقاعد بعدم التقاعد بعد انتهاء خدمته، والتفتيش عن عمل آخر لتجنب العوز، والعمل تحت ظروف صحية ونفسية صعبة، كثيراً ما تكون غير متناسبة مع سنّه ومستواه الوظيفي السابق؟

ألا تعلمون بأنَّ التعويض الوحيد الذي يتقاضاه المتقاعد بجانب راتبه المتواضع هو التعويض العائلي المقدر بـ 33 ألف ليرة عن الولد (لا يكفي ثمن علبة حليب)، و60 ألف ليرة عن زوجته؟ ألا تخجلون؟!.

كفوا أيديكم عن كبارنا (شيلوهن عن ضهركم)، وكما يقول المثل الشعبي (يلي ما الو كبير مالو تدبير ـ ويلي مالو خير لأهلو مالو خير للناس…). أتركوهم بسلام يجاهدون بما بقي لهم من هذا العمر، فهناك أماكن أخرى يمكنها أن تسد العجز في موازنتكم وماليتكم العامة. ابدأوا أقلّه بأنفسكم، فهندساتكم دمَّرت اقتصاد البلد، وسَحَلَت الطبقة الوسطى، وهَجَّرَت مئات الآلاف من الشباب بحثاً عن مستقبل أفضل ومكان يعيشون فيه بكرامة بعيداً عن المحسوبيات والاستزلام، وما بقي منهم ينتظر ويتوسل على أبواب السفارات.

جرَّدتم مفهوم "حقوق الإنسان" من مضمونه، فكل الحقوق عندكم باتت مجرَّد "حقول" قابلة للضم والفرز والقضم.. وتصبحون على وطن الحقوق…

(*) باحث في علم اجتماع المعرفة والثقافة.

(شارك هذا المقال)

One thought on “هلع في أوساط المتقاعدين من "سرقة" رواتبهم: مستعدون للإستشهاد!

  • 30 تشرين الثاني، 2018 at 6:30 م
    Permalink

    استاذي ومعلمي افتخر فيك وبآرائك
    الى المزيد من التألق

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.