الياس بو صعب.. السهل الممتنع

ـ نورما أبو زيد ـ

هو نمر، ونسر، ونبيل، ونبيه، ونظيف، وناجح، ونجم.. ونيزك.

"إشعاعه" يحلّ أينما حلّ، وأولى "إشعاعاته" سطعت مع تأسيسه الجامعة الأميركية في دبي، وهو في عمر المكوث على مقاعد الدراسة (27 سنة)، لا في عمر التخطيط لتحسين مستوى الدراسة.

الرجل الذي تميّز بمهاراته التفاوضية مع الجامعة الأميركية عندما أُعطي "الضوء الأخضر" من حاكم دبي، الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وحقّق كبرى النتائج وهو في سنّ صغير، يقف دائماً عند الإشارة الصفراء، استعداداً للانطلاق نحو مهمات تفاوضية كبيرة، سواء في التعليم، أو في السياسة. وكما ساهم من موقعه كرئيس تنفيذي في الجامعة الأميركية في دبي، في نسج سلسلة من الشراكات مع كبرى الجامعات الغربية في محاولة لردم الهوة بين الشرق والغرب، إيماناً منه بأهمية تعزيز الانسجام والتفاهم بين الثقافات المختلفة، يسعى بشكلّ مستمر من موقعه كمستشار لرئيس الجمهورية، لردم الهوة الفاصلة بين "شرق" لبنان و"غربه"، وقد سطع نجمه عندما كاد البلد ينزلق نحو "حرب" بين "شرقية" و"غربية" جراء "زحطة" وزير الخارجية الكلامية.

"إطفائي الجمهورية" الذي يُتقن إخماد الحرائق السياسية، يُجيد بناء الجسور بين الضفاف المتقابلة والمتقاتلة، وعليه، لم يقع اختيار الرئيس ميشال عون عليه بالصدفة ليكون مستشاره لشؤون التعاون الدولي، علماً أنّ أدواره الداخلية تكاد تتفوّق على أدواره الخارجية، رغم تفوّقه أساساً في كل ما هو خارجي، وحيازته على أوسمة ونياشين وإشادات وشهادات تقدير، إحداها من الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون، كعربون شكر له على الجهود التي بذلها لتطوير مسيرة التعليم.

بو صعب الخارق، أثبت بالتجربة أنّ بمقدوره اختراق التشنّجات بأريحية، لأنه صاحب فكر وحدوي، وقد ذهب في حبّه للوحدة إلى حدّ توحيد الاحتفال بعيد الفصح في بلدته ضهور الشوير بين كنائس البلدة الأرثوذكسية والكاثوليكية والمارونية، عبر اتّباع التقويم الشرقي، "ليصل الصوت إلى روما واليونان وروسيا" كما عبّر، مصدّراً بذلك رسالة وحدة إلى دول العالم التي تتصارع باسم الدين.

بو صعب الوحدوي الذي استبق الإكليروس في إعلانه "كنيسة المسيح الواحدة"، استطاع أن يوحّد اللبنانيين مسيحيين ومسلمين على محبّته يوم كان نجم السرايا الحكومي دون منازع، بفعل عصريته وخفّة ظلّه. فـ "التعطيل" كان طريق الوزير "المنتج" إلى القلوب، ولو كان مارونياً لشقّ التلامذة له طريقاً إلى بعبدا.

ابن ضهور شوير العليّة، يشبه بلدته في السمو والارتفاع والترفّع. وفي الوقت الذي تفتخر فيه الشوير بـ "تصدير" أفضل ما لديها للبنان والعالم كما يعبّر أهلها، يفتخر هو بالأرض التي صدّرته إلى لبنان والعالم، ويردّد دائماً: "من هون انطلقت. ولهون رجعت. ومهما روح، هون رح ضل"، وأولى نجاحاته اللبنانية "صدّرها" من بلدته، حيث قدّم نموذجاً للعمل البلدي لم يسبقه إليه أحد، وقد لا يتبعه فيه أحد، لأنّه ليس فقط "بو صعب"، بل "سهل ممتنع" لا يمكن تقليده أو مضاهاته.

في نجاحاته "البلدية"، جعل "الريّس" بو صعب من ضهور الشوير عروس المصايف و"المشاتي"، بعدما حوّلها إلى بلدة نموذجية "يحكمها" عاقل في "العصفورية اللبنانية".

فرغم أنّه كان يقوم بأعماله البلدية”par correspondence”، كونه كان يعيش على متن طائرة تنقله من دبي إلى بيروت، ومن بيروت إلى دبي، حلّق في سماء الإنجازات، وأمّن لبلدته الكهرباء والماء 24 على 24 و7 على 7، و"صدّر" بذلك نموذجاً ناجحاً للدولة العاجزة التي ما تزال حتى يومنا هذا "تستورد" الكهرباء من سوريا وتغرقنا في عتمتها، وعندما غمرتنا الطبقة الحاكمة بنفاياتها عام 2016، سارع إلى إنشاء محرقة في بلدته.

في ملفّ إنجازاته البلدية، لم يكتفِ بو صعب بتحويل بلدته إلى مشتهى لكلّ اللبنانيين، بل جعل من ثانوية الشوير التي كانت أول مدرسة لبنانية تعتمد الصف الرقمي التفاعلي، مقصداً ينتقل إليه طلاب الشوير وكلّ القرى المحيطة دون تردّد، بعدما نجح في تعزيز مستواها، لتضاهي بذلك المدارس الخاصة الموجودة في المنطقة، مصدّراً بذلك رسالة ثالثة من بلدته، تقول إنّ إعادة تفعيل التعليم الرسمي ممكنة.

"ابن الضيعة المربّا عالوفا" كما يصف نفسه، يلمس وفاءه أهل ضيعته في كلّ تفصيل من تفاصيل حياتهم. في ضهور الشوير تتعدّد صفاته وألقابه، والملفت أنّ هناك من يسمّيه "شفيعنا"، لأنّ شفاعته تبدأ من التعليم في لبنان ودبي، وصولاً إلى العمل في لبنان ودبي وغير دبي، مع ما تختزنه المرحلة الفاصلة ما بين العلم والعمل من خدمات لا يبخل بها، علماً أنّ "شفاعة" الرجل الأصيل "المربّا عالوفا"، تشمل كلّ من يقصده متعشّماً بهذا "الوفا"، سواء كان قريباً يعرفه من الشوير، أو غريباً لا يعرفه من خارج الشوير، وقد سبق له أن "استغلّ" رصيده الكبير بالعمل على "انتشال" موافقات على الإقامة في دولة الإمارات العربية المتحدة للبنانيين لا يعرفهم ولا يعرفونه في "زمن الحظر" على اللبنانيين، انطلاقاً من إنسانيته التي تشعّ من ثنايا وجهه، دون أن يمنّن "المشفوعين" بـ "شفاعته" بكلمة واحدة، علماً أنّ بعض الحالات كانت تكلّفه عمل شهور ثلاثة بشكل يومي.

في الكلام عن إنسانية بو صعب يطول الحديث ولا ينتهي، ولعلّ "عملية الإنزال" على مجلس الوزراء، التي نفّذها على طريقة "الكومندوس" مع والدة الملازم أوّل الشهيد نديم سمعان، هي خير دليل على إنسانيته التي تتخطّى كلّ الحواجز، بما في ذلك تلك السياسية والأمنية، فقط لأنّه ضعف أمام دمعة ذرفتها "أمّ نديم" بحرقة، جراء عجزها عن إيصال صرختها إلى حكومة تمام سلام، فكان أن خرق البروتوكول لأجلها، ووضع نفسه في مواجهة حكومة بأكملها بوضعه لها وجهاً لوجه مع الحكومة، بعد أن منحها صفة "مساعدته"، ليدخلها إلى السرايا الحكومي، مثبتاً بذلك صحّة المقولة التي تقول: "كثيرون على قيد الحياة.. قليلون على قيد الإنسانية" وهو طبعاً من هؤلاء القلائل الذي يشرّفون قيود الإنسانية. فهذا اللبناني العربي والعروبي الذي انتخب ذات يوم رئيساً لاتحاد الطلاب العرب في لندن،  هو عالمي المنتهى لأنّ الإنسان أينما كان هو غايته.

رغم أرثوذكسيته، اقترن بو صعب بـ "التيار الوطني الحرّ" في زيجة مارونية. وبما أنّه المثقف والمجتهد والمثابر و"المحبوب" الذي لا يمكن الاستغناء عنه، بقي هو في قلب "الشرنقة العونية" التي أحاطته بخيوط دقيقة نُسجت لحمايته، عندما كان لا بدّ من الاختيار بينه وبين مستشار رئيس الجمهورية للشؤون السياسية جان عزيز، الذي خرج من القصر كخروج الفراشة من الشرنقة.

صحيح أنّ بو صعب انتمى سابقاً إلى جيل شباب "قصر الشعب"، ولكنّه ينتمي راهناً إلى طبقة السياسيين الرأسماليين الذين دخلوا حديثاً مضمار السياسية، وصحيح أنّ أسماء كثيرة في هذه الطبقة "بتقرّف"، ولكن هناك أسماء "بتشرّف"، والياس بو صعب هو أحد الرأسماليين القلائل الذين تتشرّف المناصب السياسية بهم قبل أن يتشرّفوا هم بها.

الياس بو صعب هو اسم أكبر من كلّ الألقاب التي حظي بها، وهو الرجل المناسب في كلّ الأمكنة، ومع أنّ الشجرة المثمرة ترمى عادة بحجر، لم يجرؤ أحد على رميه بغير الكلام الجميل، وسبق لزوجته الفنانة جوليا بطرس أن "رشقته" بأغنية تقول كلماتها: "إنت أحسن ألطف أنضف أشرف إنسان بلاقيك.. إنت أريح أفصح أنجح مين مش شايف حالو فيك"، مؤكدة بعاطفتها الفائضة نحوه، أنّ الرجل الصالح داخل بيئته الصغيرة، هو رجل صالح داخل بيئته الكبيرة.

رغم نجاحاته المدوية في كلّ المناصب التي أسندت له، لم ينجح بو صعب في تحويل أزمة النزوح السوري إلى فرصة من موقعه كمستشار رئيس الجمهورية للشؤون الدولية. فهل انشغاله ببناء الجسور الداخلية، منعه من الانصراف إلى بناء الجسور الخارجية بالشكل المطلوب؟ أم أنّ الوقت الذي أُعطي له حتى الآن ليس كافياً لإيجاد حلول لأزمة كبيرة بحجم أزمة اللاجئين السوريين؟!

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.