هل يمكن طرح "صفقة القرن" الأميركية "على البارد"؟

خضر طالب /

تدحرجت التطورات في المنطقة بسرعة قياسية، مما يوحي أن هناك من دفع بمجموعة أوراق مرة واحدة لغاية محددة.

منذ أن تراجعت حماسة الدول العربية لإعادة العلاقات مع سوريا، تلبية للرغبة الأميركية التي رفضت تقديم هذه الورقة مجاناً، ظهر أن الأميركيين الذين كانوا قد بدأوا بتوضيب أغراضهم لمغادرة المنطقة، قد غيّروا رأيهم، أو أنهم صاروا يريدون ثمناً لهذا الخروج من خلال ممارسة سياسة الابتزاز.

كل ذلك كان يجري بناء للرغبة الإسرائيلية التي انتابها القلق الشديد نتيجة خروج مظلتها الأميركية من المنطقة، عشية الانتخابات الإسرائيلية، وقبل أسابيع من طرح إدارة الرئيس دونالد ترامب "صفقة القرن" بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

كان السؤال يتردّد دائماً: كيف يمكن طرح مشروع صفقة القرن في ظل الاعتراض الشديد عليها، بعد أن انكشفت معالمها، وذهب ترامب إلى خيار نقل سفارة بلاده إلى القدس؟

وكان الهاجس الذي ينخر اليوميات هو: هل يمكن طرح هذه الصفقة "على "البارد"؟

فجأة، عادت السخونة إلى الخط الفاصل على حدود غزّة. عادت الصواريخ الفلسطينية تنطلق من غزّة نحو مناطق بعيدة، وصولاً إلى تل أبيب. ثمة من قال إنها صواريخ لإسقاط بنيامين نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية. وثمة من قال إن الصواريخ هي لدعم نتنياهو في الانتخابات. وثمة من قال إن الصواريخ هي لاستدراج إسرائيل إلى حرب مع غزة… لكن إسرائيل متردّدة بخوض هذه الحرب قبل أيام على الانتخابات. هل هذا يعني أنه لولا الانتخابات لكانت إسرائيل قد خاضت هذه الحرب؟ هذا احتمال كبير، وإن كانت محاذيره كبيرة جداً.

الأكيد أن إسرائيل تجد نفسها اليوم أمام واقع جديد لا تستطيع التعامل معه إلا من خلال الحرب، تماماً كما كان هذا الواقع عشية الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982. المعادلة الصاروخية الجديدة تفرض على إسرائيل إما خوض حرب واسعة أو إعلان السلام التام. لا تحتمل إسرائيل أن تبقى الصواريخ في غزّة تهدّد المدن والمستوطنات، حتى البعيدة منها، وخصوصاً تل أبيب، ما يعني أن إسرائيل فقدت الأمان، وهو ما لا يمكن لإسرائيل التعايش معه.

وفي عز هذا الارتباك الإسرائيلي عسكرياً، كان دونالد ترامب يعطي بنيامين نتنياهو شيكاً من دون رصيد، بمنحه "سيادة" على الجولان المحتل، خلافاً لقرارات الأمم المتحدة، وذلك لخدمته انتخابياً… لكن، هل يستطيع نتنياهو تحمّل وزر هذه "الهبة"؟!

القرار الأميركي يعني عملياً سقوط قرار الأمم المتحدة المتعلق بالجولان، أي أن هذه الجبهة الهادئة لن تعود كذلك، على العكس، ستبدأ فعلياً عمليات المقاومة في الجولان، وهذا سيزيد الضغط على نتنياهو.

كل ما جرى يوحي بأن المسرح يتم تجهيزه لحدث كبير، لكن هذا الحدث يحتاج إلى مفرقعات للإحتفال، وقد تكون تلك المفرقعات ناتجة عن حرب ضروس يستطيع الإسرائيلي بدءها، لكنه لا يستطيع إنهاءها.

لكن السؤال الذي يحتاج إلى وقت كامل من التفكير: أين ستكون الحرب؟ مع غزّة؟ مع الضفة الغربية؟ على جبهة الجولان؟ مع لبنان؟

الواقع أن الاحتمالات مفتوحة على مصراعيها، وإن كانت غزّة هي المرشّحة الأولى لخوض هذه المواجهة لاعتبارات عديدة، من بين أبرزها أنها عقدة رئيسة أمام صفقة القرن، علماً أن الضفة الغربية هي الحلقة الأضعف، ويمكن الدخول إليها مجدداً.

في المبدأ، لا تريد "حماس" ولا "حركة الجهاد الإسلامي" مواجهة. يكتفيان حالياً بحرب الاستنزاف بواسطة البالونات الحارقة، والطائرات الورقية الناسفة، وإحراق الحقول، والمسيرات إلى السياج، ومن وقت إلى آخر إطلاق صاروخ وزرع عبوات ناسفة ضد الجنود الإسرائيليين.

في عملية "الجرف الصامد"، دمّرت إسرائيل معظم الأنفاق تحت الأرض، ونجحت في حرمان "حماس" سلاحاً استراتيجياً. لكن على الرغم من الحصار المشترك الذي تفرضه إسرائيل ومصر على غزة، وعلى الرغم من تقليص تهريب الصواريخ والأسلحة الأُخرى إلى غزة، أثبتت "حماس" أن لديها قدرة صاروخية لا بأس بها.

أما الجولان، فيبدو ان ظروف الحرب قد نضجت فيه، ولولا الضوابط الروسية لكانت الحرب اندلعت منذ أشهر على هذه الجبهة.

يبقى لبنان…

في قراءة للوقائع اللبنانية، يمكن التكهّن بأن إسرائيل تخشى خوض حرب مع لبنان، على الرغم من التهويل المستمر والتهديد الدائم. فإسرائيل تعلم جيداً أن الحرب مع لبنان ستكون مكلفة جداً، وأن "حزب الله" قادر على استهداف مختلف الأراضي المحتلة بعشرات ومئات الصواريخ، وأن يحوّل حياة الإسرائيليين إلى جحيم يؤدي إلى موجة نزوح لن تكون أقل من النزوح اللبناني.

هذا نظرياً، أما فعلياً، فإن استمرار الولايات المتحدة الأميركية بممارسة الضغط على إيران و"حزب الله"، يمكن أن يفسّر على أنه تمهيد لتوجيه ضربة عسكرية للحزب، علماً أن ظروف وقدرات "حزب الله" هي أفضل بكثير مما كانت عليه في عدوان 2006، وعلى كل المستويات اللوجستية والعسكرية والميدانية والخبرات التي اكتسبها مقاتلوه في الحرب السورية.

صحيح أن إسرائيل تخشى الحرب، لكن، وكما هو متوقّع، سيطرح الرئيس الأميركي صفقة القرن بعد الانتخابات الإسرائيلية، وستصبح الأمور مفتوحة على مصراعيها على خيارين:

الأول، ضعيف، وهو موافقة جميع الأطراف على هذه الصفقة، مع ما يعني ذلك بالنسبة للتنازل عن القدس بالنسبة للعرب، وفي ظل معارضة مصرية ـ أردنية قوية لهذا الأمر، فضلاً عن التداعيات الميدانية المباشرة التي قد تطلق شرارة انتفاضة فلسطينية واسعة، أو قد تطلق شرارة الحرب لتنفيس الاحتقان والإطاحة بصفقة القرن وإبقاء الأمور على ما هي عليه.

الثاني، أن تولد صفقة القرن ميتة وبالتالي سيكون هناك اضطرار لعملٍ ما يغطي على هذا الفشل، مع ما يعني ذلك من تصاعد احتمالات المواجهة العسكرية طالما أن الاحتقان يحتاج إلى تنفيس.

في الحالتين، احتمالات الحرب مرتفعة جداً، وهو ما يدركه كل الأطراف المعنيين، ولهذا فإن الجميع يعمل على أساس أن الحرب آتية لا محالة، وبالتالي لا بد من الاستعداد لها. مع الإشارة اللافتة إلى أن الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله لم يأت في آخر خطاب له على ذكر أي تطمين باستبعاد احتمالات الحرب.

إذن، الحرب يمكن أن تندلع لأن للتصعيد منطقه الخاص، وليس لدى الطرفين سيطرة عليه.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.