الثقافة السياسية.. بمواجهة الهيمنة الفكرية

بسام ضو (*)

يعتبر العلم السياسي أنّ التثقيف السياسي عملية متكاملة ضمن العملية التنموية الشاملة للشعوب، ومن جوانبها المهمّة التنشئة السياسية أو ما يُعرف بـ"التثقيف السياسي"، الذي تؤدّيه في الدول المتطورة مجموعة من الباحثين ومؤسسات فكرية معروفة ومشهود لها بالعلم والإحترم وحُسْن الأخلاق… كما يعتبر علم السياسة أنّ وسائل الإعلام هي من أهم مؤسسات التثقيف السياسي، نظرًا للدور الذي تلعبه في تنمية وتنشيط الثقافة السياسية للأفراد في الدول المتحضرة. العلم السياسي يؤشِّر إلى أنّ الثقافة السياسية تتواجد حتمًا في ظل نظام ديمقراطي يرتكز على ممارسة العمل السياسي الديقراطي بتجرُّد، كما الثقافة السياسية تتحدّد من خلال العلاقة بين الحكام والأفراد ومن خلال شموليتها على القيم والمعايير المواقف المبنية على العلم الرصين. وبتلك الأسباب ترتسم العلاقة بين أجزاء النظام السياسي ككل، وتحديدًا بين القاعدة والسلطة، وتتحدد في واقع العلاقات والتفاعلات الإجتماعية والسياسية عبر: الحرية ـ الإكراه ـ الثقة ـ الشك ـ المساواة ـ التدرّج ـ الولاء المحلّي أو القومي. وكل ذلك من خلال ما تتوقعه الإرادة الشعبية من قرارات ومن كيفية صنعها ومدى مشاركتها فيها…

دائمًا أرتكز إلى العلم وما يؤشّر له العلم السياسي حيث يعتبر "الثقافة السياسية جزءًا من ثقافة المجتمع، حيث تشير إلى المعتقدات والقيم والمشاعر وأنماط السلوك المتعلقة بالنظام السياسي في المجتمع…". وأيضًا يعتبر أحد علماء السياسة أنّ الثقافة السياسية لدى الشعوب تختلف عن تلك السائدة بين النخبة الحاكمة (هذا علميًا)، كما أنها تختلف من نظام سياسي إلى آخر، وعادة ما يكون المجتمع ذو النظام التعددي أكثر ميلاً لدعم قيم التعدُّد والتنوّع الثقافي والإثني والديني والسياسي، كما التأكيد على أهمية المؤسسات الديمقراطية… أما النظم الشمولية فتكون أكثر إهتمامًا وتأكيدًا على قيم الطاعة والرضا تحت سلطة الأمر الواقع، كما هو حاصل في بعض الأنظمة التوتاليتارية الموجودة حولنا…

في معرض بحثي حول دور الثقافة السياسية، تبيّن لي أنّ لينين أول من طرح مصطلح "الثورة الثقافية" تأكيدًا لأهمية ثورة الوعي في إحداث التغيير الجذري سياسيًا ـ إقتصاديًا ـ إجتماعيًا… في أي مجتمع متحضِّر. كما لاحظت دعوة ماو تسي تونغ إلى ثورة ثقافية بروليتارية كبرى، لمحاربة القيم والاتجاهات الرأسمالية في الصين. العالم السياسي أريك روي يعتبر الثقافة السياسية على أنها نمط القيم والمعتقدات والإتجاهات العاطفية التي تسود لدى أفراد المجتمع، ويعتبر أنّ مفاهيم الأفراد، بالرغم من صوابيتها وأخطائها والحسن الرديء في الشؤون السياسية، تؤلف نمط القيم الذي يرتبط إرتباطًا وثيقًا بمعتقداتهم حيال ما هو قائم في علم السياسة. كما يتعبر العالم السياسي بيتر كالفيت أنّ الثقافة السياسية لمجتمع ما، هي ذلك الجزء بين الثقافة العامة الذي يتضمن قيم ومعايير الحوار وصنع القرار السياسي. كما يعتبر العالم السياسي لورنس ماير أنّ للثقافة السياسية خواص الأفراد الوجدانية والذهنية ذات العلاقة بالنظام السياسي، وتشمل الإتجاهات نحو السلطة السياسية والمعتقدات والتصورات بشأن ما هو صواب وخطأ، وحق مشاعر الإنتماء أو الإنفصال عن النظام السياسي مثل الحرية والمساواة. كما يرى العالم السياسي مايكل سودار أنّ الثقافة السياسية تعني نمط ومعتقدات وتوقعات وإتجاهات الناس نحو السلطة والمجتمع والسياسة، وهي تعكس طرائق تفكيرهم في السياسة ومشاعرهم نحوها…

كما نلاحظ من خلال تعاطينا علميًا في علم السياسة، أنّ الثقافة السياسية تُحدّد عناصرها بأكثر من أمر، نختصر منها على سبيل المثال وليس الحصر ما يلي: يتحصل جوهر الثقافة السياسية في القيم والإتجاهات والسلوكيات والمعارف السياسية لأفراد المجتمع، وهي تعبير عن عناصر غير مادية أو معنوية. كما أنّ الثقافة السياسية هي ثقافة عامة للمجتمع، وبرغم أنها مستقلة بدرجة ما عن النظام الثقافي العام إلاّ أنها تتأثر به. كما أنّ الثقافة السياسية لأي مجتمع لا تعرف ثباتًا مطلقًا، ولكنها تتعرض للتغيير حتى ولو كان طفيفًا، ويتوقف حجم ومعدل التغيير على عدة عوامل، بينها: مدى ومعدل التغيير في البنية السياسية ـ الإقتصادية ـ الإجتماعية، درجة إهتمام النخبة الحاكمة بقضية التغيير الثقافي وحجم الإستثمارات التي يمكن تخصيصها لإحداثه، ومدى رسوخ قيم ثقافية معينة في نفوس الأفراد …

في لبنان، نحن بأمَّسْ الحاجة إلى إحداث عملية تثقيف سياسية لشعبنا، نظرًا للأساليب المستخدمة من قبل الطبقة السياسية الحاكمة للتأثير عليه ومحاولة الهيمنة على فكره… والمؤسف أنّ هذه الطبقة السياسية لديها العديد من الأساليب ووسائل القوة التي تحاول الهيمنة على عقول اللبنانيين. بالتالي علينا نحن المثقفين والباحثين، العمل بكل ما أوتينا من جهود لتحقيق الغاية الأساسية من عملنا، وهي توعية الرأي العام، والتي لا سبيل إليها إلاّ بالوعي السليم والتحليل العلمي المتجرّد المنطقي القائم على التسلّح المستمّر بالعلم والقيم والثقافة الواسعة. كما أنّ الوصول إلى هذا الهدف النبيل يتطلّب توافر جو كامل من الحرية التي من شأنها أن تتيح لكل إنسان أن يفكر وأن يعبّر عن رأيه دون عوائق ولا خوف… فمقارعة الرأي بالرأي هي أساس الوصول إلى الحقيقة أو ما يقرِّب منها، وهي أساس التثقيف السياسي الذي أصبح مطلبًا مُلِّحًا من أجل تكوين رأي عام قوي وسليم يصعب تضليله أو اختراقه.

علينا تعميق أسُس التنمية الثقافية السياسية والحياة المدنية، من خلال إيجاد حزمة تشريعية وقانونية، وإتخاذ آليات كفيلة وضامنة لتحقيق ذلك… كما علينا تثقيف المواطن على التقيُّد بالقوانين المرعية الإجراء وعدم إهمالها أو التغاضي عنها. كما علينا توعية الرأي العام على عدم التأقلم مع أسلوب الإثارة العاطفية لتحقيق أهداف لا يقبلها المنطق العملي الهادىء السليم المبني على استخدام العقل وإمعان التفكير، مثل بث روح الإستعلاء وتضخيم الأمور لدى الشعب اللبناني عن طريق تضخيم إنجازات معينة، والنفخ الكاذب فيها بهدف إثارتها للإقدام على أعمال تفرقة بين اللبنانيين. الأمثلة كثيرة ونختصرها بقضية النازحين السوريين، حيث يصوّر بعض السياسيين على أنهم أم الصبي في معالجة هذا الأمر، بينما الآخرون غير مهتّمين بالموضوع ويعتبرونه ثانويًا، أو يُسايرون المجتمع الدولي لإبقائهم في لبنان، وهذا الانقسام والتسييس لا يُفيدان الوطن ومؤسساته، بل يزيدان الأمور تعقيدًا… وهذا فيض من غيض.

نحن كمثقفين، مُطالبون بوضع أسُس علمية لتثقيف المواطنين اللبنانيين بغية عدم وقوعهم في أخطاء قاتلة كالتي وقعت منذ الأعوام 1969 (إتفاقية القاهرة) ولغاية العام 1975 (بداية الحرب اللبنانية) وما تلاهما من أحداث دموية… والتثقيف السياسي الذي نودّ طرحه يعتمد على ما يلي:

  1. الأسُس السياسية العلمية.
  2. الأسُس الاقتصادية العلمية.
  3. الأسُس الاجتماعية السليمة.
  4. بنية الدولة وسلطاتها.
  5. حفظ الأمن القومي والسيادة الوطنية.

تلك هي الأفكار التي نسعى إلى بلورتها من خلال إقامة الندوات والمحاضرات على سائر الأراضي اللبنانية، جاهدين لخلق وتثقيف رأي عام مقدام واعٍ من أجل إعادة بناء وطن على أسُسْ سليمة وقبل فوات الآوان، لأنّ التثقيف السياسي العلمي السليم بات مطلبًا مُلحًا.


(*) كاتب وباحث سياسي

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.