أمركم اليومي.. وأمرنا الدائم

نورما أبو زيد ـ

لفتني ذلك الشعار الذي رفعه الجيش اللبناني هذه السنة بعيده الـ73: "عيدنا يوم.. أمنك كل يوم".

لا يمكن القفز فوق مضمون هذه الرؤية وهذه العقيدة التي تترسّخ في الجيش اللبناني، على الرغم من كل التحديات التي يخوضها الجيش في أكثر من ميدان.

في مضمون هذا الشعار ثلاثة مفاهيم:

الأول، أن الجيش يكرّس نفسه لحفظ أمن اللبنانيين كل أيام السنة وفي كل الأوقات.

الثاني، أن عيد الجيش هو يوم واحد، يدعو اللبنانيين إلى الالتفاف حوله.

الثالث، أن عيد الجيش الحقيقي هو كل يوم عندما يحفظ أمن كل لبناني.

بهذه المعادلة التي يطرحها الجيش اللبناني، يمكن للبنانيين أن يتلقفوا رسالة الجيش السامية، وأن يكون عيدهم أيضاً كلما تأكّدنا من أن أمننا هو في عهدة هذا الجيش.

لقد نجح الجيش اللبناني في كسر حاجز وهمي تاريخي بينه وبين الناس. في كل العالم، عندما يكون الجيش في الشارع فإنه يصطدم بالناس، بأهله وناسه، بسبب السلوك العسكري الذي لا يتناسب مع السلوك المدني. هناك اصطدام واقعي وطبيعي بين سلوكين وعقليتين ومدرستين. العسكر هو نمط حياة ونهج وسلوك. ولذلك فإن العسكري يبقى بعد تقاعده يمارس النهج اليومي ذاته.

أما الجيش اللبناني، فهو موجود في الشارع منذ عشرات السنين، واحتكاكه مع المواطنين دائم وعلى مدار الساعة. وحواجزه منتشرة في طول البلد وعرضه. وعسكره في الطرقات ودورياته لا تهدأ وإجراءاته مستمرة.. ومع ذلك، فإن العلاقة بين الناس والجيش اللبناني هي علاقة خاصة. علاقة حب وانتماء. علاقة تفاعل. علاقة التزام متبادل.

هكذا هو الجيش اللبناني، وهذه عقيدته، وهذه مدرسته، وهذا نهجه…

لقد أثبت الجيش اللبناني، في كل المحطات، كفاءة عالية، وانتماء متجذّراً، والتزاماً ثابتاً، وحرصاً دائماً، ومسؤولية وطنية عالية، واستعداداً للتضحية، فقط من أجل لبنان.

إن المؤسسة العسكرية تبقى هي صمام أمان الأمن في لبنان، ولقد اكتسبت احترام اللبنانيين والتفافهم حولها، لكن الأهم أن هذه المؤسسة، وهذه القيادة تحديداً، تمارس دوراً شفافاً لتنقية الجيش من الشوائب وحماية المؤسسة العسكرية من نفسها أولاً، قبل أن تتولّى حماية الناس.

منذ اليوم الأول لتولي العماد جوزف عون قيادة الجيش، هناك شيء كبير يتغيّر في شفافية الجيش. هناك تحقيقات في تهم الرشاوى بشأن التطوع في دورات الضباط. وهناك شفافية في امتحانات التطوع إلى المدرسة الحربية ومدرسة الرتباء وإلى كل موقع في المؤسسة العسكرية.

النتائج تعلن كل يوم على الملأ من دون واسطة ولا وسيط.

هناك جيش يتعامل مع نفسه بشفافية، كي يستطيع التعامل مع الناس بشفافية.

هناك جيش يحاسب نفسه على خرق القانون، ومنع الرشاوى، قبل ان يضبط الذين يخالفون القانون.

ربما يكون هذا السلوك غير معتاد منذ زمن طويل في لبنان.

وربما يئسنا نحن اللبنانيين من شعار محاربة الفساد.

وربما فقدنا كل أمل بإمكانية الإصلاح.

وربما خسرنا فرصة الرهان على أي جهة أو شخص…

ربما وربما وربما…

لكن، ربما يكون الرهان هذه المرة في محلّه..

وربما تكون هذه الفرصة حقيقية لكي نبدأ بورشة حقيقية لبناء دولة.

وربما يكون الجيش حجر الزاوية في الإصلاح كما هو حجر الأساس والسقف والجدران في حماية أمن اللبنانيين..

صحيح أن الياس صار مستحكماً فينا، لكن لا نملك إلا الأمل، وأملنا معقود على هذه القيادة وعلى هذه المؤسسة أن تكون هي النموذج. نموذج البلد ـ المؤسسة، نموذج الإدارة ـ الشفافية. نموذج لبنان الذي نطمح إليه كي يكون وطناً لكل اللبنانيين. وكي نحيي الأمل بأن قيامة لبنان ممكنة في ظل هذا النهج الذي يشكّل أمثولة نريدها أن تتحوّل إلى عدوى تنتقل إلى كل مفاصل البلد والدولة والإدارة والمؤسسات.

أيها العسكريون..

لكم "أمركم اليومي".. ولنا قرارنا أن نشدّ على أيديكم لحماية استقرارنا الأمني، ولحفظ استقرار الدولة، ولبناء الدولة الآمنة لأبنائها، ولصيانة أمننا الاجتماعي.

أيها الجيش.. أنتم عسكرنا في الأمن.. ونحن شعبكم في الوطن.. عاش الوطن.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.