مكاري لـ"الرقيب": الانقسام المسيحي هو وريث انقسام 8 و14 آذار.

ـ لبنان ليس "جسراً" لعبور "صفقة القرن".. لكن لا يمكن الاطمئنان إلى نوايا العدو الإسرائيلي

ـ حتى ولو كانت لدى أحد "الشهوة" للتخلص من حزب الله فهو يعرف أن الموقف الأميركي لا يكمل إلى آخر الطريق

ـ زيارة بومبيو إلى لبنان هدفها إرسال رسالة مباشرة من الضاحية إلى طهران

ـ 14 آذار كانت حلماً جميلاً ثم تلاشى بسبب منطق الاستفراد والسيطرة

ـ لا يوجد "بابا" سياسي للأرثوذكس في لبنان

ـ لا أحد إطلاقاً جماعته "أبرياء" من الفساد

ـ أقترح أن يتولّى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ملف النزوح السوري بكامله

لم يعد فريد مكاري مضطراً لدوزنة عباراته بسبب حساسية موقعه. هو اليوم قادر على قول ما يجول في خاطره "من دون كفوف". صار الرجل قادراً على كشف أوراقه، فانكشفت مواقفه التي كان يكبت نفسه عن نطقها طيلة السنوات الماضية.

صحيح أنه لم يتقاعد سياسياً، لكنه يشعر أنه يتنفّس بحرية بخروجه من النادي السياسي الذي بقي فيه بحكم الضرورة 13 سنة إضافية.

تعابيره السياسية صارت أكثر صرامة. مواقفه وأحكامه أكثر وضوحاً. بل إن للرجل فلسفته الخاصة في العمل السياسي، وهو لا يعيش "وهم السلطة" التي بلغ أعلى درجاتها بحكم تمثيله الأرثوذكسي وتركيبة البلد. "الوهم" الوحيد الذي عاشه ويعترف أنه أصابه بالإحباط هو أن تؤسس انتفاضة 14 آذار لقيام دولة حقيقية في لبنان.

الأرجح أن فريد مكاري سيفرج عن مكنوناته على مراحل، لكنه في أول إطلالة إعلامية له بعد استراحته السياسية التي بدأت مع انتخابات العام الماضي التي انكفأ عنها مكاري، "فضفض" ببعض ما في جعبته من احتقان سياسي في كل الاتجاهات، فكشف عن نضوج سياسي وواقعية وبراغماتية وبعد نظر، كانوا جميعاً مختبئين تحت لقب "دولة الرئيس".

ماذا قال مكاري لـ"الرقيب"؟

*هل تعتقد أننا اليوم أمام مشروع حرب على حزب الله؟

ـ هناك وجهتان للردّ على هذا السؤال: الأولى، مرتبطة بالحرب الخارجية. والثانية تتعلّق بالوضع الداخلي.

خارجياً، لا أرى أن هناك خوفاً كبيراً على لبنان من حرب إسرائيلية عليه. لا أظن أن الظروف والمعطيات تؤشّر على مثل هذه الحرب. لكن ذلك لا يعني أنه يمكن الاطمئنان إلى نوايا العدو الإسرائيلي، وبالتالي فإن كلّ الاحتمالات تبقى واردة، وخصوصاً أن ثمّة احتقاناً في المنطقة، من غير الواضح أين سيترجم.

أما بالنسبة للوضع الداخلي، فأنا مقتنع بأن اللبنانيين لن ينجرفوا إلى أي مشروع فتنة داخلية، لأنهم دفعوا ثمناً باهظاً لها ولم يستطع أحد أن يلغي أحد. حتى ولو كانت لدى أحد "الشهوة" للتخلص من حزب الله، فهو يعرف أن الموقف الأميركي، ومن خلال التجارب السابقة، لا يكمل إلى آخر الطريق. أي محاولة لأي فريق في هذا الاتجاه هي خاطئة من ناحيتين: يعرّض الاستقرار للإهتزاز، ويعرّض نفسه لخسارة ليس بحاجة لها. التجارب أثبتت صحة هذا الرأي.

عندما جاء بومبيو التقى بمعظم الأطراف، إما بلقاءات مباشرة أو موسعة، لم يسمع ما يرغب بسماعه. إما سمع مواقف تؤيد حزب الله، وإما سمع مواقف تشدد على الاستقرار. كلا الموقفين لا يناسبانه. لكن أنا لا أعتقد أنه جاء ليأخذ شيئاً من لبنان أو لجرّ اللبنانيين إلى موقف. هو يريد إرسال رسالة مباشرة من الضاحية إلى طهران، وبالتالي ليس مطلوباً من اللبنانيين التعاطف معه.

إجراءات أميركا لخنق حزب الله تقوم بها من دون رأي اللبنانيين. المتعاطفون مع حزب الله لن يتوقفوا عن دعم حزب الله. ربما تطرح قضية المداخيل التي يجمعها الحزب في لبنان، والمتعلقة بدخول البضائع من المرافئ أو الحدود البرية.

* لكن ألا تعتقد أن طرح "صفقة القرن" تحتاج إلى تمهيد ساخن؟

ـ التمهيد الساخن وارد، ولكن ليست الساحة اللبنانية هي التي يمكنها أن تترجم هذه السخونة. لبنان ليس جسراً لعبور صفقة القرن. هناك وعي لبناني. القوى المعارضة لمحور الممانعة واعية. لم يقل أحد منهم بالتفاعل وحمل السلم بالعرض. لم أجد أي حماس لبناني للدخول في مشكل بوجه حزب الله. أنا أعتقد أن بومبيو كان يريد إرسال رسالة قاسية لإيران.

يطرح مكاري كيف تؤخذ الأراضي العربية على طريقة "القضم التدريجي" بينما ردة فعل العرب تكون من خلال "الهضم التدريجي". ويقول: في التاريخ هناك أمثلة وتجارب تتم إعادتها. الأميركيون والإسرائيليون يقومون بالقضم التدريجي. نحن نرفض بالكلية ثم نهضم بالتدرّج.

عربستان، المنطقة الغنية بالنفط، إيران قضمتها، قامت قيامة العرب بالكلام، والآن ماذا حصل؟

جاءت قضية فلسطين في 1948 وجاء قرار تقسيم فلسطين، رفضناها، وأصرينا على كل فلسطين، راح النصف الأول ثم راح النصف الثاني. ثم راحت كل فلسطين والآن نتحدّث عن حدود الـ48.

لواء الاسكندرون السوري أيضاً طار.

ثم جاءت قضية القدس.. واليوم الجولان… سيبتلعوننا جميعاً ونحن على ما نحن عليه!

إذا سألت العرب ماذا يريدون، فيقولون إنهم يريدون كل شيء… ماذا يعملون لهذا الهدف؟ لا شيء!

* عودة إلى السياسة اللبنانية. هل أنت معتكف أم معتزل؟

ـ قراري بالتوقف عن العمل السياسي ليس جديداً، وليس قراراً مرتبطاً بحدث محدّد، أو بانتخابات رئاسة الجمهورية والانتخابات النيابية وتشكيل الحكومة، أنا أخذت قراري منذ 2013، والدليل أني لم أترشّح في 2013 عندما كان يفترض إجراء الانتخابات النيابية آنذاك، وأيضاً في المرة الثانية في 2017 عندما كان هناك احتمال لإجراء الانتخابات. حتى أن هناك من قال إن فريد مكاري كان يعرف أنه لن تحصل انتخابات ولذلك لم يترشّح. ربما تعزّزت قناعتي بعدم الترشح بعد حصول التسوية الرئاسية، لأني لم أكن مقتنعاً بهذه التسوية. شعرت أنه إذا غيّرت فكري وترشّحت سأكون على نقيض لسياسة الرئيس سعد الحريري، وهذا ما لا أريده، فأنا معتاد أن أكون على انسجام سياسي مع هذا البيت. أنا لا أتخلى عن أصحابي بسهولة. قررت الابتعاد، للحفاظ على العلاقة الطيبة وأنا حريص على هذه العلاقة.

* هل ما زلت على قناعة بأن التسوية الرئاسية ليست جيدة وأنها لم تحقق إنجازات؟

ـ حتى اليوم ما يسمّى إنجازات، أنا لا اسميها إنجازات، قانون انتخابات وانتخابات وتشكيل حكومة، هذه ليست إنجازات، هذا مسار طبيعي لدولة. ولكن، أنا اليوم أتمنى من كل قلبي أن تنجح التسوية الرئاسية. لأنني ولو لم أكن موافقاً عليها، إلا أن مصلحة البلد تبقى عندي هي الأولوية، وبالتالي مصلحتي، وبنجاح التسوية ونجاح البلد أحقق مصلحتين. ومصلحة البلد هي من مصلحتي. ليس لدينا ترف ممارسات النكاية. إذا لم يحصل أمر كما أريده لا يمكن أن أتمنى له الفشل حتى أثبت نجاح رأيي السياسي. الوضع لا يحتمل منطق النكاية. أتمنى من كل قلبي النجاح لرئيس الجمهورية ولرئيس الحكومة وللحكومة، لأني أعرف أن عدم نجاحهم سيؤدي إلى اضرار تصيب الجميع.

* لهذا انكفأت؟

ـ كانت رغبتي السياسية أن لا أترشح بعد العام 2000. لكن اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري هو الذي فرض عليّ الترشح في 2005 و2009. قراري قديم بعدم الترشّح، لكن حصل اغتيال شخص بالنسبة لي هو قضية كبيرة، ثم جاءت فكرة 14 آذار التي آمنت بها. 14 آذار عشتها وجدانياً وبنيت عليها طموحات وأحلام للبلد. وكنت أقول "شو ها الشخص العظيم رفيق الحريري، يلي بحياته أعطى البلد، وباستشهاده أعطى البلد". لكن اكتشفت أنه صارت هناك حسابات شخصية عند معظم الأطراف في 14 آذار. ساد منطق الاستفراد والسيطرة، وفقدت مكانتها ومعناها وهدفها، وشعرت أن هذا المنطق يقتل قضية 14 آذار.

* استذكرت مؤخراً بشيء من الحنين اجتماع 14 آذار، عندما وقفت إلى جانب الرئيس فؤاد السنيورة دفاعاً عنه، هل يمكن عودة 14 آذار؟

ـ كانت حلماً جميلاً. يا للأسف، اليوم أصبحنا بعيدين عن ذلك الحلم. الانقسام العامودي لم يعد موجوداً بين 8 و14 آذار. اليوم ربما يكون هناك توافق بين طرف من هنا وطرف من هناك. في السابق كان هناك انقسام حاد: أبيض وأسود. اليوم هناك مساحات رمادية بينهم. ومساحات يتلاقى فيها هذا الطرف مع ذاك الطرف على عنوان أو قضية. ربما اليوم الانقسام المسيحي ـ المسيحي هو السائد، وهو وريث انقسام 8 و14.

* الأرثوذكس يفتشون عن رمزية، في هذه اللحظة خرجت من السياسة. هل خفت من زعامة الأرثوذكس؟

ـ التاريخ يعلّمنا أن لا زعيم للأرثوذكس، ربما لأن طابع الأرثوذكس غير طائفي، ولا مرة في التاريخ كان للطائفة الأرثوذكسية في لبنان زعامة. كان هناك رمزية لبعض القيادات وكان هناك رموز، لم يكن هناك رمز واحد. كان هناك أشخاص أرثوذكس مميزون، كل شخص بظروف وطبيعة مختلفة.

ولا مرة كان هناك "زعيم الأرثوذكس"، كما حصل في طوائف أخرى. كان هناك فؤاد بطرس مثلاً، رجل فكر وطني. ميشال المر بنى حيثية من خلال السلطة وتقديم الخدمات. عصام فارس بنى حضوره بتقديماته الاجتماعية. لكن لا أحد منهم كان يعتبر أنه زعيم الأرثوذكس في لبنان. كانوا وجوهاً أرثوذكسية بارزة، لكن كلمة "زعيم" لا تنطبق على الأرثوذكس. لا يوجد بابا أرثوذكسي سياسياً في لبنان. تماماً كما في الكنيسة الأرثوذكسية. الصلاحيات الموجودة عند البطريرك الماروني تختلف عن الصلاحيات عند البطريرك الأرثوذكسي. كل مطران أرثوذكسي هو سيد في أبرشيته، هو المتقدّم في أبرشيته، والبطريرك هو متقدّم بين متساوين. لذلك فإن عدم وجود زعيم للأرثوذكس هو من نهج الأرثوذكسية. أنا تسلمت منصب نائب رئيس مجلس النواب، وهو المركز الأول للطائفة الأرثوذكسية في الدولة اللبنانية، لمدة 13 سنة. ولأني كنت موجوداً في السياسة اللبنانية، وكنت حاضراً في منطقتي، تم تمييزي عن غيري، خصوصاً لما للكورة من موقع في الواقع الأرثوذكسي في لبنان. ولكن، ولا مرة اعتبرت نفسي زعيم الأرثوذكس، ولا كان لدي هذا الطموح، لأني أعرف أن هذا ضد الطبيعة التاريخية للأرثوذكس. يمكن لأرثوذكسي أن يكون زعيماً وطنياً لبنانياً، ولكن لا يمكن له أن يكون زعيماً للأرثوذكس. لم تراودني هذه الفكرة، ولم يدغدغ رأسي هذا الطموح. طبعاً أنا أعلم واشعر أن هناك من ينظر إلى فريد مكاري على أنه أرثوذكسي مميز.

* لكن حتى الرموز غائبة…

ـ نعم… هذا صحيح، لأن من يتولّى موقِعَي الأرثوذكس في الدولة اللبنانية، أي نائب رئيس مجلس النواب ونائب رئيس الحكومة، وهما الصديقان إيلي الفرزلي وغسان حاصباني، ينتميان إلى تيارين سياسيين وهما تياران تطغى عليهما واقعياً صبغة التمثيل الماروني، ولو أنهما يضمان ويمثلان مسيحيين من كل المذاهب. بالتالي، قرارهما مرتبط حكماً بقرار رئيس الحزب، ولذلك ليست لديهم خصوصية. هذا ما يميّزني عن غيري، لأنه ليس لدي انتماء حزبي. قد يأتي من يقول إن فريد مكاري كان مرتبطاً بالرئيس الشهيد رفيق الحريري ثم بالرئيس سعد الحريري. هذا صحيح، لكن هذا الارتباط من باب الصداقة وليس من باب الانتماء الحزبي. أنا لم أنتمِ إلى تيار ولم أكن عضواً في كتلة نيابية حزبية.

* هل هناك هاجس أرثوذكسي أن الموارنة مهيمنين؟

ـ ليس الموارنة من يهيمن على الواقع الأرثوذكسي. الأحزاب هي التي تطغى.

* لطالما كانت الأحزاب هي التي تهيمن في الواقع الأرثوذكسي؟

ـ صحيح.. لكنها كانت أحزابأً علمانية. كان الأرثوذكس ينتمون بالدرجة الأولى إلى الحزب القومي أو الشيوعي أو البعث، بغض النظر عن النسبة. لكن لم يكونوا في أحزاب طائفية. أما اليوم فالأحزاب المسيحية هي التي تسيطر على الواقع الأرثوذكسي. لكن حتى بوجود تلك الأحزاب العلمانية، كان المستقلون الأرثوذكس هم الصفة الغالبة في الواقع الأرثوذكسي. اليوم الذي أصبح سائداً أنك بحاجة إلى الأحزاب للوصول، ليس إلى مركز سياسي فقط وإنما أيضاً إلى المراكز في الدولة. هناك كوتا للطائفة الأرثوذكسية، لا يمكن اليوم الوصول إلى مركز فيها من دون الانتماء إلى الأحزاب المسيحية اليوم، حتى لو كان انتماء مصلحياً. وغالباً، هذا الأمر في الوقت الحالي محصور بالتيار الوطني الحر، بعد أن تبيّن للقوات اللبنانية أن حساب الحقل لم يتطابق مع حساب البيدر بالنسبة للشراكة المسيحية، وتبيّن أن هناك اختلال توازن في هذه الشراكة.

* ألا يعني ذلك إلغاء الحالة الأرثوذكسية؟

ـ لا أحد يلغي أحداً في لبنان. صحيح هناك شكوى من "الحصرية"، لكن هذه الشكوى موجودة عند طوائف أخرى وداخل كل الطوائف. أيام فؤاد شهاب، لم يكن معيار الانتماء السياسي شرط للتعيين في أي وظيفة. كان هناك التزام بحصص الطوائف، لكن لم يكن معيار التعيين في هذا المركز أو ذاك أن تكون شهابياً مثلاً… كانت هناك مؤسسات فاعلة ومعايير إدارية للتعيينات، سواء في مجلس الخدمة المدنية او في مؤسسات أخرى. اليوم، ماذا يحصل؟ إذا لم يعودوا إلى آلية التعيينات، فستكون هناك محسوبيات. وإذا بقيت المحسوبيات، فإن الناس مضطرة للانتماء إلى الأحزاب.

* هل يمكن معالجة الفساد المزمن؟

ـ إذا كان هناك قرار بتطبيق القانون، فلا شيء يصعب. لكن أولاً، هل هناك قرار؟ وهل سيطبّق على كل الناس؟ لأن استنسابية تطبيق القوانين تعني الفشل مسبقاً. ثم هل هناك توجّه للعودة بالمحاسبة إلى الماضي؟ أو ستبدأ المحاسبة من اليوم؟ هذه قرارات يجب أن يكون هناك إجماع عليها. أسهل شيء هو العودة إلى القانون. لكن يجب أيضاً البدء بتنظيف الجهة التي ستطبّق القانون، ونمنح هذه الجهة الاستقلالية، ثم نحميها بمحاسبة كل من يتدخّل في عملها بعقاب أكبر من عقاب الفاسد، لأن المتدخّل يريد حماية الفساد والفاسدين. من هنا نقطة البداية الصحيحة لمحاربة الفساد.

يجب أن تكون هناك عدالة في تطبيق القانون، ولا يجب أن تكون هناك خيمة فوق رأس أحد. ولا أحد يقول إن جماعته "أبرياء"، لأنه لا أحد جماعته أبرياء، قد يكون هناك اختلاف بحجم ونوع الإرتكابات، لكن لا أحد يقول إن جماعته غير مرتكبين.. لا أحد إطلاقاً.

* أنت مع فتح الملفات السابقة؟

ـ إذا أردنا ان نكون وجدانيين فيجب المحاسبة عما سبق. لكن ما هي الإمكانية لمثل هكذا قرار؟ لا أدري.

* لكنك دافعت عن الرئيس السنيورة؟

ـ موضوع الرئيس السنيورة مختلف، الاتهام من جهة سياسية، وليس من جهة قضائية. وأنا قلت، لماذا استهداف الرئيس السنيورة وحده؟ فليذهب الجميع إلى القضاء فيكون هو من بينهم. ثم إن الرئيس السنيورة جرت تبرئته في هيئة محاكمة الرؤساء والوزراء، أيام الرئيس آميل لحود. عندما لم يوافق مجلس النواب معناه أنه أعطاه البراءة. ثم إن الرئيس السنيورة أوضح مليون مرة قضية الـ11 مليار، والإثبات جاء على لسان مدير عام الوزارة الذي قال إنه لا يوجد مشكلة في هذه القضية، وإنما تحدّث عن تجاوزات، من بينها وجود فريق عمل رديف في وزارة المالية، وأنا أعلم أن هذا الأمر موجود. وهناك تفسيران لهذا الموضوع: هناك من يقول إنه لا يستطيع العمل من دون فريق عمله، وهناك من يقول إن فريق العمل موجود في الوزارة. وأنا شخصياً أرى أن الرأي الثاني هو الصحيح. لكن يبدو أن ما يحصل حالياً هو أن معظم الوزارات فيها فريق عمل موازي من المستشارين، لكن هذا لا يعني أن هذا قانوني.

لذلك فإن وجودي إلى جانب الرئيس السنيورة هو لأني مقتنع ببراءته، فهو تمت تبرئته سابقاً، وهو حريص على المال العام. يمكنهم أن يسألوه "من أين لك هذا؟" إذا كان هناك من تأكيدات حول امتلاكه ثروة، لكن في قضية المال العام، أنا مقتنع ببراءته في القضية التي تمت إثارتها.

* لكنك قلت إنك تؤيد فتح الملفات السابقة؟

ـ هناك صعوبة بالمحاسبة على أساس مفعول رجعي. عندما نفتح الماضي نفتح على كل الجبهات.. أنا كمواطن لبناني يكون ضميري مرتاحاً إذا تم فتح ملفات الماضي.. لكني أعرف أن هذا صعب جداً.. إلا إذا تم تغيير الطقم السياسي بكامله. لا يستطيع أحد أن يحاسب أكثر من المواطن اللبناني، في الانتخابات. يمكنه عبر الانتخابات تغيير الطقم السياسي، وعندها يمكن محاكمة مرحلة سابقة.

في جلسة الثقة بالحكومة الحالية هناك 54 نائباً تحدّثوا عن الفساد… هل سأل أحدهم إذا كان رئيس كتلته مرتكباً أم غير مرتكب؟! فليسأل نفسه!

إذا أردنا تنظيم الأمور اعتباراً من اليوم، هذا ممكن.. لكن إذا لم ننظّمها فهناك مشكلة كبيرة. الوضع الاقتصادي لا يحتمل.

هناك مفارقة تدهشني. أسمع من بعض الاقتصاديين انهم يقبلون بالهدر بحدود 20 بالمئة، لكن ليصرفوا 80 بالمئة بشكل سليم… أليس غريباً أن تصل الأمور إلى هذا المستوى من الاستسلام والقبول بهذا الواقع؟!

* كيف ترى التعامل مع ملف النازحين السوريين؟

ـ عندما بدأت موجات النازحين السوريين إلى لبنان، كان هناك تعاطف كبير، وهو من شقين:

الأول، نوع من ردّ الجميل للسوريين عندما كان اللبنانيون يذهبون إلى سوريا، على الرغم من الفارق الكبير بالنسبة للأحوال المادية. فاللبنانيون كانوا يذهبون إلى سوريا ولديهم إمكانيات مادية وينفقونها، ولكن كانت هناك تسهيلات من جانب الحكومة السورية للبنانيين.

الثاني، سياسي، حيث تم النظر إلى هؤلاء النازحين باعتبارهم هاربين من النظام، وهذا ما خلق تعاطفاً عند الجهات غير المؤيدة للنظام في سوريا.

واقعياً، أول الذين حذّروا من مخاطر حجم النزوح السوري هو التيار الوطني الحر، ويومها ربما لم يقتنع أحد منّا بوجهة نظره، لسببين: الأول لأن قسماً كبيراً كان يتعاطف سياسياً. والثاني أن أحداً لم يكن يتوقع أن تطول الحرب في سوريا إلى هذه الدرجة، خصوصاً أن الثورات التي حصلت في الدول العربية كانت تنتهي خلال شهرين أو ثلاثة أشهر.

تبيّن في ما بعد أن تحذير التيار الوطني الحر في محلّه. مع الوقت، وفي ظل تراجع الأحوال الاقتصادية، وبسبب ممارسات خاطئة ارتكبها النازحون السوريون، وفي ظل ارتفاع مستوى المشكلات الأمنية ونسبة الجريمة بسبب النازحين، صارت هناك نقمة لبنانية عامة على وجود هؤلاء النازحين السوريين.

اليوم صار هناك خوف جديد وهو أن يتحوّل هذا النزوح إلى توطين، والخبرة السابقة تقول إن دخول النازحين يكون سهلاً لكن خروجهم يصبح صعباً.

هناك اليوم وجهتا نظر للتعامل مع هذا الملف: هناك من يرى أن الكلام مع النظام السوري يسهّل عودة النازحين. وهناك من يرى أن عودة النازحين يجب أن تكون من خلال الحل السياسي في سوريا لكي يعودوا باطمئنان.

أنا، في رأيي، إذا كانت هناك طريقة للعودة فخير البرّ عاجله، أياً كانت الطريقة، شرط أن تكون هناك ضمانات بحفظ أمنهم.

* حتى ولو بالحوار مع النظام في سوريا؟

ـ هناك قسم من اللبنانيين يستعمل هذه الحجة لإعادة العلاقات اللبنانية ـ السورية إلى ما كانت عليه سابقاً، وأنا أرى أن هناك صعوبة كبيرة فيها لأن هناك موقفاً عربياً ما زال قائماً، وهذا الموقف مدعوم بموقف عالمي، ولبنان لا يستطيع أن يبادر لوحده في هذا الموضوع. لكن، هناك جهة لبنانية لديها علاقات مع سوريا. فخامة الرئيس يأخذ هذا الملف في صدره. حتى في زيارته على روسيا، وضع ملف عودة النازحين كأولوية، وأنا أوافق على هذه الأولوية. فليكن هناك اتفاق وطني على أن يتولى فخامة الرئيس هذا الملف، وليشكل فخامة الرئيس فريق عمل، هناك اللواء عباس إبراهيم يتابع هذا الموضوع مثلاً، لكن من دون الدخول بما يسمّى "حوار مع النظام". إذا استطاع الرئيس إنهاء هذا الملف فسيكون هذا من أكبر الإنجازات.

* هل يمكن للمجلس الأعلى اللبناني ـ السوري أن يتولّى هذا الملف؟

ـ المجلس الأعلى اللبناني ـ السوري في حياته لم يكن له معنى. وهو يشكل حساسية عند قسم كبير من اللبنانيين، لأنهم يعتبرونه مجلس وصاية.

* لكن هل تعتقد أن الغرب يريد فعلاً عودة النازحين؟

ـ إذا فتح النظام قلبه للنازحين ينهي 90 بالمئة من هذه المشكلة.

* هل ندمت لأنك لم تترشح أو لم ترشّح إبنك أو من يمثّلك؟

ـ أنا لا أؤمن بالتوريث، ولكني لست ضد بالمطلق. إذا كان الوالد رجل سياسة، والإبن يمتلك القدرة على العمل، فلن أكون ضده. إنما هذا الموضوع يخصّ الشخص أكثر مما يخص أهله، لأن أي شخص يقوم بعمل غير مقتنع به لن ينجح فيه. إذا كان إبني اقتنع بالعمل السياسي ويريد أن يخدم منطقته والناس وبلده، كما فعلت وأفعل، فبالتأكيد أنا سأكون عنصراً مساعداً، لكن إذا لم تكن لديه الرغبة فأنا لا أستطيع أن أجبره ولن أجبره. وإذا كان يريد أن يعمل بالسياسة فقط للوجاهة، فلا أتمناها له.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.