فنجان قهوة على شرفة ميشال معوّض "الأميركيّة"

جورج علم /

كنت قريباً من العشاء الذي أقامه النائب ميشال معوض على شرف وزير الخارجيّة الأميركي مايك بومبيو. لم أكن من المدعويّن، ولكن الحشريّة الصحفيّة قادتني لألتقي ببعض الوجوه التي شاركت، والمشهود لها بسرعة البديهة والملاحظة، وأعترف بصدق بأن السلّة لم تكن مكتنزة بدسم كبير، واستثنائي، ولكنها لم تكن فارغة، وفي ما يلي بعض الحصاد.

كانت السيدة بومبيو الشخصيّة الأكثر حضوراً. هادئة، رصينة، على انتباه بأدق التفاصيل، نظراتها في كلّ اتجاه، تراقب، تمعن، وتدقق بهدوء، وابتسامة، مع الحرص على إشاعة جوّ من الألفة والانسجام مع من حولها. أميركيّة "من كعب الدست"، مع إلمام واسع بالحضارة المشرقيّة. إنها بنت الكنيسة الأرثوذكسيّة، والأهم أنها كاتمة أسرار زوجها، وهو الذي كان يوماً مديراً لوكالة الاستخبارات المركزيّة الأميركيّة، وأمينة سرّه، ومستشارته الخاصة في بلورة مواقفه السياسيّة، ولذلك كانت الحريصة المنتبهة لكل كلمة يتفوّه بها، أو لكلّ إشارة يأتيها. إنها ظلّه بامتياز!.

الخبيران في الشؤون اللبنانية، ديفيد هيل وديفيد ساترفيلد، توزّعا الأدوار. الحضور كان كوكتيلاً من وجهاء، وفعاليات، والجو سياسي بامتياز، والملفات، معروفة، وأيضا العناوين العريضة من المواقف حيالها… لكن ماذا في التفاصيل؟

فوجئ الوزير الضيف بالضمور المعنوي، والتشرذم السياسي الذي أصاب قوى 14 آذار، همدت "ثورة الأرز" سريعا، غابت الملايين عن الساحات، والطرقات، ومعها اليافطات، والرايات، والخطابات الحماسيّة، وبدت الواقعية هي المسيطرة عند من جاء يخاطبهم، ويحضّهم على العودة الى الشارع في مظاهرات سلميّة حضارية حاشدة، ضد "حزب الله" وخطابه، وثقافته، وأسلحته، ومقاومته. هناك عتب أميركي ضمني على السعودية، لم تتمكن من الحفاظ على الوديعة الغالية في لبنان، نضب المال. نضبت المساعدات. تغيّر الخطاب، وحتى المقاربات الذكيّة للملفات البيئيّة، المعيشيّة، الاجتماعية، الصحيّة المكدّسة. وتغيّرت نبرة الخطاب أيضاً، هناك لهجة استعلائية في مخاطبة لبنان واللبنانيين، وهذا غير مقبول ضمنيّاً عند الذين ألفوا خطاب الهداوة، والكياسة، والعبارات الذكيّة المنمقة والمختارة بعناية.

حتى قادة "ثورة الأرز" تغيّروا، ولم يتغيّروا، بمعنى أنهم حاضرون على رأس هرميّة أحزابهم، وتنظيماتهم، ولا يزيحون… لكنهم لم يحسنوا القيادة! وعكست السنوات التي توالت على 14 آذار 2005، اهتماماً بمصالحهم الخاصة على حساب مصالح اللبنانيين، كما غاب الوعي الوطني عن خطابهم السياسي، ليحلّ مكانه التحريض المذهبي، والطائفي، والفئوي. وغابت المعالجات الجديّة لهموم الناس، ليحلّ مكانها الفساد المستشري الذي "يعطّر"ّ كل الملفات، وكل المؤسسات!

لم يفاجأ بالموقف الرسمي الذي سمعه من الثلاثي ميشال عون ونبيه برّي وسعد الحريري، لأن تقارير السيدة إليزابيت ريتشارد، وتلك التي وضعها كلّ من هيل وساترفيلد، قد أحاطته بحقيقة المناخ السياسي السائد، ما فاجأه "وقاحة" من استمع إليهم، قالوا له ما معناه "إن ثورة الأرز أصبحت يتيمة، لا أم لها، ولا أب، ولا حاضنة. الولايات المتحدة الأصيلة والأصليّة التي عرفناها من خلال كونداليزا رايس وجيفري فيلتمان، لم تعد موجودة، هناك الولايات المتحدة "التايوانية"، همّها شفط ثروات الشعوب والأمم، وإدارة شؤون العالم، وكأنها تدير خاتماً في اصبعها. إن مثل هذه السياسة التي تزرع في الأرض حقداً، وشراهة، واستعلاء، لا يمكن أن تحصد عطفاً، ومودة، وانسجاماً، والخلل ليس أن تصل الولايات المتحدة الى أهدافها محمولة على أكتاف الحلفاء والأصدقاء، بل الخلل في عدم دعمها لكي تبقى تلك الأكتاف منيعة قادرة على الحمل. ثم ان الملف اللبناني ليس حديث النعمة على الإدارة الأميركيّة. إنه مفتوح منذ عقود طويلة، وهناك إلمام وافٍ بكل مستجداته، ومحطاته، وكان لبنان في المرتبة الأولى وفق تصنيفات السياسة الأميركيّة الشرق أوسطية في عهد الرئيس الراحل رفيق الحريري، ولم يقصّر يوما عن القيام بما يتوجّب، بعد استشهاده، لا مع سعد الحريري، ولا مع رؤساء الحكومات الذين تعاقبوا على سرايا الحكومة بعد 14 شباط 2005، لكن الزبد الذي طفح على السطح كان فاضحاً، لأن الإدارات المتعاقبة على البيت الأبيض، من دون استثناء، سواء أكانت جمهوريّة أو ديموقراطيّة، كانت تنظر الى لبنان من المنظار الإسرائيلي، وليس من منظار الكيان اللبناني القح، المكتفي بأوصافه، ومواصفاته التعددية، والمنفتح على المتوسط، ومنه على العالم!".

وتطول "الدردشة" مع بعض الذين كان لهم شرف الجلوس على شرفة النائب ميشال معوض التي تحاول أن تستشرف القادم من الأيام، بعيد العشاء الأميركي الفخم، والدسم. ليس قليلاً أن يلبي عميد الدبلوماسيّة الدوليّة، دعوة نائب لبناني شاب، يسعى الى صعود السلّم درجة بعد أخرى، بتأن، ودراية، خوفاً من دعسة ناقصة!

يقول أحدهم: غريب هذا اللبنان، له جاذبيّة خاصة، وسحر طاغٍ يضفيه على الزائر، ويترك في نفسه انطباعاً مغايراً، وشعوراً عابقا بوجدانيّة، فقدت أثرها في عالم المال، والأعمال، وتنافس المصالح. جاء مايك بومبيو أستاذاً محاضراً، يملي أطروحته في صفّ "المشاغبين" بفوقيّة غير معهودة، وجلّ همّه أن يصل الصوت والصورة، الى جون بولتون، وجاريد كوشنر وجيسون غرينبلات وديفيد وترمان، طبقا للمواصفات المطلوبة من هذا الرباعي المحيط بالرئيس دونالد ترامب، والذي يضع مصلحة إسرائيل فوق كلّ اعتبار.

ما سمعه في بيروت، ربما يغير قواعد "اللعبة". غادر بانطباع مغاير، المشاغبون متمايزون، وجاذبيّة تمايزهم تكمن بالانسجام في ما بينهم، على أرض واحدة، وضمن بيئة تعدديّة متنوعة، وتحت سقف وطن واحد، وفي ذلك فرادة، وهذه الفرادة جديرة بالتفاعل ضمن مناخ الحدّ الأدنى من الحريّة، والإستقرار. لم يخرج عن الإطار المرسوم له، لم يتلكأ في إنجاز المهمّة التي جاء من أجلها، لكن عندما عاد الى عاصمة دولته، حمل معه انطباعاً مغايراً لما يروّج له جون بولتون وفريق عمله من ثقافة عمياء مشبعة بالتطرّف، والتعصّب لمصلحة إسرائيل. قالها عابرة في معرض حديثه مع أحدهم، "لا يمكننا أن نكمل هكذا!". زوجته كانت إلى جانبه، ونظراتها كانت مشبعة بفضيلة الاقتناع. وعندما عاد إلى واشنطن، وقف في الصف الثاني، حينما جلس رئيسه دونالد ترامب إلى المنضدة، ومن حوله كبار مستشاريه، وعن يمينه رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، ليوقّع على قرار جعل هضبة الجولان السوريّة المحتلة تحت السيادة الإسرائيليّة!.

… وماذا عن الدسم؟

يقول بعض من سمع، وواكب، إن بومبيو ليس بالرجل العادي، سبق له أن كان مديراً مقتدرا لوكالة الاستخبارات المركزيّة الأميركيّة قبل أن يختاره ترامب وزيراً للخارجية خلفاً لريكس تيليرسون. ومن هذه الخلفيّة جاء الى بيروت ليستثمر بالغباء السياسي، ويروّج لـ"صفقة العصر"، ويلهي محدّثيه بملفات داخليّة حساسة ومعقّدة، من عودة النازحين السوريين، إلى التباينات المتناسلة بصددها، وترسيم الحدود مع إسرائيل، خصوصاً البحريّة منها، إلى الحقل النفطي رقم 9، والعقوبات الأميركيّة ضدّ "حزب الله"، وانعكاساتها على العملة الوطنيّة والقطاع المصرفي، والوضع المالي ـ الاقتصادي المأزوم. لم يكن هناك من حديث مباشر حول "صفقة العصر"، وتداعياتها المباشرة على لبنان. ربما كانت هناك بعض المقاربات في المحادثات الرسميّة مع كبار المسؤولين، ربما، لكن المؤكد أن بومبيو جاء ليستشرف، ويستقصي، لأنه يدرك تماماً بأن جون بولتون، وصهر الرئيس ترامب، جاريد كوشنر قد أسقطا "حق العودة" بناء على طلب من إسرائيل، ولن تأتي "وثيقة الصفقة" على ذكرها البتة، الأمر الذي يطرح سؤالاً ملحّاً: ما هو مصير نصف مليون لاجئ فلسطيني  في لبنان بعد 71 عاماً من "إقامتهم المؤقتة كضيوف؟". وهل يستطيع هذا الوطن المحشور بأهله، أن يستوعبهم؟!

لقد جاء يحرّض اللبنانيين ضدّ "حزب الله"، لأنه يعرف بأنه "الطرف الوحيد المشاغب، الرافض للصفقة، والمستعد لمواجهتها بقوّة السلاح، إذا ما سمح له محوره بذلك، خصوصاً وان مثل هذا الاحتمال وارد جدّاً بعدما أهدى ترامب الجولان السوري الى نتنياهو، وأيضا بعد القرار المبدئي الذي يقضي بقيام كوشنر، وفريق عمله، بزيارة الشرق الأوسط بعد الانتخابات الإسرائيليّة العامة في 9 نيسان المقبل، وتشكيل حكومة جديدة في تل أبيب، لوضع  "صفقة العصر" موضع التنفيذ!".

"…دردشة، حول فنجان قهوة، على شرفة ميشال معوض "الأميركيّة"، قد لا تأتي بعظيم فائدة، ولكنها ترضي نهم صحافيّ حشري…

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.