"أم الصبي" في بيروت.. أم لا تزال في جولة خارجيّة؟

ما بين الحكمة.. والمتحكّمين!

 / جورج  علم /

حضر سليمان الحكيم بحكمته، ولم تحضر أم الصبي.. هل هي في بيروت، أم لا تزال في جولة خارجيّة؟.

يجول وزير الخارجيّة والمغتربين جبران باسيل على أصحاب الدور العامرة، يسأل، ويناقش، ويطرح أفكاراً، ويعرض مواصفات… لكن التبنّي لا يزال مشروطا، ولم تكتمل معالمه بعد، لأن الترف السياسي لا يزال يؤدي رقصات مجنونة على حافتين: الوضع الإقتصادي المتدحرج بقوة نحو الهاوية، وسيف الوقت الذي يقطع أوصال الإستحقاقات الواعدة.

بلغت جولة باسيل صخور نهر الكلب، لكن أحداً لم يعرف مغزى هذه الزيارة، وعلاقة الصخور بالمأزق الحكومي، وإن كان قد أدرجها ضمن إحتفالات تياره بالذكرى الـ75 للإستقلال. ويبدو أن الحسّ الوطني قد بلغ عنده مبلغ الذروة، كيف لا، والمناسبة حماسيّة، والمكان يليق بالخطابات الشعبويّة التي تهزّ الصخور، فطالب بلوحة تخلّد ذكرى جلاء الجيش السوري عن لبنان ليصار  وضعها الى جانب لوحة الجلاء "الأم"!.

أحدث الموقف دوّياً، صفّق له "صقور" 14 آذار، فيما قابله ذهول، وقلب شفاه، في "معسكر"  8 آذار. وفاض سيل التحليل والإستنتاج من  قائل أنه تسرّع، الى قائل بأنه إنفعل ففعل، الى مستنتج بأنها إحدى "الفولات الباسيليّة" المعتادة! المهم إنه لم يلتفت وراءه، بل نفض الغبار عن كتفيه، وتقدّم بخطوات واثقة نحو الأمام لإكمال المهمة المكلّف بها من قبل رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون، مشيراً الى أن الإحتكاك بالتوتر العالي قد تقتضيه بعض أحكام الضرورة لإحداث صدمة كهربائيّة عنيفة، لكنها غير قاتلة، الغاية منها إيصال الرسائل التي لا بدّ أن تصل الى الوجهة الفعليّة، وبأسرع وقت، لتلمس ردود الفعل، ووقع الصدى!.

يعرف  باسيل جيداً من أين تؤكل الكتف. لقاؤه الأخير مع الأمين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصرالله، جاء خارج السياق المألوف، كان بارداً، تصادميّاً في بعض الأحيان، وعلى شيء من العتب. أدرك منذ الوهلة الأولى بأن " الفيتو" الذي وضعه الحزب على التشكيلة الحكوميّة المنجزة و"الموضبة" جيداً في جيب الرئيس المكلف سعد الحريري، إنما هو موجه ضد العهد، وأماني رئيس الجمهوريّة، وطموحاته في تحقيق الإنجازات التي وعد بها الناس. وإن الحزب، وفق المسار الذي ينتهجه، "إنما يضع مصالحه فوق مصلحة الدولة، والمؤسسات، والوضع المالي الإقتصادي الإجتماعي المعيشي المستنفر عند خط الإنفجار".

كان لا بدّ من قنبلة صوتية. من صوت مرتفع. من رسالة سريعة نحو دمشق للفت النظر: "ما هكذا تورد الأبل"، ولا هكذا يتم التعاطي مع العهد، ورئيسه، ومساره. "حزب الله" هو حليف صادق صدوق لسوريا، وللتحالف شروط، ومقاييس، ومعادلات، ومقاربات، وإذا كان لبنان اليوم بحاجة الى معبر "نصيب" ، فسوريا  بأمس الحاجة الى معابر الإنفتاح، وإعادة الترتيب، والتصويب، وهي في هذا الموقع تحديداً، قادرة على رسم إشارة بإتجاهين: بإتجاه اللبيب في الضاحية كي يفهم، ويعدل، ويعتدل. وأيضا بإتجاه النواب السنّة الستة لتسهيل الأمور، كونهم من أهل الدار، وعشرة الجوار!.

إستيقظت دمشق على وقع الصوت، والصدى، لكّنها لم تكترث، ولم تبادر، وعندما سئلت عن السبب، جاء الجواب: "دعوا باسيل يشتغل سياسة"!.

أدرك باسيل على الفور صعوبة المطالع. سوريا عاتبة لسببيين:

كانت تتوقع أن تأتيها السهام الجارحة من أيّ كان في لبنان، إلاّ من الوزير باسيل،  صاحب المبادرة الجريئة للإنفتاح، عندما تقصّد وزير الخارجية وليد المعلم في مقر إقامته في نيويورك في أيلول 2014، للتنسيق والتشاور، في وقت كانت فيه دمشق في ذروة التهميش، والعزل،  والتقوقع.

الثاني، من التصرّف غير البروتوكولي الذي قوبل به سفيرها في بيروت علي عبد الكريم العلي للمرة الثانية على التوالي في القصر الجمهوري في بعبدا، وبمناسبة حفل الإستقبال بذكرى الإستقلال، حيث ينسحب الرئيس الحريري من الصف ليتجنّب مصافحته، فيما يجري كلّ ذلك تحت نظر وسمع كلّ من الرئيس ميشال عون، ورئيس المجلس النيابي نبيه بريّ، من دون أن يحرّكا ساكنا. إنه بنظر العديد من السياسييّن والديبلوماسييّن رئيس وزراء لبنان، وليس النائب سعد الحريري في بيت الوسط، او في رئاسة تيار "المستقبل"!.

كان همّ باسيل أن تحدث قنبلته الصوتية قشعريرة في البدن السوري، كي يبادر الأخير  الى التحرّك لوضع الأمور في نصابها، والسعي الى رفع الحواجز، وتعبيد الطريق  أمام مسيرة العهد كي تنطلق بقوة، وزخم، ولكن!… الفجوة التي أحدثتها قنبلته في جدار الثقة، كبيرة، والجرح الذي إفتعله التصرّف اللّا بروتوكولي في القصر الجمهوري، عميق، فلا تراجع، ولا مبادرة إنقاذيّة، ولا "مرحبا يا خال"، بل تجاهل مجبول بأسئلة مصيريّة: كيف يمكن لباسيل إعادة مليون ونصف المليون نازح سوري الى بلدهم، وهو الذي راهن على الحوار مع دمشق، والتنسيق، والتفاهم، والتعاون معها لإعادة هذه الألوف المؤلّفة الى ديارها؟. وكيف بإمكانه ان يتحدث عن علاقات واعدة بالتعاون قبل أن تنطلق مسيرة إعادة البناء والإعمار؟!. وكيف له أن يتحدث عن دور تسهيلي مطلوب من دمشق لتمكين الرئيس المكلف من إنجاز مهمته، وهو الذي يرفض الحديث معها، ويدعم "ثورة الثوار" عليها، ويتجنب مصافحة سفيرها؟!. ثم كيف له أن يوقّع على مرسوم تعيين سفير لبناني جديد لدى سوريا، هو السفير سعد زخيا، في الوقت الذي يقاطع فيه الحكومة السوريّة، ويرفض التحدّث إليها؟!.

أسئلة، وأسئلة ربما بوّبها في جعبته سعادة السفير فوق العادة، المطلق الصلاحيات، والمتجوّل الدائم ما بين قصر بعبدا، وقصر المهاجرين، أو ما بين بيروت ودمشق، النائب والوزير بيار رفّول صاحب الهمّة، والمهمات الصامتة ما بين العاصمتين!.

وبإنتظار بعض الصفاء في الأفق المدلهم، شمرّ الوزير باسيل عن ساعده مرّة أخرى، وقصد عين التينة ثانيّة في محاولة جديدة لإنقاذ التشكيلة من القعر، وطرح على الرئيس نبيه برّي إمكانيّة العمل بحكمة سليمان الحكيم، إنطلاقا من أن يكون الرئيس عون هو "أم الصبي"، فيقدم على إختيار وزير من حصته ينتمي الى "كتلة النوّاب المستقليّن"، شرط أن يكون الى جانبه أيضاً، خلال جلسات مجلس الوزراء، وعند التصويت على قضايا وملفات حسّاسة.

وطلب باسيل من الرئيس برّي مساعدته، ومساندته لحمل حزب الله على الموافقة، والقبول بأن يكون للرئيس عون الثلث الضامن في مجلس الوزراء الجديد. وإذا صحّت هذه المعادلة، ونجحت المساعي المبذولة، يكون "حزب الله" قد فرض ما يريد، ويكون النواب المستقلّون الستة قد تمثّلوا في الحكومة الجديدة، ويكون رئيس الجمهوريّة قد أعطى من حصته مقابل أن تبصر الحكومة النور، وهو الذي ينتظر ولادتها منذ نيّف وستة أشهر!…

وبإنتظار وضع " النقطة عالسطر"، يبقى السؤال: هل "أم الصبي" في بيروت، أم لا تزال في جولة خارجيّة؟!..

في منتصف حزيران الماضي، أعلن قائد "فيلق القدس" التابع لـ"الحرس الثوري" الإيراني الجنرال قاسم سليماني أن "لحزب الله 74 نائبا في المجلس النيابي الجديد، وبإمكانه تشكيل حكومة مقاومة". بعد مرور نيّف و5 أشهر على هذا الكلام، هل يفرج حزب الله عن الحكومة، وهو الملاحق مع حليفه الإيراني بعقوبات أميركيّة قاسية؟.. قد لا يكون الجواب عند جبران باسيل هذه المرّة، إذا ثبت فعلا بأن "أم الصبي" لا تزال مصادرة، وقيد الإعتقال!…

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.