المرأة في الجيش.. "مثلها مثله"

محمد شرف الدين ـ

هذا العام، حل عيد الجيش اللبناني في الأول من آب، وشعور الفخر والفرحة بتحرير الجرود اللبنانية من الإرهابيين والثأر لـ"النكسة" التي تعرض لها الجيش اللبناني في معركة عرسال عام 2014، لا يزال في الأجواء. بتاريخ 2017/8/19 أعلن قائد الجيش العماد جوزيف عون بدء تنفيذ عملية "فجر الجرود" ضد تنظيم داعش الإرهابي في جرود رأس بعلبك والقاع. وقد استمرت العملية حتى تاريخ 2017/8/27، واستخدمت فيها مختلف أسلحة الجيش الرشاشة والصاروخية والمدفعية الثقيلة والطائرات، وأسفرت عن انتصار حاسم على الإرهابيين وتحرير جرود رأس بعلبك والقاع من الوجود الإرهابي.

وساهمت هذه المعركة، ليس فقط في استعادة هيبة الجيش اللبناني وتأكيد قدرته على الدفاع عن أرض الوطن بالدم والرصاص، بل سلطت الضوء أيضاً على الدور الذي تلعبه النساء في المؤسسة العسكرية، اذ أثنى عون بعد المعركة على الدور الأساسي الذي لعبته المرأة قبل المعركة وخلالها، خصوصاً نساء الشرطة العسكرية اللواتي تمركزن على حاجز وادي حميد، وهي أخطر نقطة في عرسال كانت معرضة لهجمات، من دون أن تبدي أي منهن تردداً أو خوفاً.

المرأة في الخدمة العسكرية

يعود تاريخ انخراط المرأة اللبنانية في الخدمة العسكرية الى تسعينات القرن الماضي، فقبل العام 1989، يومَ كان الرئيس ميشال عون قائداً للجيش، لم تكن هناك خدمة عسكرية للنساء في الجيش اللبناني، نتيجة ظروف عدة فرَضت نفسَها آنذاك، أولها الحاجة إلى عسكريين لملء المراكز الإدارية، والحاجة إلى عسكر رجال على الجبهات، وثانيها الضغط من الناس لتحفيز الشباب على الانخراط في الجيش، على الرغم من أن واضعي الدستور اللبناني لم يفرقوا بين امرأة ورجل يومَ نصوا مواده، فاتحين المجال أمام الجميع في الدفاع عن وطنهم. وحين شهدت آنذاك معارك شرسة كلفت الجيش دفع ضريبة دم جديدة، دفعته إلى البحث عن سبل لملء الفراغ الحاصل في وحداته، ترافق ذلك مع مطالبة المرأة اللبنانية بحقها في القتال في صفوف الجيش فقط دون سواه، فبدأت النساء بالانخراط ولكن بنسب قليلة. ومع وصول العماد جوزف عون إلى قيادة الجيش زادت أعداد النساء في هذا المجال خصوصاً أنه يولي أهمية كبرى للمرأة ويرى أن وجودَها أساسي في خطته لبناء جيش حديث ومتطور.

في هذا الإطار، نجح منذ فترة في امتحانات التطوع للجيش لصالح الحرس الجمهوري ما مجموعه 151 فتاة يملكن مستوى علمياً وثقافياً عالياً. ولا بد من الإشارة الى أن المرأة أصبحت موجودة على المستويات كافة في الجيش، في الإدارة وفي كل الوحدات العسكرية ما عدا الوحدات القتالية، على الرغم من أن ثمة فتيات يقمن بمهمات ذات طابع خطير على الجبهات أو في المناطق القريبة من الجبهات أو الحامية.

مثلاً في عرسال، كانت مهمة الفتيات الموجودات على حاجز وادي حميد تفتيش النساء، وفي مخيم عين الحلوة هناك مجندات على مداخله يفتشن النساء، في مديرية المخابرات هناك مجموعة من النساء، كذلك على مستوى الضباط هناك فتيات متخصصات في الإدارة وغيرها وبعضهن وصلن الى رتبة عقيد ورتبة عميد أولهن العميد هلا الشهال الرز.

مثلها مثله

ينص القرار الوزاري الصادر في العام 1989، الذي تضمن أحكاماً تطبيقيةً تتعلق بتطويع اللبنانيات وخدمتهن في الجيش، على خضوع المتطوعات لذات التدريب المطبق على المتطوعين الذكور، على أن تراعى المقدرة الجسدية في أنواع التمارين والتدريبات الرياضية شتى. وهذا ما يحصل منذ العام 1992، والسنوات التي تلتها 1994، 1996و1997 والتي شهدت على تطويع عدد من الاختصاصيات الإناث من رتبة عريف وصولاً إلى معاون اختصاص، مجازات في حقول الطب والمعلوماتية والإدارة. خضعت تلك الدورات لشروط قاسية وجدية في التدريب، كما هو منصوصٌ عليه في التعليمات. فأمضين دورتهن، كالذكور، في معسكر التدريب، وخضعنَ معهم لنفس البرنامج الذي امتد لفترة ثمانية أشهر تخللتها مأذونيات نهاية الأسبوع فقط. تلا ذلك دفعات متتالية، ولو متباعدة المراحل على مر السنين بنسب متفاوتة، وبمستويات علمية واختصاصات طبية وإدارية متنوعة. إلا أن دور المرأة في الجيش لم يبقَ محصوراً في المجال الإداري، وقد باتت اليوم تشغل عدة وظائف في الوحدات المقاتلة.

بين الامومة والواجب العسكري

في لبنان، دخلت المرأةُ اللبنانيَّة المجتمع العسكري أسوةً بنساء العالم، فأثبتت على مرِّ السنين أنَّها ناجحةٌ في جميع ما أسند إليها من مهمات، وهي تسعى لأن توكل إليها مهمّات ميدانيَّةٌ أكثر لإبراز ما لديها من قدراتٍ وطاقاتٍ واستثمارها، فأضفى وجودُها قيمةً مضافةً على المؤسّسة العسكريَّة.

واذا كانت الامومة تشكل التحدي الأكبر للمرأة عامةً وللمتطوعة في الجيش خاصةً، فالمجهود الذي تبذله لتحقيق التوازن ما بين الواجبين الوظيفي والعائلي، يجعلها فريسةً للإحباط والتعب. لذا نراها تتخبط ما بين رغبتها في تطوير ذاتها مهنياً وبين رغبتها الغريزية في الأمومة. وعلى الرغم من ذلك، اجتازت المرأةُ تجربةَ القطاع العسكري، أكثر القطاعات المصنفة رجولية، بثقةٍ وعزمٍ، إذ أوصلها إلى تبوؤ أرقى المراكز القيادية في القوات المسلحة.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.