موسم الهجرة.. إلى الأحلام

فيصل طالب (*)

منذ أن تفتّحت عيوننا على الدنيا ونحن نعلّل الأنفس بالآمال نرقبها، علّ فسحة العيش، بضنكه وخذلانه، تتسع لأحلام التغيير الآتي بلا ريب مع الغد الأفضل، إذا ما عملنا له بجدّ وكدّ وإخلاص!

هكذا رحنا نحلّق في فضاء الأماني والرجاء، على إيقاع زمن كان ينهض لتوّه من صدمة النكبة التي حلّت بنا قبيل انتصاف القرن الماضي، مبشّراً بوعد يلبس ثوب الورد والياسمين، ويضيء مصباح البشائرعلى برّ الأمان المنتظر، منذ أن خاض مركب النهوض، وهو في رحلة العبور من كهوف الاحتلال والانتداب والنفوذ الأجنبي إلى مشارف الحرية، غمار مغالبة اللجج العاتية ومصارعة الأمواج المتلاطمة، من غير أن يضيع بوصلته التي يقبض عليها بيد التصميم على الإمساك بالقرار الحرّ، وتحريك الدفّة باتجاه استعادة الروح إلى جسد الأمة المتداعية فرقة وفقراً وتخلّفاً واستلاباً!

هكذا أومضت منارات، وصدحت خطابات، ونهضت قامات، وأشرقت صباحات، وأزهرت شجرات، وانفتحت سدود، وانسابت جداول، وأمطرت السماء أخيراً حبّات  الخير الآتي على صهوة الخروج من كهوف الانتظار الطويل. لكنّ عهد الفرج كان عمره قصيراً، وخفقات الانتشاء بالانتصارات سكتت فجأةً، وأمارات الزهو باحتلال مكانة لنا تحت الشمس اختفت، وصيحات الفخر والاعتزاز صارت نُشُجَ  الأحزان الداهمة، ولازمة "سجّل أنا عربي" أمست جرس التنبيه للمبتلين بالمآسي والويلات، وسط الضباب الكثيف الذي أغشى على البصائر، وأقام جداراً من الوهن والخذلان!

لكن إلى متى تُترك الأشجار أوكاراً للجوارح، والسماء مرتعاً لنعيق البوم والغربان؟

إلى متى تعشّش فينا ثقافة الانهزام والاستسلام؟ هل قدر الأمة أنّها كلّما مدّت أيديها لفتح نوافذ التاريخ على الجغرافيا، والماضي على الحاضر والمستقبل، هبّت عليها ريح صرصر؟ وأنّها كلّما حاولت إقامة الجسور بين الطارف والتليد، شدّتهم إلى القعود عن غاياتها سلاسل القهر والتخلّف والخوف من الآخر؟ وأنّها كلّما حلمت بغدٍ أفضل انقلبت أحلامها إلى كوابيس مفزعة تتناغم في لحون ناعقة في ليل طويل، مسفوكة بسيوف القبائل والبطون والأفخاذ، وحماة الأنساب، وكهّان الأنصاب؟! هل قدر الحالمين في هذه الأمة أن يدفعوا ضريبة البقاء في أرضهم غربة فيها وضياعاً في شعابها وحرماناً من خيراتها، وأن يدفع الذين تمكّنوا من الهجرة أو الهروب إلى أربع رياح الأرض دماً وألماً وحسرة وبحثاً عن خلاص مستحيل في غالب الأحيان، من غير أن يتمكّن بعضهم من نيل المطالب، فيقبع على رصيف الحياة الأخرى، يهيم على وجهه، ولا يلوي على شيء!

لا، ليس قدر الأمة كذلك، لأنّها هي من تصنع حاضرها ومستقبلها، إذا ما أحسنت استحضار ترياق الأمل من كنوز الإرادة، بالسعي إلى مقاصد الديمقراطية والحرية والعدالة والمواطنة، في رحاب التنمية المستدامة للإنسان العربي أفقياً وعمودياً، أي تنمية كل إنسان وكلّ الإنسان.

لا، ليست حال الاهتراء والتفسّخ والتخلّف والتطرّف والانكسار وضياع الشخصية العربية في دغل التبعية والاستلحاق قدر الأمة ومآلها! هل نحن في هذا العالم نسيج وحدنا؟ ألم تعرف الأمم الأخرى حالاً تشبه حالنا، ثمّ انتفضت على واقعها، وأمسكت بزمامها، وتغيّرت بنتيجة ذلك المعادلات والمحصّلات؟ هل هناك مثال أدلّ على ذلك من بلاد انهزمت في حرب عالمية طاحنة، وقُصفت بقنبلتين ذرّيتين، وفقدت مئات الآلاف من مواطنيها، ثمّ خرجت من رمادها كما قام طائر الفينيق من رماده، فعادت السنونوات بعد انقشاع الغمام، وتفجّرت ينابيع الأمل بعد ظلام الشتاء وعصفه، واكتست أشجار الهزيمة بأوراق التحدّي والمواجهة والإصرار على الحياة التي تليق بأمّة عظيمة!

إنّ استشراف مستقبل الأمة، في ظلّ الظروف الراهنة التي تحيطها، والتداعيات الخطيرة التي تحدق بها، وبعيداً من مسألة نشوء الحضارات وسقوطها التي تطرّق إليها بعض المفكّرين، كابن خلدون قديماً وأرنولد توينبي حديثاً، لن يكون إلّا بتحرير العقل العربي من قهر العقل الجماعي ليكون عقلاً فاعلاً، لا عقلاً منفعلاً فقط، والخروج من مسألة الدفاع التلقائي عن الذات عند الاحتكاك بالآخر، والعودة دائماً إلى الماضي الحامي والمتّكأ الآمن من غزو ثقافة هذا الآخر، و"عولمته" التي نتخوّف من أن تطيح بثقافتنا وحضارتنا؛ إذ إنّ أمماً أخرى، كاليابان والصين وكوريا وماليزيا…، استطاعت أن تهتدي إلى تلك المعادلة الذهبية في الحفاظ على شخصيتها الثقافية وولوج العصر من أوسع أبوابه، من دون الخوف والقلق ممّا ينتج من هذا التلاقح أو التفاعل بين ثقافتين مختلفتين؛ مع التأكيد على أن الأمة التي تمتلك ثقافة روحية وفكرية عظيمة هي أمة محصّنة بالتأكيد ضد أخطار الذوبان والإمحاء في عالم الآخرين.

كذا لا تغادر الأحلام رؤانا، ولا تختبئ الأماني في كهوف النكوص والاستسلام، ويبقى النبض خفّاقاً في قلوب عامرة بالأمل، مهما ادلهمّت الظلمات، ولفحت وجوهنا ألسنة الهجير، ونالت الأشواك منّا ألماً ودماً، لتظلّ سفينة السفر إلى المستقبل في شوق دائم إلى حطّ الرحال في واحات ظليلة، لاقتناص الزخم المستدام لارتحال إلى الحضور الحيّ لهذه الأمة لا تنتهي فصوله!

الزمن الرومانسي لا يموت، بل ينسحب أحياناً إلى دفء الذاكرة والوجدان،

والحاضر المخطوف إلى صقيع العصر يمكن له أن يتحرّر.

التاريخ قياس الأحداث في الزمن، والعصر قياس الزمن في الأحداث.

التاريخ مستمر، والعصور متغيّرة!

 (*) المدير العام السابق لوزارة الثقافة

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.