هل يمكن "سرقة" التأليف؟

ـ خضر طالب ـ

ماذا لو قرّر سعد الحريري إدارة ظهره والاعتذار؟

هل هذا الاحتمال وارد؟

يؤكّد قطب سياسي واسع الاطلاع لـ"الرقيب" أن سعد الحريري لا يُحسد على وضعه. حجم الضغوط التي يتعرّض لها كبير جداً ومن كل الاتجاهات، من حلفائه وبيئته السياسية قبل خصومه. ويشير القطب إلى أن الحريري ما يزال صامداً لقناعته أن الظروف الموضوعية تسمح له بسقف زمني مقبول من الصبر، خصوصاً أن الأطراف الأساسية ما تزال مقتنعة بتكليفه..

لكن الحريري الذي يدرس حسابات كثيرة، يراهن على أن لا تطول فترة نضوج الظروف التي تسمح له بتأليف الحكومة. ثم إن الحكومات الثلاث الماضي احتاجت كل منها نحو ستة أشهر للتأليف، فلماذا مطلوب منه اليوم تأليف الحكومة بسرعة، وفي ظل ظروف وتعقيدات كثيرة تجعل عملية التأليف أكثر صعوبة مما كانت عليه في الماضي، خصوصاً أن هناك تشابكاً بين التعقيدات الداخلية والتعقيدات الخارجية.

يمكن للحريري ببساطة أن يؤلف حكومة، لكنها لن تكون الحكومة التي يريد، وبالتالي سيكون عمرها قصير ولن تكون قادرة على مواكبة الاستحقاقات الكثيرة التي ينتظرها لبنان، خصوصاً بالنسبة لمواجهة التحديات المالية والاقتصادية، وكذلك التفاعل مع نتائج مؤتمر سيدر ـ 1 الذي يشكّل نافذة إنقاذية للواقع الاقتصادي والمالي للبنان، فضلاً عن أزمة النزوح السوري التي تتفاقم وتهدد بتداعيات كثيرة.

ربما لهذه الأسباب، يدرك الحريري حاجة جميع الأطراف إلى وجوده على رأس الحكومة، ولهذا فهو يتعامل مع عملية التأليف بمنطق هادئ بعيداً عن الانفعالات التي قد تؤدي إلى خسارة أي من أوراق قوته.

ويبدو أن حزب الله، في المقابل، يتعامل مع تكليف الحريري باعتباره حاجة في هذه المرحلة، ويبدو أنه يتفهّم "الظروف الموضوعية" التي تقف عائقاً أمام مهمة الحريري في تأليف الحكومة، وهو تَفَهُّمٌ كان يفترض أن ينسحب على قوى سياسية أخرى حليفة للحزب، إلا أن صمت الحزب يفسح المجال لهذه القوى بملء الفراغ السياسي وبرفع سقوف المطالب والطموحات التي لن يكون لها ترجمة في الوقت الراهن طالما أن التأليف مؤجّل.

ومع أن رئيس الجمهورية كان مستعجلاً تشكيل الحكومة، ومارس نوعاً من الضغط لاستعجال الرئيس المكلّف، إلا أنه يبدو عاد وتفهّم ظروف الحريري وما يتعرّض له، وحرصه على تشكيل حكومة تستطيع الانطلاق بورشة عمل تحقق طموحات العهد.

على هذا الأساس، سيبقى السجال محتدماً بين التيار الوطني الحر وبين القوات اللبنانية، ثم بين وليد جنبلاط وبين طلال أرسلان، ثم من قبل النواب السنّة من خارج تيار المستقبل…

هل هذا يعني أن الحكومة لن تبصر النور قريباً؟

يسجل مراقب سياسي ثلاث إيجابيات قد تؤمّن "لحظة ميتة" لـ"سرقة" تأليف الحكومة:

الأولى، تتمثّل بالاتفاق الذي حصل بين المملكة العربية السعودية وإيران بشأن تشكيل بعثة رسمية إيرانية ستتابع شؤون الحجاج.

الثانية، تتمثّل بالاتفاق بين المملكة العربية السعودية وإيران بشأن زيادة إنتاج النفط، وهو اتفاق مهم جداً للبلدين.

الثالثة، التفاهمات التي يصوغها السيد مقتدى الصدر مع أطراف سياسية حليفة لإيران في العراق من أجل تشكيل الحكومة العراقية، وهي اتفاقات إذا استكملت ستتجاوز عملية إعادة الفرز للانتخابات النيابية في بعض المناطق.

قد تكون هذه الإيجابيات، فرصة لصياغة تفاهم حول الحكومة في لبنان، وإن كانت أي محاولة جدية لم تظهر بعد في هذا السياق، ربما لأن التفاهمات في العراق لم يكتمل نضوجها بعد.

في المحصلة، يبدو أن لبنان محكوم بالانتظار الثقيل، في ظل تصاعد المخاوف الاقتصادية والنقدية، وفي ظل السعي لاستثمار نتائج مؤتمر سيدر في عملية الإنقاذ الاقتصادية، وهذا ما يبدو أنه يشكّل أحد أوراق القوة التي يملكها الرئيس سعد الحريري لمواجهة الانتقادات والدعوات لاعتذاره.

الأكيد أن الحريري لن يتأثّر بتلك الدعوات، لأنه يعرف قوة الأوراق التي يملكها، ولأنه يعلم أن الأطراف الأساسية في البلد متمسّكة به وبموقعه ودوره.. بالرغم من أن "البدلاء" الذين يروّجون لأنفسهم يحاولون تقديم أوراق اعتمادهم داخلياً وخارجياً.

لكن، ماذا لو قرّر الحريري الإنكفاء والاعتذار؟

الأرجح أن هذا الخيار ما زال خارج التداول إلا في حسابات بعض الطامحين للحلول مكانه، في حين أن الحريري ماضٍ في تكليفه ومهمته، وهو ينتظر التوقيت المناسب لتقديم حكومته التي يملك تصوراً كاملاً عن شكلها وتوازناتها وتوزيع حقائبها والكثير من أسماء وزرائها.

ماذا عن الشروط والمطالب والطموحات للقوى السياسية؟

الأكيد أنه عندما يصبح قرار تأليف الحكومة قيد التنفيذ، ستصبح تلك الشروط من الماضي، وسيعلن كل طرف أنه "يقدّم التضحيات والتنازلات من أجل تسهيل تأليف الحكومة".. وحتى ذلك الوقت، لا بأس من بعض الاستعراضات التي تملأ الفراغ السياسي في البلد.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.