من يبدأ الحرب.. أولاً؟

 رفعت البدوي /

كثيرة هي تكهنات مستقبل المنطقة في ظل الكلام عن قرب إعلان "صفقة القرن"، بعد ان طفا التطبيع مع العدو الاسرائيلي على السطح وبات أمراً عادياً، بالتزامن مع تصاعد وتيرة الاستعدادات  والمناورات العسكرية لجيش العدو الاسرائيلي التي تحاكي سيناريوهات نشوب حرب مدمرة شمال وجنوب فلسطين المحتلة، مع كل من حزب الله والمقاومة الفلسطينية، دفعة واحدة.

لكن لبحث كل الاحتمالات والتعمّق في قراءة الظروف والامكانات وقرار الحرب من عدمه، فلننظر للأمر من خارج الدائرة الضيقة.

ان "صفقة القرن" لا يمكن ان يكتب لها النجاح اذا لم تتوافر عوامل التوافق بين الفرقاء، الا من خلال النفاذ من باب تحقيق المصالح الذاتية لكل طرف،  وفي هذه الحالة فإن أي من عوامل التوافق لتنفيذ "الصفقة" لم تتوافر، أقله حتى اليوم.

واذا كان الاعتماد على مبدأ شن الحرب العسكرية ضد المعارضين لصفقة القرن، فإن أي حرب تحتاج الى عوامل عدة تجمع  قرار الحرب مع الظروف المؤاتية، وذلك  بهدف انجاح المهمة العسكرية وضمان نتائج الحرب والتأثير المباشر على مجريات الامور، حيث لا بد من وجود خاسر ورابح، لأن الرابح في المعركة العسكرية هو الذي يفرض شروطه.

لكن، بدراسة العوامل المساعدة  لشن حرب اسرائيلية يتبيّن التالي:

 في القرار

 ان قرار الحرب في اسرائيل أضحى بحكم المعطَل. أما بالنسبة لظروف الوضع الاسرائيلي، سواء على صعيد تحضير الجبهة الداخلية أو على صعيد الجبهات العسكرية، فإن العدو الاسرائيلي غير مستعد، فهو لم  يعد يمتلك جبهة داخلية متماسكة ولا جبهة عسكرية قادرة تمكنه من خوض حرب جديدة تعود عليه بالانتصار من دون دفع أثمان باهظه لا تستطيع اسرائيل تحمل تبعاتها. من هنا يمكن الاستنتاج انه لا قرار اسرائيلي بشن حرب تكلفتها فوق التوقعات وغير مضمونة النتائج.

في الظروف

ان اسرائيل بعد اسقاط طائرة El 20 الروسية في شمال سوريا لم تعد اسرائيل نفسها قبل اسقاط الطائرة الروسية. فاسرائيل لم تنجح في ترميم العلاقة مع روسيا التي كانت بدورها تتغاضى عن هجمات الطائرات الاسرائيلية  فوق سوريا الى حين حدث اسقاط الطائره الروسية، وما تبعه من تزويد سوريا بصواريخ 300S، حيث باتت الأجواء السورية بمعظمها محمية من عدوان الطائرات الاسرائيلية، الامر الذي افقد اسرائيل امتلاك المبادرة وجعلها ساعية للاعتذار والى ترميم العلاقة مع فلاديمير بوتين.

وبالانتقال إلى جبهة قطاع غزة، وتكبد اسرائيل خسائر بشرية في صفوف "لواء غولاني" ما ادى الى اعترافها بالهزيمة النكراء وبالفشل الذريع في مهمة اختراق منطقة خان يونس في غزّة، وعدم تمكنها من اختطاف احد كوادر المقاومة الفلسطينية.

ما جرى في غزة، ومفاجأة صواريخ "كورنيت" التي هزت وزارة دفاع العدو الاسرائيلي، واجبرت بنيامين نتنياهو على قطع زيارته الى فرنسا خوفاً من التداعيات التي كادت تطيح بحكومته، خصوصاً بعد اعلان وزير دفاعه افيغدور ليبيرمان عن استقالته، الامر الذي اطاح ببعض التحالفات المهمة داخل الحكومة الاسرائيلية مع التلويح بالذهاب نحو اجراء انتخابات مبكرة تطيح بنتنياهو اللاهث خلف تطبيع العلاقات مع بعض دول الخليج العربي، وهو ما هدد بنسف كل مجهود نتنياهو لتعزيز دوره الداخلي.

اذاً، كشفت حرب الايام الثلاثة في غزه الوهن الذي أصاب اسرائيل داخلياً، مدنياً وعسكرياً، كما كشفت عن استعدادات غير مسبوقة للمقاومة الفلسطينية لخوض أي حرب  مقبلة.

صحيح أن صواريخ المقاومة سببت الرعب والذهول في أوساط العدو الاسرائيلي، خصوصاً بعدما بلغت عمق الاراضي الفلسطينية المحتلة، اضافة الى اعلان المقاومة استعدادها لإطلاق صورايخ متنوعة الى مناطق ما بعد ما بعد محيط غزة.

تصريح المسؤول عن لجنة التحقيق في أسباب فشل العدو الاسرائيلي يثبت مرة أخرى ان اسرائيل اليوم  أضحت غير إسرائيل 1967 و1973، وأصبحت الآن أوهن من بيت العنكبوت.

إن طروف اسرائيل الداخلية ليست في حالة تسمح لها باتخاذ أي إجراء أو قرار من شأنه إشعال حرب في المنطقة، بهدف الهروب من الواقع الاسرائيلي نحو حرب خاسرة سلفاً قد تزيد من تشتت وانكشاف الجبهة الداخلية لاسرائيل.

ان ظهور موجة تطبيع بعض دول الخليج العربي مع العدو الاسرائيلي، هدفها التغطية على فشل اسرائيل في إبراز قوتها وتعطّل كل امكاناتها التي تمكنها من فرض أجندتها، لا سيما تنفيذ ما يسمى بـ"صفقة القرن".

صحيح أن التطبيع قد يمنح اسرائيل القدرة على تنفيذ بعض بنود صفقة القرن، بيد أن المقاومة ومحورها المتماسك، سوريا وإيران وحزب الله والعراق واليمن، وجهوزيتهم ليكونوا صفاً واحداً في اي مواجهة عسكرية مقبلة مع العدو الاسرائيلي، كفيل بتعطيل البنود المتبقية من صفقة القرن، ما يعني تعطيلها ثم إسقاطها.

ان التركيز الاسرائيلي على الاستفادة من واقع تطبيع العلاقات مع دول الخليج، وتصوير الامر وكان العرب استسلموا لواقع الاعتراف بالكيان الصهيوني كدولة "طبيعية" في المنطقة، هو أمر ظرفي مهدد بالزوال عند حدوث اي مواجهة عسكرية مع اسرائيل، خصوصاً إذا منيت اسرائيل بالهزيمة العسكرية، تماماً كما حصل في جنوب لبنان 2006.

تفضّل اسرائيل الآن الاستفادة من "موجة التطبيع" وتجيير نتائجه في الداخل الاسرائيلي أولاً، وتجييره دولياً ثانياً. لذلك فإن إسرائيل لا تفضّل خوض الحرب، بل انها تفضّل استكمال التطبيع مع العرب المنهزمين والمتآمرين على القضية الفلسطينية، والاستفادة من التطبيع على أوسع نطاق.

من هنا نفهم الاستشراس الاسرائيلي الاميركي في الدفاع عن محمد بن سلمان ونفي أي تهمة شخصية عنه تتعلق بعملية قتل جمال خاشقجي، أو في الدعوة للحفاظ على استقرار السعودية باللجوء الى ربط أمن السعودية بأمن اسرائيل.

هنا يبرز السؤال: هل هذا الواقع يعني الاستراحة من التهديدات الاسرائيلية؟

الجواب بالطبع لا، لأن اسرائيل لا تستكين أبداً، بل انها ستلجأ الى اتباع أساليب حرب أكثر ضراوة  تترك آثاراً بالغة لكن بكلفة أقل، انها حرب الاغتيالات.

ان تاريخ العدو الاسرائيلي يكشف أنه كلما شعر بالهزيمة يلجأ الى استبدال السبل والحيل، ولطالما لجأ العدو إلى تصفية كوادر وقاده لهم تأثيرهم على مختلف الساحات. والمتوقع هو قيام فرق الاغتيال المتخصصة التابعة لجهاز "الموساد" بعمليات اغتيال في كل من غزة ولبنان، وحتى في سوريا وفي الخارج، أو في أي مساحة يمكنه الوصول اليها.

يجب علينا الاقرار ان العدو الاسرائيلي وأجهزة مخابراته، مع أجهزة المخابرات الاميركية والعربية المطبعة مجتمعة، تمتلك القدرة الكافية لتحويل المعركة من حرب عسكرية خاسرة الى حرب اغتيالات لديها الخبرة فيها.

فهل يلجأ محور المقاومة إلى مفاجأة إسرائيل بالمبادرة عسكرياً، لحماية الانجازات ومن أجل تعطيل تنفيذ الصفقات الاسرائيلية ـ  العربية ـ الاميركية؟

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.