هل تعود سوريا إلى لبنان؟

حسابات سياسية تقلب معادلات المنطقة

ـ خضر طالب ـ 

دخلت سوريا إلى لبنان عسكرياً في العام 1975، بناء لطلب رئيس الجمهورية آنذاك الراحل سليمان فرنجية، فوقف الجيش السوري إلى جانب "الجبهة اللبنانية" ومنع سقوط ما كان يسمّى "المنطقة الشرقية" في أيدي مقاتلي "الحركة الوطنية اللبنانية" و"منظمة التحرير الفلسطينية".

لكن سوريا وسّعت انتشارها في لبنان في العام 1976 تحت مظلّة "قوات الردع العربية" التي أنهت حرب السنتين، في حين أن الوحدات الرمزية للجيوش العربية التي شاركت في "قوات الردع" لم تستطع البقاء طويلاً في لبنان، وتركت تلك المهمة للجيش السوري وحده.

بعد ذلك انقلبت "الجبهة اللبنانية" على الجيش السوري وقاتلته، ثم حصل الاجتياح الإسرائيلي الأول للبنان في العام 1978، وبعده حصل الاجتياح الثاني في العام 1982 حيث اضطر الجيش السوري للانكفاء إلى البقاع والشمال، تاركاً العاصمة بيروت والجنوب وجبل لبنان التي احتلها العدو الإسرائيلي.

يومها خرجت سوريا بهزيمة عسكرية وسياسية، لكنها احتوت الصدمة خلال أشهر قليلة وباشرت هجومها المضاد، فأسقطت نتائج الاجتياح الإسرائيلي بإسقاط اتفاق 17 أيار، ثم عادت للتمدّد في كل لبنان، ولتحكم سيطرتها العسكرية والسياسية عليها بعد أن نجحت في الحصول على تفويض دولي لإدارة الشأن اللبناني، في خلفية اتفاق الطائف.

استمرت سوريا في إدارة الواقع السياسي اللبناني، بل وغير السياسي، حتى صارت وصايتها مطلوبة من بعض اللبنانيين الذين كانوا يستقوون على بعضهم بالعلاقة مع المسؤولين السوريين.

بقيت سوريا ناظمة للسياسة والأمن والخارجية والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية، وطبعاً للانتخابات النيابية والبلدية والاختيارية.. واحياناً للعلاقات العائلية، إلى العام 2005 عندما اغتيل الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وخرجت سوريا عسكرياً وسياسياً من لبنان الذي تحوّل بين ليلة وضحاها إلى حالة عداء حادة مع سوريا استمرت حتى العام 2011 عندما بدأت الحرب في سوريا، وتورّط فيها كثير من اللبنانيين، من سياسيين وأحزاب وأفراد ورجال دين، احتضنوا كل خصوم النظام في سوريا، و"دلّلوهم"، حتى ظهرت المعادلة المعروفة آنذاك "خرج الجيش السوري، وعاد تحت إسم الجيش السوري الحرّ".. إلى أن تبدّلت المعطيات وتم تعطيل الدور الأمني لـ"الوصاية السورية الجديدة"، بعد أن انكشف دورها في التفجيرات والعبث الأمني الذي كاد يطيح بالسلم الأهلي في لبنان ويستدرج الحرب السورية إليه.

أما في السياسة، فقد انكفأت سوريا بالكامل عن المعادلة الداخلية اللبنانية، نتيجة غرقها في حربها الداخلية الشرسة.

تولّى "حزب الله" إدارة فريق سوريا في لبنان، وكانت أي مراجعة لمسؤول سوري في أي شأن لبناني، مهما بلغ، تنتهي بإدارة ظهر سورية وعبارة "راجعوا السيّد"، والمقصود الأمين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصر الله.

بدا ان سوريا فعلاً لم تعد مهتمّة بما يحصل في لبنان، ولا تريد مطلقاً الحديث عنه وبشأنه. ربما لأن تركيزها كان منصبّاً على منع انهيار النظام في مرحلة أولى، ثم بتثبيت النظام في مرحلة ثانية.

لكن، ومع بدء استعادة النظام للسيطرة الميدانية في سوريا، وتأكده من انتصاره، واستعادة المناطق الحيوية التي كان خسرها طيلة 7 سنوات من الحرب، يبدو أن النظام صار مرتاحاً، ولديه الوقت للتفكير في "أمور أخرى"، ولبنان من بين تلك "الأمور".

قبل سنوات، وطيلة فترة الوجود السوري في لبنان، كانت طريق دمشق ـ بيروت مزدحمة ذهاباً وإياباً. "الخط العسكري" عند الحدود لا يهدأ، والسيارات الفارهة تنتظر دورها للعبور في الاتجاهين. كان العائد من دمشق ينظّر أمام الحاضرين في مجالسه بما سمعه من أصغر مسؤول سوري.. وكان السياسيون ينقلون من سوريا مواقف عن ألسنة المسؤولين فيها، حتى صار مصطلح "زوّار دمشق" هو "فيزا" العبور إلى الموقع السياسي. هذا التقى "أبو جمال" وذاك تغدّى مع "أبو وائل"، وهناك من شرب القهوة مع "المساعد علي"! وفي طريق الذهاب والعودة كانت المحطة عند "أبو يعرب"، وبعده رستم غزالي، لتقديم تقرير عن الزيارة…

منذ أن غابت سوريا عن لبنان، توقّفت عجلة السياسة عن الدوران. أساساً، لم تكن عجلة السياسة تدور بسلاسة أثناء الوجود السوري إلا بقرار سوري. أما بعد غياب سوريا فإن النتيجة كانت: لا انتخابات نيابية. لا يمكن تشكيل حكومة في أقل من 6 أشهر. ليس هناك من ينظّم الانقسام السياسي. لا يوجد من يفك الاشتباكات السياسية بين الحلفاء والخصوم. ليس هناك من يوزّع بعض "غنائم" الدولة ويقتطع حصته منها، وإنما صارت كل الدولة غنائم وتناتش حصصها يحصل بشراسة. كان الفساد "منظّماً" وله "منظومته" و"نظامه" و"إدارته"، بينما صار الفساد فاسداً وعشوائياً وأفقياً وعمودياً.

في غياب سوريا عن لبنان، حصل اجتياح بيروت في 7 أيار، واندلعت 20 جولة حربية في طرابلس، وجولة حربية في صيدا، وجولات من المناوشات في عين الحلوة، وحروب مذهبية في العديد من المناطق والقرى، وانقسام مذهبي حاد في كل البلد.. وتعدّدت الحمايات العربية والإقليمية والدولية للأطراف اللبنانيين. حماية سعودية لفريق، وإيرانية لفريق، وتركية لفريق، وفرنسية لفريق، وأميركية لفريق… حتى بدا أن سوريا كانت وصيّة على لبنان باسم كل تلك "الوصايات".

عملياً، تعطّلت الحياة السياسية بعد أن انتقل الاشتباك السعودي ـ الإيراني إلى داخل لبنان. وكانت سوريا شريكة في هذا الاشتباك إلى جانب الطرف الإيراني.

صارت إيران تفاوض السعودية على لبنان، والسعودية تفاوض إيران في لبنان!

أما الفريق السياسي الذي بقي محسوباً على سوريا، فأوكل أمره إلى إيران، لأن سوريا منشغلة عنه بهمومها وأولوياتها… إلى أن حصلت الانتخابات النيابية هذا العام، والتي أفرزت واقعاً سياسياً جديداً.

قيل الكثير في قراءة الانتخابات النيابية ونتائجها، ومن بين ما قيل إن إيران انتصرت فيها على السعودية.. لكن هذه القراءة ليست دقيقة. فالواقع الأدق، هو أن الفريق الذي حقق انتصاراً في الانتخابات النيابية في لبنان هو الفريق المؤيد لسوريا في لبنان.

مراجعة بسيطة وسريعة لأسماء النواب الفائزين، وللقوى السياسية والكتل النيابية، تكشف أن سوريا لديها الحضور الأقوى، وليس الوازن فقط، في مجلس النواب الحالي. التمثيل السوري في مجلس النواب الحالي يصل إلى نحو 30 نائباً من دون "حزب الله" وحركة "أمل" و"التيار الوطني الحر" و"الطاشناق"، وإذا ما أضيف نواب حركة "أمل" إلى هذا العدد فإن الحضور السوري في مجلس النواب يصل إلى 47 نائباً، ومع "حزب الله" يصبح 60 نائباً، ومع "التيار الوطني الحر" فإن سوريا تصبح لديها الأكثرية المطلقة في مجلس النواب!

تبعاً لذلك، ولجملة معطيات، يبدو أن سوريا قرّرت العودة إلى لبنان!

كيف؟ ومتى؟

الأرجح أن سوريا اليوم ليست كما كانت قبل العام 2005. هناك متغيرات كثيرة، وهناك توازنات مختلفة، وهناك حرب كبرى استمرت 7 سنوات ودمّرت معالم سوريا السابقة، ليس الحجرية فقط، وإنما أيضا المعالم الفكرية وأسلوب العمل.

الذين يراقبون طريق دمشق ـ بيروت، يشعرون بعودة الحرارة والنشاط عليها. صحيح أن "محطة عنجر" لم تعد موجودة، وأن الحركة ليست بالزخم السابق، لكن هناك أشخاصاً كانوا يتجنّبون سلوك هذا الطريق على مدى سنوات، و"هناك أجيال جديدة" صارت تعرف الطريق بكل مطباته وحواجزه وأمانه، لكثرة ما عبرته خلال السنوات الماضية.

فجأة، استعادت الشام حيويتها اللبنانية، والمسؤولون في سوريا، وغالبيتهم من جيل مختلف عن زمن ما قبل العام 2011، يستمعون أكثر مما يتحدّثون. ربما لأنهم لا يملكون القرار السياسي. وربما لأنهم لا يملكون المعطيات الكافية عن العبث السياسي اللبناني، بينما معظمهم ما يزال يرتدي البذّة العسكرية وغبار المعارك يملأ شعره. لكن الأكيد أن سوريا بدأت تستعيد "توازنها اللبناني"، تمهيداً لاستعادة دورها فيه، لتكون لاحقاً شريكة على طاولة التفاوض في شؤونه، وربما تستعيد التفويض "الجزئي" لإدارة الفريق السياسي المؤيد لها ولحلفائها.. أو "الكامل" لإدارة شؤون لبنان!

ما هو مؤكّد اليوم، أن سوريا تدقّ بيدها على الطاولة اللبنانية، وخصوصاً في الجانب الذي يجلس إليه من كان يدور في فلكها أو كان محسوباً عليها، أو من كان مستفيداً منها، سياسياً أو اقتصادياً أو أمنياً…

هناك من يحمل رسائل سورية علنية إلى بعض "السوريين سياسياً" في لبنان. هناك رسائل "مشفّرة" تصل إلى أشخاص محدّدين بلغة يعرفونها وحدهم. وهناك رسائل موثّقة بالبريد السريع، وهناك رسائل بالبريد المضمون. هناك رسائل يتم إيداعها في هذا البنك أو ذاك، لتحصيل قرض مع فوائده، وهناك رسائل يحملها حمام "التغريد"…

كل الرسائل تحت عنوان "البيان رقم 1"، وهدفها هو الدّق على الطاولة: "حان وقت الاصطفاف.. وليس هناك موطئ قدم في الشام لمن لا يقف بالصف.. آن أوان الحصاد السوري"…

وصلت الرسائل إلى كل من كان له مرقد عنزة في سوريا. وعلى من فهمها إعلان التزامه بمضمونها. أما من لم يفهمها أو من لم يلتزم بفحواها فهو حرّ في مخاصمة سوريا.

على الأرجح أن معظم من تلقّى الرسالة قد قرأ عنوانها "البيان رقم 1"، وأدرك أنه "محكوم" بإعلان التزامه. الذي يدقّق في تصريحات بعض السياسيين المعنيين بهذه الرسائل، يدرك أن هؤلاء انطلقت ألسنتهم في الحديث عن سوريا. بعضهم عادت ذاكرتهم إليهم أن الأول من آب هو عيد الجيش اللبناني، وعيد الجيش السوري، فسارع إلى التفتيش في بياناته القديمة عن نسخ برقيات التهنئة "بعيد الجيشَيْن"!

وبعضهم، كاد يخطئ في وجهة برقيته. وبعضهم كاد يصعد إلى عنجر لينافس امرؤ القيس في قصيدة "قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزل…".

أدرك الرئيس سعد الحريري أن هناك ما يشبه حالة "النزوح اللبناني" سياسياً إلى سوريا، فسجّل انتقاده لأولئك الذين "يسبقون النازحين في العودة إلى سوريا".

وأدرك وليد جنبلاط أن سوريا تستعيد بعض قوتها، فتخوّف على "لبنان الصغير" من "سوريا الكبرى".

ويعلم كثير من خصوم سوريا أن هناك متغيرات كبيرة في المنطقة، وأن الزمن يتبدّل، لكن بعضهم اتخذ خياره ويعرف أن لا مكان له في قطار "التغيير"، وبعضهم فتح قنوات مع سوريا بعد سنوات من الجفاء والخصومة.. وكالعادة، يتقدّم هؤلاء عند السوريين على الحلفاء الدائمين. بينما يستذكر أحد حلفاء سوريا مقولة نجاح واكيم الشهيرة "عندما تكون سوريا مرتاحة تضربنا، وعندما تكون محشورة نتعرّض للضرب عنها"! يفسّر هذا الموقف عتباً من بعض حلفاء سوريا، لكنه عتب مكتوم، وعلى الأرجح سيبقى كذلك!

تملك سوريا اليوم، عنصر الجذب للمنطقة والعالم. هناك ورشة إعمار ضخمة يفترض أن تبدأ قريباً لإنفاق نحو 400 مليار دولار أميركي، فضلاً عن استثمارات تدرّ مئات المليارات في مختلف القطاعات.

هناك سباق عالمي نحو سوريا، للحصول على سهم في ورشة إعمار هي الأضخم على الإطلاق في القرن الحالي، وربما في التاريخ.

في دمشق، يدرك المسؤولون أن سوريا ستكون قبلة العالم اقتصادياً، وأن الاقتصاد عصب السياسة. لذلك هم يدقّقون في سجلات كل شركة تتقدّم للعمل في سوريا. في أسماء أصحابها المعلنة والمستورة. وفي مركز عملها، وفي قدراتها والعاملين فيها. ثمة من يتحدّث عن أن المسؤولين السوريين اكتشفوا أن هناك رجال أعمال، من لبنانيين وعرب، هم على عداء معلن مع نظام سوريا، حاولوا التسلّل إلى ورشة الإعمار عبر شركات صينية أو شركات تم تسجيلها في قبرص.

كما أن السوريين يرصدون محاولات التفاف من خصوم النظام السوري عبر شركات روسية وشركاء روس. ويصل إلى أسماع المسؤولين السوريين يومياً وساطات روسية لبعض رجال الأعمال، للسماح لهم بالعمل في سوريا.

هناك كلام عن محاولات سياسيين ورجال أعمال لبنانيين كانوا من أشد الأعداء للنظام السوري، التوسّط مع روسيا لإجراء مصالحة مع النظام في سوريا. وهناك من حاول الالتفاف والتحايل على النظام السوري بمحاولة الدخول تحت أسماء شركات صينية. لكن هناك بعض السياسيين من حلفاء سوريا بدأوا ببعض الأعمال المحدودة في سوريا، وربما يشكلون لاحقاً جسر عبور لغيرهم من السياسيين!

هل عادت سوريا إلى لبنان؟ الأرجح أن هذه العودة في طور التحضير، وهي لم تكتمل ظروفها بعد، كما أن سوريا لا يبدو أنها مستعجلة كثيراً، لأن الاستثمار في الورقة اللبنانية ممكن على أكثر من طاولة، ويبدو أن السوريين يجمعون اليوم أوراقهم اللبنانية، بينما يستثمرون في ورقة النازحين إلى لبنان، إلى أن يحين وقت صافرة قطار العودة.. وإن بشكل مختلف وظروف مختلفة.. ليس من بينها، على الأغلب، العودة العسكرية.

"الأخوة والتعاون والتنسيق"

في 22 أيار 1991، وقع كل من رئيس الجمهورية اللبنانية الياس الهراوي، ورئيس الجمهورية العربية السورية حافظ الأسد معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق بين لبنان وسوريا، والتي تنص على أنه:

انطلاقا من الروابط الاخوية المميزة التي تربط بين البلدين والتي تستمد قوتها من جذور القربى والتاريخ والانتماء الواحد والمصير المشترك والمصالح المشتركة، تم الاتفاق على التعاون والتنسيق بين البلدين في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والامنية والثقافية والعلمية وغيرها بما يحقق مصلحة البلدين الشقيقين في اطار سيادة واستقلال كل منهما، وعدم جعل لبنان مصدر تهديد لأمن سورية وسوريا لأمن لبنان في اي حال من الأحوال.. على أن تتشكل هيئات تحرص على تحقيق أهداف هذه المعاهدة (المجلس الأعلى، هيئة المتابعة والتنسيق، لجنة الشؤون الخارجية، لجنة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، لجنة شؤون الدفاع والأمن، والأمانة العامة).

 

(شارك هذا المقال)

One thought on “هل تعود سوريا إلى لبنان؟

  • 15 آب، 2018 at 4:11 م
    Permalink

    الاستاذ كاتب المقال تحية طيبة ارجو السمحة في كلام الوصال على النصال،لا حبا بسوريا ولا كرها للبنان او العكس ،ولكن المايسترو الذي يدير الفرقة الموسيقية وبدونه تحرج الانغام شاذة وكل يلحن على ليلاه.هكذا هو حالنا.
    شكرا.

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.