حكاية فرنسيّة تحت قناطر هلسنكي: لبنان بوابة فرنسا إلى سوريا!

جورج علم ـ 

دخل لبنان طوعاً تحت خيمة هلسنكي، وذهب موحّد الرأي الى الديوان الروسي بحثاً عن مخرج مشرّف لملف النازحين. هو دائماً عفوي الخاطر، عاطفي، إنفعالي، يميل مع كلّ ريح، ويشتغل "عالقطعة"، بعيدا عن خطط ودراسات، او إستراتيجيات، همّه الوصول الى الأهداف بأقلّ الأكلاف، لكن ـ ومع الأسف الشديد ـ نادراً ما تلتقي حسابات الحقل الخارجي مع تقديرات وتمنيات البيدر الداخلي، وهذه ميزة غير مستحبّة، لأنها تشكل واحدة من نقاط الضعف التي غالباً ما تهلك أوطاناً، وتستبيح كيانات!.

جمع رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون من حوله، رئيس المجلس النيابي نبيه بري، والرئيس سعد الحريري، بالإضافة الى عدد من المعنييّن، عندما استقبل المفوّض السامي الروسي الجديد ألكسندر لافرونتييف المكلّف بمعالجة ملف النازحين، وأعطى القيصر اللبناني ما عنده لـ"القيصر" الروسي، مسهّلاً الأمور قدر المستطاع كي تبقى "سارحة والرب راعيها"، حتى "يصبح الفول في المكيول". إلاّ أن المشهد لم يرق للسفير الفرنسي برونو فوشيه، وقام بحركة إلتفافيّة إستلحاقيّة سريعة شملت بعض كبار المسؤولين تحت عنوان "لا يجوز أن يصبح البيض اللبناني فجأة داخل السلّة الروسيّة، ومن دون ضمانات، بينما تلك التي تعبت وسهرت لإنجاح سيدرـ1 لدعم لبنان، خارج أيّ اهتمام، أو اكتراث!".

والعتب هنا موصول بدول صديقة، ذلك أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كان ينتظر إتصالا من البيت الأبيض يطلّع فيه من الرئيس دونالد ترامب على حقيقة ما جرى في هلسنكي، والمناخ العام الذي سيطر على القمّة، إلاّ أن العزم لم يصح، ومضى قطار الزمن من دون المرور بهذه المحطّة المهمّة، فما كان من ماكرون إلاّ أن بادر هو شخصيّاً إلى الإتصال بالرئيس الروسي فلاديمير بوتن مستفسراً، مستوضحاً، متفاهماً معه على إرسال مساعدات إنسانيّة روسيّة ـ فرنسيّة الى الداخل السوري.

لماذا في هذا التوقيت؟.

لأن قمّة هلسنكي فتحت مزدوجين عريضين حول الملف السوري. صحيح أن العنوان الغالب، او المسيطر، هو عودة النازحين، لكن هذه العودة مرتبطة بملفين حيويَّيْن: التسوية السياسيّة، وإطلاق ورشة البناء والإعمار. ولذلك أراد ماكرون من خلال إتصاله مع "القيصر"، وتفاهمه معه على المساعدات، أن يحجز مقعداً مريحاً لفرنسا، في القطار الروسي السريع لكي يكون لها دور، إن في التسوية أو في ورشة إعادة الإعمار عندما تنطلق، من دون التفريط، ولو لوهلة بالمحطة اللبنانية المهمة.

ويقول بعض من في الكواليس، بأن الرئيس ماكرون عندما أطلق فكرة المؤتمر الدولي لدعم لبنان، لم يكن يمارس هواية "كاريتاس"، بل كان يصغي الى مدير مخابراته بإهتمام: "علينا أن نمسك بمفاصل الإقتصاد في وطن الأرز، لنمسك من خلاله بسائر المفاصل الأخرى التابعة او المتفرعة". وإنطلاقا من الجهد الإستثنائي الذي قامت به باريس لإنجاح "سيدر ـ 1"، تمكّنت من تكريس الرئيس سعد الحريري على رأس فريق العمل الوزاري القادر على تسييل الـ 11 مليار دولار ـ (محفظة المؤتمر الماليّة) ـ في مشاريع خدماتيّة، وإنمائيّة، يحتاجها لبنان، تحت إشراف الدول المانحة التي تسدد وتموّل. وتمكّنت أيضا من أن تحجز لنفسها موقعاً متقدماً في الحديقة اللبنانية الخلفيّة، كي تنطلق منها الى الداخل السوري في الوقت الذي تراه مناسباً، ويتوافق مع مصالحها العليا.

وفي زحمة هذا الإنشغال، تدخل قمّة هلسنكي على الخط لتدفع بباريس الى إعادة قراءة المشهد الإقليمي ـ الشرق أوسطي بتمعّن، ثم يدخل المفوّض السامي الروسي الى بيروت من البوابة السوريّة، ومن دون إستئذان، ليثير حفيظة الدبلوماسيّة الفرنسيّة، ويدفع بها الى قراءة المشهد اللبناني بتمعّن، نظرا للنواتىء الكثيرة التي برزت على السطح بعد الإنتخابات النيابيّة. صحيح أن إعادة النازحين يشكل عنواناً مستقطباً، إلاّ أنه لا يشكل الأولوية المطلقة، لأن الإنتخابات أفرزت أوزاناً وأحجاماً جديدة، وهذه إلتحقت تلقائياً بصفوف المحاور المتصارعة – المتواجهة في المنطقة، والتي تجتاح غالبيّة الساحات، من اليمن السعيد، الى باب المندب، الى مضيق هرمز، الى العراق، وسوريا، وصولاً الى الساحة اللبنانيّة، وما هو أبعد منها الى ليبيا، الى الشواطىء الأوروبيّة على المتوسط  التي تعاني من مراكب الموت المكتظّة بالنازحين، والمشرّدين، والمهمّشين!…

وعندما تعمّد السفير فوشيه مغادرة قصر الصنوبر، الى قصر بسترس ليحاور وزير الخارجيّة والمغتربين جبران باسيل، بوصفه صهر العهد، وسند ظهره، حول كيفيّة تخطّي العقد لتشكيل "حكومة العهد الأولى"، فوجئ بالأخير في عين التينة يصالح الرئيس نبيه برّي، ويفتح معه دفاتر الحاضر، والمستقبل بتمعن. عاد الإستقطاب الحاد بين 8 و14 آذار، وبين ثلاثيتين لا تصنعان توافقا: حركة "أمل" ـ "حزب الله" ـ "التيار الوطني الحر"، مقابل تيار "المستقبل" ـ "القوات اللبنانية" ـ "الحزب التقدّمي الإشتراكي". وبدأ الصراع حول حجم "الكوتا" التي يريدها، وينادي بها كل حزب، أو طرف في الحكومة الجديدة، الى الصراع حول الحقائب الوزارية بتصنيفاتها الجديدة، ما بين سياديّة، وخدماتيّة، وعاديّة!. الى الصراع حول مضمون البيان الوزاري، والموقف الجامع الموّحد من المحكمة الدوليّة، الى العلاقة مع النظام في سوريا، الى الآليّة المعتمدة لعودة النازحين، الى الإستراتيجيّة الدفاعيّة، وثلاثيّة "الجيش والمقاومة والشعب"، الى بلوكات النفط، الى المفاصل الساسيّة المرتبطة بالإقتصاد الوطني، من عودة زراعة الحشيشة، الى المالية العامة، الى القطاعات الخدماتيّة والإنتاجيّة…

وذهب بيك المختارة الأستاذ وليد جنبلاط نحو الأبعد عندما تحدث عن "لبنان الصغير"، و"سوريا الكبرى" أمام ضيفه رئيس فرنسا الأسبق نيكولا ساركوزي الذي جاء لبنان سائحاً برفقة زوجته الفنانة كارلا بروني ساركوزي التي أحيت حفلة ضمن إطار مهرجانات بيت الدين لهذا الصيف.

وجد الزعيم الدرزي ضالته بوجود الرئيس ساركوزي في قصره في المختارة ليبوح له بأسراره، وهو المأزوم، المثخن بجراح السويداء، ووقائع المجزرة الرهيبة التي إستهدفت أهلها من الموحّدين الدروز، والأبعاد والخلفيات المرتبطة بالمشهد السوري الجديد بعد قمّة هلسنكي، وخارطة الطريق المرسومة والتي تتكشف معالها وأبعادها يوماً بعد يوم.

ومن المعالم التي إكتشفها المجهر الجنبلاطي أن "أنصار الله" في اليمن، والمدعومين من "حزب الله"، وإيران، قد قصفوا ناقلتي نفط سعودييّتين في باب المندب، ولم تحرّك الإدارة الأميركيّة ساكناً. وأن وزير النفط السعودي قد إتخذ قرارا بوقف الشحنات السعوديّة النفطيّة، ولم تحرّك دول العالم ساكناً رغم أنها المتضررة، أو المتأثرة إقتصاديّاً من هذا التدبير، وبدلاً من أن يعلن الرئيس ترامب الويل والثبور، وعظائم الأمور ضدّ إيران، فاجأ المجتمع الدولي بدعوته طهران الى الحوار المباشر، ومن دون شروط مسبقة، فيما كانت ردّة الفعل الإيرانيّة "مغناجة"، وعلى قاعدة "عرف الحبيب مكانه فتدلل!". ولم تنته الأمور عند هذا الحد، بل بادر وزير الخارجيّة العماني يوسف بن علوي الى إغتنام الظرف فزار واشنطن وأخذ ضوءاً أخضر من الرئيس ترامب مباشرة حول ضرورة فتح أبواب مسقط مرّة جديدة أمام حوار مثلث الأطراف أميركي ـ إيراني ـ إسرائيلي لتدوير الزوايا الحادة، والتفاهم على خريطة جديدة لتقاسم المصالح إنطلاقا من الخليج، ووصولاً الى سائر الدول التي يتغلغل فيها الأخطبوط الإيراني المتمكّن.

في ضوء هذا الواقع، ما هو الدور السعودي الجديد على الساحة اللبنانية، ومن التركيبة الحكوميّة تحديداً؟ الجواب رهن بالتطورات المتسارعة.

وعندما يصل المجهر الجنبلاطي الى سوريا، يبدو المشهد مختلفاً. لم تتحدث قمّة هلسنكي عن النظام ومستقبله، ومنحت الرئيس بوتين تفويضاً شبه مطلق في ترتيب البيت السوري، وتحدثت مصادر الكرملين النافذة حول الدور الإيراني، واعتبرت أن سحب السجادة الإيرانية من الساحة السوريّة غير متطابق والمواصفات، لا بل هو من سابع المستحيلات، وأن توقيت مجزرة السويداء، في زحمة هذه المتغيرات والمستجدات، يعكس المدى الذي بلغه التغيير في المشهد السوري ـ الإقليمي ـ الخليجي بعد قمّة هلسنكي لمصلحة الثلاثي الروسي ـ الإيراني ـ النظام السوري، مقابل جوائز الترضية التي قد تحصل عليها الإدارة الأميركيّة في مناطق أخرى من العالم.

ووسط هذا الكمّ من الهمّ والغمّ، وجد زعيم المختارة متسعاً من الوقت للإستمتاع بليلة "ساركوزيّة" حالمة في بيت الدين. الفرنسيّون نبلاء بعاداتهم، وتقاليدهم، جديّون في الدفاع عن مصالحهم، وفي الوقت نفسه يعرفون متى يضيفون بعض الماء على نبيذهم المعتّق، على أمل أن يضيفوا شيئاً على نبيذ الحكومة اللبنانية لتبصر النور وتخرج من العتمة الى دائرة الضوء والتفاعل.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.