الانفصام اللبناني وسوء النيّة.. و"التطهير العرقي"!

المحامي الياس عقل خليل

من المحاكمات البارزة في التاريخ، تلك التي وقف فيها غاليليو أمام ديوان التفتيش عام
1616، وخيّره الديوان بين التراجع عن آرائه العلمية والاقرار بأن الارض هي مركز الكون وثابتة وأن الشمس تدور، وبين العقوبة رضخ العالم وتراجع عن رأيه العلمي، لكنه تمتم وهو يستوي من الجثو على ركبتيه "Epur Si Muove"، أي "هي مع ذلك تدور".

سأستعين بهذه المقدمة كي أنفذ الى الفكرة الرئيسية، وهي ان اللبنانيين شعب يعاني انفصاماً حاداً من مظاهر انفصام شخصية اللبناني ان لسانه في مكان وقدميه في مكان آخر، وذلك ان استمعت الى الخطاب السياسي في الحكم وفي المعارضة، ووقفت على آراء الأكاديميين، وان قرأت ما ينشط الصحافيون ومالئو الصفحات الثقافية في الاعلام للدعوى اليه، وجدت اجماعا او شبه اجماع على فصائل النظام السياسي الموحد للبنان.

حتى ان انصرم يوم عمل هؤلاء في الحض على الوحدة، وهمّوا بالعودة الى محلّ سكنهم، انسابوا الى كنف رقعة من العاصمة او لبنان تحمل لون الطائفة او المذهب الدين يقاومونه نهاراً ويستكينون اليه ليلاً.

ما هي أسباب هذا الانفصام؟

ما من شيء ينطلق من فراغ. لهذا الانفصام في الشخصية اللبنانية ما تستند اليه في الموروث الوطني، وطننا بلد سمته الاساسية التعدد الطائفي فيه، والتعدد يختزن الاختلاف والاختلاف يفجر الخلاف الذي يحدو بالقوي الى القمع ويستعلي على من هم دونه.

في المقابل نرى الضعيف يقاومه بالتملق والمداهنة بالباطنية، والتقية هي قاعدة لا استثناء فيها في تاريخ البشرية، لم تخرج عنها الا المجتمعات الغربية، وحتى هنا، حزئيا فقط.

منذ قرنين ويزيد، بتأثير من فلسفة عصر الأنوار التي أعلنت ان لكل انسان ـ من دون استثناء ـ قيمة بذاته ليست مضافة اليه في الخارج، من انتماء ديني او طبقي او درجة علمية او ممثل اجتماعي او اي تمييز كان.

في التجربة، الغربة المشادة على فصل السلطات، ينبثق حكم القانون الذي يفصل في الخلافات وينشر العدل باللجوء الى محكمة موضوعية متجردة عادلة، مستعينة باجراءات سريعة وموضوعية لا تضع عقبات تحول دون اللجوء اي كان، فرداً او جماعة، مهما علا وضعه وهانت منزلته اليها.

حذر المجموعات وتربعها في لبنان لا يحيط بكل ابعاد المأساة اللبنانية، لو كان الحذر الدافع الوحيد لاكتفت كل طائفة باقفال أبواب حصنها ولرفعت جدران اسوارها. لكن الى جانب التربص والحذر، هناك الطمع، طمع كل طائفة بحقوق الآخرين، فكل طائفة تسعى إلى نشر نفوذها على حساب اقرانها، والدولة الموحدة، حيث لا توجد حواجز دستورية، تبقى الإطار الأمثل لنشد السيطرة والغلبة والاعتراف من المغانم على حساب الآخرين ومن نصيبهم.

الطائفة التي تشاء هضم حقوق سائر الطوائف، تسعى الى ازالة كل حاجز دستوري يحول دون تحقيق هدفها. ألم يكن هذا دافع المسيحيين وراء انشاء دولة لبنان الكبير؟

ألا يجد دعاة الجمهورية الاسلامية في الدولة الموحدة أداة لتحقيق هدفهم على كل لبنان؟

أمن المستبعد أن يصرّ دعاة الدولة السنية المناسبة على وحدة لبنان كي يخضعوه بأسره الى رؤياهم؟

ثم هناك دافع خاص بالمسيحيين، مسيحيي لبنان، ان يتمتعوا بلون من الحكم الخاص والاستقلال الداخلي في القرون الاخيرة، بقوا منذ الفتح الاسلامي لهذه المنطقة في العقد الرابع من القرن السابع وحتى نهاية الحرب العالمية الاولى، في كنف الخلافات الاسلامية ـ باستثناء عقود قليلة، هذه الذمّية باتت بعضاً من نسيجهم لا حيلة لهم من جرائها بتصّور حكم خارج مشاركة اسلامية.

فحتى حين انقاد الفرنسيون لهم وأقاموا لبنان الكبير، لم يستطيعوا تصوّر الحكم بالانفراد اذ لا بدّ من وجود مسلم يشاركهم السلطة لاستحواذ شرعيتها منه، والا فقدت السلطة شرعيتها.

غير ان المسيحيين حرصوا ان يكون الشريك المسلم المنشود رمزاً منزوع السلطة، وهذا كان الارث السياسي الذي طبع الحكم في لبنان طوال الفترة السابقة لاتفاقية الطائف.

لهذا الانفصام، وفي ثناياه الخوف والطمع وذمّية المسيحيين، مفاعيل عانى لبنان وسيعاني على الدوام منها، ما بقيت تنشد الحياة السياسية في لبنان بين حروب من جهة وأزمات من جهة أخرى. الحروب تنتهي لتبدأ بعدها فترة أزمات تؤسس بدورها لحروب وكراهية ودمار، نعود بعدها لسلم متأزم وتبدأ الدولة من جديد.

يأخذ التوتر الدائم وسوء النية اشكالاً عدة، منها قوانين جائرة لمصلحة طائفة تنتهي بمجلس تشريعي يصدر القوانين خدمة لها ولحلفائها وليس لمصلحة وطنية جامعة. عن المجلس المشوه تنبثق حكومة تبني إدارة، تستأثر الطائفة المسيطرة بالمغانم الوظيفية والديبلوماسية والقضائية والالتزامات والصناديق والتعويضات، وتلقّي بالغرم على الطوائف الاخرى من خراب ومكوس وجبايات واقصاء عن المنافع.

لا بدّ ان يؤدّي الاقصاء والاجحاف الى افقار الطوائف المستثناة وحشرها في حدود الفاقة، دافعة اياها الى الهجرة، فتنتهي الى تطهير عرقي سليم.

ما هي نتائج هذه السياسات على لبنان واللبنانيين؟

للحديث تتمّة.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.