مستقبل لبنان الاقتصادي رهينة أموال "سيدر 1"؟

ـ محمد شرف الدين ـ 

من الحمرا الى مار الياس وأسواق بيروت.. الشوارع مزدحمة لكن المحلات التجارية فارغة، العجلة الاقتصادية التي شهدت حركة نشطة في موسم العيد، أوقفت محركاتها وعاد الركود ليسيطر على الاسواق اللبنانية. هذا الواقع الاقتصادي السيئ والمعلن، يوازيه واقع آخر مماثل، لكن غير معلن، يطال المؤسسات المالية للدولة. كثيرة هي المؤشرات التي توحي بأن الوضع الاقتصادي في البلاد يستدعي خطة طارئة لتدارك أزمة اقتصادية قد تعصف بالبلد الأكثر مديونية في العالم، واذا كانت هذه المؤشرات بدأت بما أعلنه البطريرك بشارة الراعي في آذار الماضي أن "البلد مفلس وليتحمل الجميع مسؤولياته فبلدنا يتجه نحو الخطر"، فإن السبحة قد كرت، وكشفت عما يؤكد مخاوف الجميع، بدايةً بتوقف القروض السكنية المدعومة بين ليلة وضحاها وتفاقم الازمة التي تتطلب وضع حل مؤقت، وصولاً الى تقرير صندوق النقد  الدولي الذي خلص الى أن الوضع الاقتصادي في لبنان لا يزال صعباً في ظل ارتفاع مستوى الدين العام، والعجز المزدوج، وضيق الأوضاع المالية. الامر الذي يستدعي إجراء تصحيح مالي فوري وكبير لتحسين القدرة على الاستمرار في تحمل الديون، وهو أمر لن يتم من دون توافر التزام سياسي قوي ومتواصل يصب تركيزه على مكافحة الفساد ووقف الهدر ومحاسبة كل من تسبّب في تدهور الحالة في لبنان.

واذا كان في تقرير صندوق النقد الدولي ما يدعو للتفاؤل، فهو اشادته بمصرف لبنان و"الدور الحيوي الذي يقوم به في جذب تدفقات الودائع الداخلة وفعاليته في إدارة الوضع الصعب الذي يواجهه". لكن على أرض الواقع يعتبر خبراء اقتصاديون أن ما يقوم به حاكم مصرف لبنان ما هو الا محاولات لتأجيل وقوع المصيبة عبر هندسات مالية تعزز وضع المصارف عبر تأمين دعم لخزينة الدولة بواسطة السندات التي تقدّمها المصارف بفوائد مرتفعة تساهم في تضخم حجم الدين العام أكثر وأكثر، فالدين العام لهذه السنة ـ بحسب الاحصاءات ـ سيرتفع نحو حدود المئة مليار دولار بعد اضافة القروض الميسرة التي منحها مؤتمر "سيدر 1" للبنان والبالغة قيمتها حوالي 11 مليار دولار! وفي العام 2017 بلغ عجز الموازنة 4 مليار و200 مليون دولار وهناك احصاءات تشير الى ارتفاع العجز في العام 2018 الى اكثر من 6 مليار دولار.

أين يسكن اللبنانيون؟

قد يكون القطاع العقاري في لبنان قطاعاً عجائبياً، بالرغم من الخضات الأمنية والسياسية المتواصلة، التي انعكست ضعفاً في اقبال الاستثمارات الاجنبية على القطاع العقاري اللبناني، وتدني متوسط الأجور اللبنانية التي تحول دون قدرة اللبناني على شراء عقار، لا تزال الأسعار من بين الأغلى في المنطقة! ولأن المصارف التجارية تفرض شروطاً قد تكون تعجيزية للحصول على قرض سكني، واذا حصل عليه تكون الفوائد مرتفعة جداً، وشروط السداد قاسية جداً، لا أمل للبناني بتملك بيت سوى عن طريق المؤسسة العامة للاسكان. فجأة، توقفت القروض السكنية المدعومة، وقضت على أحلام الالاف من الشباب. تدخل كل من وزير المال علي حسن خليل وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة أضف الى وزير الشؤون الاجتماعية بيار بو عاصي، يتقدمهم رئيس الجمهورية ميشال عون، لإيجاد حلّ عاجل وتيسير حال الملفات العالقة. وهذا ما حصل، تيسّرت القروض العالقة للحاصلين على موافقات مسبقة من المصارف وحلّت أزمتهم، لكن ماذا عن الشباب الذين ينتظرون تملك سكن لهم؟

بعد تنصّل مصرف لبنان من مسؤولية دعم قروض الاسكان، وانتقال المسؤولية الى يد الدولة، أصبح القطاع بانتظار تشريع قانون يدعم الفوائد من قبل الدولة، لكن لا بوادر حلول قريبة كون البلاد في مرحلة مشاورات نيابية لتشكيل الحكومة، وبعد تشكيلها، يمر "الحل" بمراحل عدة، أولاً تُطرح الخطة على جدول أعمال مجلس الوزراء، لتنتقل الى اللجان النيابية ويقدّم فيها قانون، بعدها يصوّت عليه. الأمر الذي يتطلب وقتاً، ما دفع البعض للمطالبة بوزارة للاسكان، كي لا تبقى الوعود وعوداً، في الحكومة المقبلة، اسوة ببعض الدول العربية والاجنبية، ونظراً لأهمية القطاع العقاري في لبنان. لكن يبقى الأهم من انشاء وزارة للاسكان، أن تعطى صلاحيات تسمح لها بالعمل بالشكل المطلوب، والا تحولت عدداً اضافياً، لا قيمة مضافة، في سجلات الحصص الوزارية مثل وزارة مكافحة الفساد وشؤون المرأة والنازحين.

أموال "سيدر 1".. متى؟

اذا كان حل مشكلة الاسكان بوزارة أو بقانون، فباقي مشاكل البلاد تنتظر أموال "سيدر". والسفير الفرنسي المفوض متابعة ملف "سيدر" بيار دوكان أكد أن الأموال آتية، لكنه ينتظر تشكيل الحكومة، وفور ولادة الحكومة سيكون في بيروت من اجل إنجاز المهمة. لكن الحديث الذي سبق مؤتمر "سيدر" عن ضرورة انجاز الحكومة اللبنانية لاصلاحات مقابل حصولها على الدعم لم يكن مجرد تهديد، اذ يوجد نية اوروبية فعلية لمتابعة هذه الاصلاحات، واذا اظهرت الحكومة اللبنانية تقاعساً في تحقيق هذه الاصلاحات، التمويل سيتوقف.

وعند الحديث عن الاصلاحات، يدخل الاوروبيون في تفاصيل دقيقة. فعلى سبيل المثال، ترى الدول المانحة  ان قطاع الكهرباء يستنزف أموال الخزينة اللبنانية، وإذا حصل تقصير في تنفيذ الإصلاحات في الكهرباء لجهة تعديل التعرفة وتأمين التيار 24 ساعة، سيكون مشروع الإنفاق الاستثماري في مجمله، والذي أقرّ في سيدر، في خطر.  وعلى صعيد دائرة الجمارك، تطالب باصلاحات لوقف التهريب الرديف للاستيراد الشرعي، بالاضافة الى البطء في استقبال البضائع، اذ ان إرسال مستوعب من فرنسا الى لبنان يستغرق سبعة ايّام، لكن هذا المستوعب يبقى مدة شهرين في المرفأ قبل إخراجه، علماً ان هناك دراسة حول هذا الموضوع، تقضي الى جانب وقف الفساد في هذا القطاع، بتحسين المداخيل للخزينة، من خلال زيادة بعض الضرائب وتحسين جباية الضرائب.

"ورقة" اللاجئين

قبل تشكيل الحكومة وبدء رصد هذه الاصلاحات، تبدو بعض تصرفات الحكومة الحالية متسرعة من دون الاخذ بعين الاعتبار انعكاسات هذه التصرفات على الوضع الاقتصادي والتمويل الاوروبي المنتظر، المقصود هنا القرار الذي اتخذه وزير الخارجية جبران باسيل بوقف تجديد الاقامات لموظفي المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في لبنان، على خلفية "سياسة الترهيب" التي تتبعها المفوضية للابقاء على اللاجئين السوريين داخل الاراضي اللبنانية.

لا يكفي أن باسيل يتخطى صلاحيات وزارته، فالقرارات المتعلقة بالإقامات ومنحها وتوقيفها، هي من اختصاص وزارة الداخلية، الا أن باسيل وفي محاولته للتأكيد السيادة اللبنانية قد يؤدي الى تغير في المزاج الأوروبي المانح. كيف لا، والرابط بين المفوضية العليا لشؤون اللاجئين واضح ويتجاوز رابط علاقة العضوية مع الأمم المتحدة، فالعلاقة بينهما علاقة خاصة على اعتبار ان أوروبا تولي هذا الملف اهتماماً استثنائياً، وهذا أمر معروف يرتبط بمصالح الاوروبيين ومخاوفهم من موجات النزوح في اتجاه دولهم. كما ان الطبيبة ميراي جيرار ممثلة المفوضية في لبنان، والتي يجري الحديث اليوم عن عدم تجديد اقامتها بهدف اجبارها على مغادرة البلد، هي فرنسية، وتحظى بعناية واحترام السلطات الفرنسية.

وهنا يُطرح السؤال، هل يمكن الاستمرار في تنفيذ مقررات مؤتمر سيدر، في حال دخل لبنان الرسمي في وضعية صراع مع الاتحاد الاوروبي، ومع فرنسا تحديداً، التي لعبت دور رأس الحربة في انعقاد المؤتمر وحشد المشاركين فيه، لمساعدة لبنان؟ وهل ان مشاريع البنى التحتية التي تستهدف توفير فرص عمل للبنانيين والسوريين النازحين في آن، وهذا الأمر مُعلن بوضوح من قبل بعض المانحين، ستبقى قائمة في حال تصاعد الخلاف مع مفوضية اللاجئين؟

موسم سياحي واعد

وعد وزير السياحة في حكومة تصريف الأعمال أواديس كيدانيان اللبنانيين بموسم سياحي ناشط صيف 2018، متوقعاً أن يكون هذا العام من أفضل السنوات على صعيد عدد السياح، ومستنداً في وعوده إلى النشاط الترويجي الذي قامت به وزارة السياحة، والذي سلط الضوء على كثير من المناطق التي تنعم بطبيعة خلابة، وتستحق أن تكون من أبرز الوجهات الواعدة، فضلاً عن الترويج لمعالم سياحية تمتد من شمال لبنان إلى جنوبه، تجذب عدداً كبيراً من الزوار من كل أنحاء العالم في ظل الاستقرار السياسي والأمني الذي ينعم به لبنان منذ فترة، بالاضافة الى عودة السياح الخليجيين نتيجة توجّه دول التعاون الخليجي لرفع الحظر عن مجيء رعاياها منذ عام 2013، والإسراع في تشكيل الحكومة، على أن يعلن عن القرار بعد تشكيلها. كما يتوقع ارتفاع عدد السياح الاوروبيين إلى لبنان، إذ سينمو بنسَب أكبر في العام 2018، لأنّ لبنان أصبح ضمن برنامج الرزمات السياحية للعام 2018 في شركات السياحة والسفر في كلّ من المانيا وفرنسا وبريطانيا. وككل عام، يستعد موسم المهرجانات الصيفية للانطلاق من بيت الدين إلى بعلبك، ومن جبيل إلى إهدن، ومن الزوق وجونية والبترون وصولاً إلى صيدا وصور..

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.