قضية النازحين في ميزان الخسائر.. والأرباح!

ضجيج قضية النازحين السوريين لا يتوقف. هناك انقسام لبناني حاد حول هذا الملف، لكن لكل فريق منطلقاته وحساباته الشخصية أو السياسية أو الطائفية في التعامل مع هذه القضية ببعدها الإنساني.

المسيحيون، بكل مذاهبهم، ينظرون إلى قضية النازحين من الزاوية الديموغرافية، وتأثيرهم على التوازن الطائفي في لبنان، خصوصاً أن فكرة التجنيس تقض مضاجعهم.

الشيعة يتعاملون مع هذا الملف من زاويتين: واحدة تتعلّق بالتوازن، وثانية تتعلّق بالموقف السياسي الرافض لمحاولة استعمال النازحين ورقة بيد الولايات المتحدة الأميركية في الملف السوري.

السنّة يتعاطفون مع النازحين من زاوية أن غالبيتهم هم من المعارضين للنظام السوري، وبالتالي فإنهم يتقاطعون مع الأميركيين في التعامل مع قضية النازحين من باب انتظار الحل السياسي في سوريا الذي يضمن للنازحين "عودة آمنة".

لكن، خارج كل هذه المنطلقات والحسابات، ثمة نظرية تقول إن وجود النازحين السوريين في لبنان هو "مفيد وضروري ومؤقّت".

لهذه النظرية حيثياتها الاقتصادية. بحساب بسيط، فإن حجم الإنفاق الدولي على النازحين السوريين في لبنان يساهم في تأمين الحد الأدنى من التوازن الاقتصادي الوطني، خصوصاً أن الواقع الاقتصادي في لبنان يرزح تحت ضغط جمود هائل. وبحسب هذه النظرية، فإن الاقتصاد اللبناني لم يتأثّر مع بداية حرب السنتين وحتى خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، أي بين العام 1975 والعام 1983. آنذاك، وعلى الرغم من تعطل مرافق الدولة، وتدمير المصانع والمؤسسات التجارية اللبنانية، وتوقف السياحة، وخسارة لبنان موقعه ودوره في المنطقة، بقي الاقتصاد الوطني متماسكاً، بل وكانت هناك بحبوحة بسبب تمويل الحرب اللبنانية من الخارج، وبسبب موازنة منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت تُصرف داخل لبنان.

انهارت العملة الوطنية بعد خروج ياسر عرفات ومنظمة التحرير من لبنان. هناك موازنة ضخمة توقف إنفاقها في لبنان، وبالتالي لم يعد هناك بديل يعوّض الخسائر الاقتصادية جراء الحرب.

استمر الانهيار حتى العام 1992، عندما جاء الرئيس رفيق الحريري بزخم دولي كبير، ودعم مالي سعودي ضخم، ما أتاح له "تثبيت" سعر صرف العملة الوطنية، على الرغم من النقاش الواسع بين مؤيدي استراتيجية "التثبيت" واستراتيجية "الاستقرار".

منذ ذلك الوقت، تماسك الاقتصاد اللبناني، بل وشهد قفزات كبيرة، بسبب ورش الإعمار التي شهدها البلد.

المفارقة أن اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري لم يؤثّر في الاستقرار الاقتصادي، لأن تمويل "الحرب الجديدة" ساهم في حماية العملة الوطنية، وكذلك في استمرار تدفّق الأموال إلى البلد. حتى بعد عدوان تموز 2006 لم يحصل انهيار اقتصادي، على العكس، حصلت فورة اقتصادية ضخمة استمرت حتى إخراج الرئيس سعد الحريري من الحكم في نهاية العام 2010 ومطلع العام 2011. كان لانكسار تسوية "س ـ س" نتائج كارثية على المستوى الاقتصادي، فالسعودية أوقفت دعمها للبنان مع بدء الحرب في سوريا، لكن قطر دخلت بديلاً عن السعودية، ولو من بوابة دعم المجموعات المعارضة للنظام في سوريا والموجودين في لبنان، ونجحت في تعويض جزء كبير من تراجع الدعم السعودي، بينما كانت إيران أيضاً تتولّى تمويل الفريق الآخر… إلى أن توقّف التمويل السعودي بالكامل، وحصل حصار قطر الذي جفّف السيولة القطرية عن لبنان، بينما كانت السيولة الإيرانية تتراجع بشكل حاد بسبب تحوّل القسم الأكبر منها لتمويل الحرب السورية.

ماذا يحصل اليوم؟

هناك دعم للنازحين السوريين على شكل قسائم شرائية، قيمتها نحو 300 دولار للعائلة. وهناك مؤسسات اجتماعية وإنسانية عربية أو أجنبية، أوروبية خصوصاً ـ تتولّى مساعدة النازحين مباشرة ومن دون العبور بأجهزة الدولة اللبنانية، وهناك المؤسسات الدولية كالأمم المتحدة وغيرها التي تقدّم أيضاً مساعدات للنازحين السوريين في لبنان.

هذا الإنفاق هو في الواقع يعوّض بشكل كبير تعطّل الدورة الاقتصادية في لبنان. صحيح أنه لا يوجد تقدير حقيقي لحجم الإنفاق على النازحين، لكن هناك من يتحدّث عن أرقام تتجاوز 2 مليار دولار سنوياً، إضافة إلى توظيف مئات الشباب اللبنانيين الذين وجدوا متنفّساً لهم يكسر البطالة الحادة السائدة في البلد.

تبعاً لذلك، فإن معالجة أزمة النزوح السوري في لبنان يجب أن تأخذ في الاعتبار هذه المعطيات، قبل أن تكون المعالجة منطلقة من حساب رد الفعل الذي لا يحتسب المخاطر والوقائع، علماً أن لبنان أمّن حماية كاملة للمجتمع الدولية من موجات النزوح، ولو ترك لبنان النازحين للمغادرة عبر الشواطئ، لكان البحر الأبيض معبراً طويلاً للنازحين إلى أوروبا، ولكانت أوروبا تعيش أزمة ضخمة من تلك الموجات.

صحيح أن حجم النازحين ضخم، وهو يضغط على لبنان في شتى المجالات، لكن الصحيح أيضاً أن لبنان لا يملك في الوقت الراهن خطة فعلية لتعويض خسارة المداخيل الآتية عبر النازحين ولأجلهم.

من هنا، فإن أي خطة لترحيل النازحين، يجب أن تقترن باستراتيجية وطنية لاستدراك الفراغ الاقتصادي، وإلا ستكون النتيجة كما حصل بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان.

طبعاً لا يعني هذا الكلام دعوة لإبقاء النازحين، بل على العكس، المطلوب عودتهم إلى أرضهم، ولكن يجب أن تواكب عودتهم خطوات متتابعة ومتدرجة حتى لا يصبح خروجهم كارثة كما كان دخولهم كارثي.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.