"هيدرا" الداخل بين زيارة بومبيو وكلام نصر الله

رفعت ابراهيم البدوي /

زيارة الرئيس ميشال عون إلى روسيا هي الثانية له، بعد زيارته الأولى بصفته رئيساً لـ"التيار الوطني الحر". لكن الزيارة الثانية جاءت بصفته رئيساً للجمهورية اللبنانية ويمثّل كل اللبنانيين وليس ممثلاً لتيار سياسي.

لا شك أن زيارة الرئيس اللبناني إلى موسكو ولقاءه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، تعد زيارة ناجحة بكل المقاييس، خصوصاً لجهة قبول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دعوة الرئيس عون لزيارة لبنان، إضافة للإعلان اللبناني ـ الروسي الذي تحدّث عن تطابق في وجهات النظر لمعالجة ملفات دسمة، مثل الغاز اللبناني والنازحين السوريين، وتفعيل المبادرة الروسية بالتعاون مع الدولة السورية، إضافة إلى تكثيف الاستثمارات والتبادل التجاري والسياحي والثقافي والعلمي بين لبنان وروسيا.

توقيت زيارة موسكو، جاء متزامناً مع تحرك أميركي لافت تجاه لبنان تمثل بزيارة وزير الخارجية الاميركية مايك بومبيو إلى بيروت ولقائه بالرؤساء عون بري والحريري، إضافة إلى لقاء نظيره وزير الخارجية اللبنانية جبران باسيل.

في وزارة الخارجية اللبنانية، بدا الخلاف واضحاً وجلياً بين الجانبين اللبناني والأميركي، لاسيما بعد إطلاق الجانب الاميركي صفة الارهاب على "حزب الله" اللبناني واتهام الحزب بزعزعة الامن والعمل لصالح دول خارجية، ما استدعى من الجانب اللبناني رداً قوياً وفورياً دحض فيه المزاعم الأميركية، مؤكداً ان "حزب الله" هو مكون لبناني ممثل في الحكومة اللبنانية ويتمتع بتمثيل شعبي واسع، وله كتلة نيابية وازنة في المجلس النيابي.

كان لافتاً انتهاء لقاءات بومبيو الرسمية يوم وصوله لبنان، بيد ان تحركات واجتماعات بومبيو غابت عن الاعلام وأحيطت بالسرية لمدة 24 ساعة، تخللتها مآدب واجتماعات مع بعض الاطراف اللبنانية المعارضة لـ"حزب الله" السابحة في الفلك الأميركي. وقسم من اللبنانيين الذين اجتمع بهم بومبيو، هم أنفسهم من سبق لهم وشجعوا اسرائيل على القيام بعدوانها على لبنان في العام 2006 بهدف ضرب "حزب الله" وانهائه.

بعض من كان حاضراً تلك الاجتماعات التي بقيت بعيدة عن الاعلام مع بومبيو، غرد على حسابه مؤكداً ان أميركا وعدت بتلبية طلبهم السماح باستعمال اسرائيل كأداة منفذة للقيام بعملية عسكرية هدفها ضرب "حزب الله"، تماماً كما حصل في العام 2006، وهذا البعض اللبناني ختم تغريدته مؤكداً بالقول "إن غداً لناظره قريب".

ان ما تسرب من الاجتماعات السرية بين بومبيو وبعض اللبنانيين، يدعو الى التوجس من تنفيذ فتنة اميركية اسرائيلية معدة سلفاً، لتكون مبرراً لاعتداء اسرائيلي جديد على لبنان.

هنا يبرز السؤال: ماذا يُعدّ للبنان؟

أمام هذا الواقع، جاءت اطلالة الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله من دون مناسبة، وهي كانت مخصصة لتفنيد كلام وزير الخارجية الاميركية ودحض المزاعم الأميركية، والكشف عن نوايا بعض الخصوم في لبنان.

السيد نصر الله، ولمدة ساعة كاملة، كان محاضراً متميزاً بكشف الأكاذيب والأضاليل الأميركية الهادفة للنيل من البيئة الحاضنة للمقاومة في لبنان، منبهاً اللبنانيين من خطورة الوقوع في فخ الفتنة الأميركية، داعياً الى وحدة الموقف اللبناني والتمسك بمعادلة الجيش والشعب والمقاومة.

اللافت أن شعار "سيبقى لبنان سيداً مقاوماً منتصراً" الذي زيّن الشاشة خلف السيد نصرالله، حمل دلالات كبيرة، كما ان الشعار ذاته حمل في طياته تحذيراً موجهاً للعدو الاسرائيلي وللأميركيين، وأيضاً للداخل اللبناني، مفاده ان من تسول له نفسه الاعتداء على لبنان بهدف النيل من سيادته والاعتداء على مقاومته "فإننا نقول، نعم ان لبنان سيبقى سيداً، وان المقاومة ستبقى حاضرة وجاهزة في كل الساحات لصدّ أي عدوان، واننا نطمئن اللبنانيين بأن لبنان، بجيشه وشعبه ومقاومته، سيكون منتصراً في أي اعتداء او معركة مقبلة مع العدو الإسرائيلي".

اللافت ايضاً ان اطلالة السيد نصرالله تزامنت مع لحظة فارقة تمر بها المنطقة بعد الاعلان الاميركي الاعتراف بسيادة الكيان الصهيوني على هضبة الجولان العربي السوري، في خطوة تلت الاعلان الاميركي عن نقل سفارته الى القدس كعاصمة للكيان الصهيوني، وتوقع اعلان العدو الاسرائيلي القيام بالخطوة الثالثة بضم اراضي الضفة الغربية، خصوصاً في ظل السكوت العربي المخزي، الامر الذي يشي بأن "صفقة القرن" يجري تنفيذها بخطوات باردة من خلال أكبر عملية سلب وعربدة أميركية ـ إسرائيلية للحق العربي.

أمام هذا الواقع، ختم السيد نصر الله كلامه عن الحق العربي بالإعلان عن سقوط كل مبادرات السلام مع العدو الإسرائيلي، خصوصاً تلك القائمة على مبدأ "الأرض مقابل السلام"، وان استرداد الحق العربي لن يتحقق من خلال مبادرات أثبتت عقمها وفشلها، وان السبيل الوحيد لتحقيق ذلك هو التمسك بمبدأ المقاومة.. المقاومة.. ثم المقاومة.

الملاحظ أن كلام السيد نصر الله غابت عنه هذه المرة أي إشارة الى طمأنة اللبنانيين بعدم وجود استعدادات اسرائيلية لشن حرب على لبنان او سورية، لكن المؤكد هو ان اطلالة السيد نصرالله دعت الى توخي الحذر وتهيئة أجواء الساحة اللبنانية بالاستعداد لمواجهة أي نيران تطلقها "الهيدرا" الاسرائيلية من الداخل أو من الخارج.

كما أن اجتماع السيد نصر الله مع نائب رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس"، واتصاله مع المقاومة في غزة، اشارة واضحة أن صفقة القرن لن تمر عبر خطوات باردة، وأن الامور باتت بحاجة الى تفعيل نيران المقاومة بهدف إعادة التوازن الذي أضحى يميل لصالح العدو الإسرائيلي.

بانتظار خطوة العدو الاسرائيلي الثالثة الداعية الى ضم الضفة الغربية، والاعتداء المنتظر على غزة، فإن محور المقاومة سيكون أمام مواجهة نيران "الهيدرا" الداخلية والإسرائيلية.

ويبدو ان "هيدرا" الداخل اللبناني لم تتعلم من تجارب الماضي، وأنها لم تزل تراهن على "هيدرا" الأميركي ـ الإسرائيلي، حتى وان كانت تلك النيران ستؤدي الى إشعال لبنان كما حصل في العديد من المحطات، مع العلم أنه وعقب انتهاء كل المحطات السابقة التي ادت الى الفشل والخيبة، كانت تسود لغة تقبّل الآخر في الوطن، والتسامح، رغم سموم نيرانهم. فهل يبقى مكان للتسامح وتقبل "هيدرا" الداخل بعد خساراتهم وانكشاف رهاناتهم الفاشلة؟!


(*) "هيدرا" هي حيوان أسطوري بعدة رؤوس ينفث النار.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.