لبنان بين الأسود.. والأسود!

يُطلق لبنان قريباً حملة Black Everyday عوضاً عن حملة Black Friday

/ نورما أبو زيد /

ليس خافياً على أحد أنّ لبنان دخل مدار مناخات سياسية واقتصادية غير مريحة، لا بل مقلقة، ويبدو أنّ الأمور ـ لا سيّما الاقتصادية منها ـ أفلتت من يد الجميع.

صاعق "اللقاء التشاوري" فجّر تشكيل الحكومة، ومن شأنه أن يفجّر البلد، فيما لو لم يتمّ تفكيكه بتراجع واحد من طرفين: "حزب الله" وسنّة المعارضة، أو رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، والواضح أنّ المستهدف الأكبر هو رئيس الجمهورية بحصته التي هي بنظره حصة "مشغِّلة"، فيما هي بنظر بعض الآخرين حصة معطّلة.

تنشط التحليلات لمعرفة أهداف "حزب الله" من التمسّك بتوزير سنّة "8 آذار"، ويتم تفسير هذا الأمر في أكثر من اتّجاه. بعض التحليلات تحتمل الأخذ والردّ، ولكن الذي لا يحتمل الأخذ والردّ، هو أنّ الحصّة "المشغّلة" لرئيس الجمهورية داخل الحكومة، التي يحاول الرئيس ميشال عون تكريسها عرفاً، لكي تكون سلاحاً بيد المسيحيين، مرفوضة من "حزب الله" الذي يرفض تقديم أسلحة للآخرين يفتقر هو إليها، خاصةً وأنّ سلاح الميثاقية لم ينفعه، عندما انسحب "الثنائي الشيعي" من حكومة فؤاد السنيورة.

قبل أن توضع عقدة سنّة المعارضة كحجر عثرة في طريق تشكيل الحكومة، كانت العقدة الأبرز عقدة "القوات اللبنانية"، وقد قيل في حينها لسمير جعجع بصريح العبارة: "يا بتحط يا بتنط". اختار جعجع أن يبقى داخل الحكومة وفق الحصة المحددة له، لأنّ الخيار الثاني هو أن "ينط" خارج الحكومة.

اليوم تعلو أصوات، تطالب رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلّف بوضع الخيار ذاته أمام "الثنائي الشيعي"، أي أن "يحط" هذا الثنائي في الحكومة، أو أن "ينط" منها، بحجة أنّ أيّ تأخير في تشكيل الحكومة هو هرولة "إرادية" نحو الإفلاس الاقتصادي.. ولكن من يستطيع أن يقول للحزب "يا حطّ.. يا نطّ".

الأكيد هو أنّ "حزب الله" لن "ينطّ" خارج الحكومة. والأكيد هو أنّ أحداً لا يريد أو لا يجرؤ على تخيير "حزب الله" بين "الحطّ" و"النطّ". ويبدو أنّ البلد هو من سـ "ينطّ" نحو الإفلاس.

نعيش حالياً أسوأ أوضاعنا المعيشية. حجم الدين العام بلغ 150 بالمئة، وقد نعجز هذا العام عن تأمين خدمة الدين. التصنيف الائتماني للبلد في وضع كارثي. والمؤشرات الاقتصادية جميعها مقلقة. الفقر يزداد يوماً بعد يوم. والبطالة تتفاقم. والقروض المدعومة توقفت عن الناس العاديين بعدما التهمها كبار السياسيين المتموّلين.

التعليم يثقل كاهل الناس، ومثله تفعل الطبابة. وخدمة الاتصالات والانترنت هي الأسوأ في العالم والأغلى في آن. أمّا الكهرباء فحدّث ولا حرج، ومثلها المياه.

هواؤنا ملوث، وطعامنا ملوث، ومياهنا ملوثة. حتى عقولنا باتت ملوثة. وقد تحوّلنا تدريجياً إلى بلد لا ينتج إلاّ الأزمات.

في السابق كنّا نتحدّث عن صناعة وزراعة وسياحة. اليوم لا صناعة ولا زراعة ولا سياحة.

أيّ وجه يحمله لبنان اليوم؟ لا وجه له. بتنا بلداً بلا وجه. لسنا بلداً زراعياً، ولم نعد بلداً سياحياً، ولم نكن يوماً بلداً صناعياً.

كنّا مستشفى الشرق، ولم نعد كذلك، لأنّ كلّ دول الخليج سبقتنا إلى ذلك.

كنّا جامعة الشرق، ولم نعد كذلك، لأنّ دول الخليج أيضاً سبقتنا إلى ذلك.

كنّا منتجع الشرق، ولم نعد كذلك، لأنّ الإمارات العربية المتحدة سبقتنا إلى ذلك. هي تقدّمت كثيراً، ونحن تأخّرنا كثيراً.

البلد بات عبارة عن "منخل" على سطح الماء، ولذلك أي عملية "رقع" لم تعد تنفع معه، لأنّ المياه ستتسرّب إلى داخله من "الخروم" الكثيرة الموجودة في جسده.

ينبري كثيرون في تحميل العهد مسؤولية ما آلت إليه أمورنا الاقتصادية، علماً أنّ البلد لم يتحوّل إلى "منخل" إلاّ بفعل الخيارات الاقتصادية التي اتخذت على مدى 25 عاماً بعد "الطائف"، وجعلت الاقتصاد اللبناني قائماً على الريعين المالي والعقاري، وخنقت بالتالي كلّ البيئات المنتجة، وحاصرت كلّ بيئات الإنتاج الممكنة، وأفقدت الدولة السيطرة، وأدوات السيطرة الوحيدة المتاحة لديها هي على استقرار سعر صرف الليرة اللبنانية، علماً أنّ كلفة هذه السيطرة باهظة.

السواد يلفّ حياتنا كلبنانيين، ولا حاجة بنا لـ Black Friday، والأجدر بنا عوضاً عن أن نكون مقلّدين للأميركيين، أن نكون مبتكرين كلبنانيين، ونطلق حملة Black Everyday، لأننا في الأيام المقبلة لن نكون إلاّ بين الأسود والأسود.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.