الحريري "المحقون" سعودياً محكوم بـ "الامتصاص" لبنانياً!

نورما أبو زيد /

منذ الاتفاق على معايير الطبخة التي أنضجت الاتفاق الرئاسي، لا موالاة ومعارضة تحت سقف السرايا الحكومي. في حكومة العهد الأولى، الكلّ انضوى تحت سقف حكومة "الوحدة الوطنية". ثمّ جاءت الانتخابات، وأفرزت مجلساً نيابياً ممسوكاً من أطراف التسوية الرئاسية. كادت أصوات المعارضة تغيب، لولا كثرة الخلافات على الحصص الوزارية في حكومة العهد الثانية. كثُرت الخلافات أثناء تشكيل الحكومة، لكنها لم تكن معارضة. ولدت حكومة العهد الثانية بعد مخاض طويل، ولولا اختلاف الرؤوس، لصعب تمييزها عن حكومة العهد الأولى. حكومة "إلى العمل" هي حكومة البلد بكلّ تركيبته. في هذه الحكومة التي لم تتأقلم بعد مع شعارها، بدت "القوات اللبنانية" منذ اليوم الأوّل لتشكيلها مختلفة مع "التيار الوطني الحرّ" و"حزب الله"، ولكنها ليست معارضة. "تيار المردة" بدا بدوره مختلفاً مع العهد، ولكنه ليس معارضة. نبيه بري ووليد جنبلاط يعارضان أداء العهد منذ حكومة العهد الأولى، ولكن مشاكستهما ليست معارضة.

قبل أن تُقلع الحكومة، أتت المعارضة من حيث لا يتوقع أحدا. ذهب سعد الحريري إلى السعودية في زيارة "عائلية"، فقرّرت المملكة في ليلة "منيرة" أن تحتفي به ابناً وحيداً. عاد الحريري إلى بيروت مشحوناً بمشاريع إقليمية ودولية، فأظهر تبايناً مع "شيف" الطبخة الرئاسية وزير الخارجية جبران باسيل في عدد من الملفات الداخلية، وأظهر اختلافاً إلى حدّ الافتراق في ملفّ النازحين السوريين.

بعد التراشق العالي السقف بين رئيس الحكومة و"الشيف" باسيل، بدا وكأنّ ثمّة طبخة إقليمية – دولية يُراد للحريري طهوها في مطبخ السرايا الحكومي، على غرار طبخة العام 2010 التي أحرجته عام 2011 على باب البيت الأبيض وأخرجته من على مائدة السلطة اللبنانية. رفع الحريري من سقف مواقفه، فرُفعت المتاريس في وجهه. مرّ "القطوع" الأوّل على خير، ولكن هناك من يعتقد أنّ ثمّة اشتباكاً أكيداً تحت سقف الحكومة، وإن كانت سقوفه غير واضحة بعد.

كلّ الأحداث التي تجمّعت فجأة على الساحة اللبنانية، تشي بأنّ ثمّة قوى إقليمية ودولية تعمل على تجميع قوى "14 آذار"، وعنوان "الثورة" الجديدة: التمسّك بالسوريين في لبنان. فهل يُمكن تجميع المفكّك؟

في فترة عرض العضلات الحريرية، غلّفت الضبابية مستقبل "المصاهرة" المباشرة العابرة للمبادئ ما بين "المستقبل" و"التيار الوطني الحرّ"، وتلك غير المباشرة العابرة للمذاهب ما بين "حزب الله" و"المستقبل"، وانقسمت وجهات النظر بين من اعتبر أنّ الحريري يستقوي بعضلات الرياض بعيد كلّ زيارة لها، ولكنه سرعان ما يستدرك بأنّ الرئيس ميشال عون هو ضمانة بقائه على رأس الحكومة في لبنان. وبين من قال إن الحريري 2019، لن يكون نسخة مشابهة لنسخة الحريري 2017 ـ 2018، لأنّ المتغيّرات الإقليمية والدولية ترسم له مساراً داخلياً مختلفاً هذا العام.

بعد الصولات والجولات الأميركية في بيروت، اتّضح أنّ الحريري لا يمكنه أن يرتدي بزّة المعارض وفقاً للمسار المرسوم له إقليمياً ودولياً، وأن يكون على رأس فرقة "14 آذار"، لأنّ من شأن هذا الأمر أن يكلّفه منصبه لبنانياً. والأميركيون ومن خلفهم السعوديون، استنتجوا أنّ إعادة تجميع قوى "14 آذار" تحت عنوان التمسّك بالنزوح السوري يحتاج إلى أكثر من أعجوبة. فلا بيئة سعد الحريري تستطيع تحمّل سنوات مقبلة من عبء النزوح الذي يأكل من صحنها، ولا بيئة "القوات اللبنانية" وسائر القوى التي تشكّلت منها "14 آذار" سابقاً، قادرة على إقناع شارعها بأنّ بقاء النازحين غير مضرّ به. وعليه، لا خيار أمام الأميركيين والسعوديين سوى العمل على ملفات محدّدة. ولكن هل يتجاوب حلفاء الداخل المتفرّقين مع خطط متفرّقة؟

تقول الدوائر المحيطة ببيك المختارة، إنّ تموضع وليد جنبلاط إقليمياً واضح، ولكن هذا لا يعني أنّه على استعداد مرّة جديدة لمجاراة الرياح الأميركية داخلياً، خاصةً بعد التجربة السابقة المخيّبة.

من جهته، سمير جعجع الذي بات عملياً خارج الاتفاق الرئاسي، قد يكون الأكثر ميلاً نحو "التمايل" مع الريح الخارجية. ولكن ما بين جنبلاط "الثابت" في موقعه، وجعجع "المائل"، كيف سيتصرّف الحريري؟ كيف سيوائم بين الحلف الخارجي الملحق به منذ العام 2005 الذي يرسم خطوطاً جديدة له في المنطقة ولبنان، وبين الحلف الداخلي الذي التحق به عام 2016 والذي يرسم له خطوطاً حمر.

لا يشكّ اثنان بأنّ استمرار "التسوية الرئاسية" حاجة لطرفي "اتفاق مار مخايل"، ولكنه حاجة للحريري أيضاً، الذي لن يتردّد الثنائي البرتقالي ـ الأصفر في إخراجه من جنّة الحكومة، إذا ما زادت وتيرة المطاردات الخارجية، ووجدت من يتبناها داخلياً.

قبل أن يزور الحريري الرياض، بمشروع عائلي، ويعود إلى بيروت محملاً بمشروع إقليمي ـ دولي، كان الكباش الأميركي –الإيراني في المنطقة قد بلغ مداه وامتد إلى لبنان. "حزب الله" الذي هو مفتاح إيران في المنطقة، يُدرك أنّه لا يمكن لواشنطن أن تطرق باب طهران دون أن تطرق بابه. شعر "حزب الله" بأنّ ثمّة خطة أميركية تطوّقه، فقرّر أن يُطلق النيران على رجليها. وعليه وقع اختياره على فؤاد السنيورة الذي هو رجل أميركا الأول في لبنان. استهداف السنيورة عبر فتح ملفه المالي الدسم، هو رسالة إلى واشنطن، تماماً كما هو رسالة إلى السنيورة و"بيت الوسط" والقوى التي تدور في فلكهما.

بوجود هكذا قرار استراتيجي، لم يكن بمقدور "التيار الوطني الحرّ" أن يقف موقف المتفرّج، خاصةً وأنّ واشنطن ستعرّج على بعبدا لدى استهدافها "حزب الله". اتّضح أمر العمليات بنفخ سعد الحريري، فرفع جبران باسيل من سقفه، لعلّ رئيس الحكومة يعود إلى "رشده". وبهذا المعنى بات مدير عام وزارة المالية ألان بيفاني، عدّة شغل يعتدّ بها سياسياً، خاصة وأنّه قد قدّم نفسه للرأي العام اللبناني أنّ عمله صحيح ودقيق حسابياً ووطنياً.

انطلاقاً من هذه التجربة، لن تكون هناك معارضة فعلية في الداخل. سيضغط الخارج على بعض "الخوارج" في بعض الملفات للضغط على العهد وفريق "8 آذار"، والأخير سيلجم الخوارج عبر التلويح بالملفّ المالي.

يقول مصدر مقرّب من رئيس الحكومة، إنّ الحريري محكوم بممارسة سياسة مطاطية خلال المرحلة المقبلة، تتيح له امتصاص الصدمات، لأنّه في حال تصلّب، سواء بالانحياز إلى الخارج أو بالانحياز إلى الداخل، يعلم أنّه سيتلقى ضربة قاضية من أحدهما.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.